أخي المغترب

أخي المغترب

ماذا لو تم إخبارك بأنك ستهاجر للعيش في الهند أو الولايات المتحدة الأمريكية بحيث أنك ستترك الدولة التي تعيش بها ومنطقة الراحة الخاصة بك وتنتقل إلى دولة أخرى مختلفةً عنك ثقافيا، ماذا ستحضر لذلك؟ 

أجبرني هذا السؤال الذي طرحه أخي عند حصوله على عقد عمل في دولة أجنبية، إلى الوقوف والتفكير بتمعن في المجتمع من حولي. إلى أي درجة هنالك إختلاف بين الناس لدينا في المجتمع؟ هل هنالك تعددية ثقافية في مدارسنا أو أماكن عملنا؟

لطالما نظرت إلى مجتمعي، أنه لا يوجد به أشخاص يخرجون عن نطاق ثقافتي. جميعنا من نفس العرق والدين والطبقة الاجتماعية إلى حد ما لكن مع فوارق بسيطة لا تذكر، حتى أني لا أستغرب طريقة تعاملي مع أشخاص جدد من المجتمع، فهي عادات متشابهة ومتوقعة بحيث أنه من الممكن في أحد الأيام أن تتشابه وجبة الغذاء للحي كامل في طبق شعبي تقليدي. لكن حين ذكر الهند على مسمعي أو الولايات المتحدة الأمريكية فالأمر مختلف تماما؛ فمواطنوا الهند يعيشون تعددية دينية حيث أنه يوجد في الهند ديانات مختلفة ومتعددة مثل الهندوسية والسيخية والمسيحية والإسلام والكثير الكثير غيرها إلا أنهم يتعايشون معاً في دولة واحدة ويتفاعلون فيما بينهم.

كذلك الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي يعيش بها أناس من أصول عرقية وثقافات متنوعة من جميع أنحاء العالم يعيشون معا بتناغم إلى حد ما، فمن الممكن أن تجد حيا يحتوي على أناس في معظم بلدان العالم كلٌ منهم بعادات وتقاليد مختلفة مجسدين مبدأ التعددية الثقافية. على الرغم من أن النتائج في هاتين الدولتين لا تحققان النتائج المرجوة من هذا التنوع كما هو متوقع على الورق، لكن التجربة التي لديهم هي تعددية ثقافية. فما هي التعددية الثقافية إلا جماعات صغيرة تعيش ضمن مجتمع أكبر وتحتفظ بهويتها الثقافية وقيمها وممارساتها حيث يتم تقبل هذه الممارسات والقيم من قبل الثقافة السائدة مع الأخذ بعين الإعتبار أن ثقافة الأقلية لا تتعارض مع قانون الدولة ونظامها. كان هذا سبب تردد أخي واستشارتي بسبب أن المجتمع الذي نعيش به لا يحمل هذا التنوع على الرغم من أننا بحاجة إليه. يوجد العديد من الدول التي تسعى لتحقيق التعدد الثقافي بتوفير هجرات لها حتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التي تحتوي على العديد من الأعراق والديانات إلا أنها تقوم سنوياً بعمل سحب لهجرة انتقائية هدفها الأساسي زيادة التنوع بجذب أشخاص من الجنسيات الغير متواجدة بكثرة لديهم.

بعض الدول الأوروبية تغيرت طريقة اعتمادهم للهجرة، حيث كانوا سابقاً يعتمدون على هجرة البيض فقط إليها وكان يعتبر الأسيويون واليهود على حد سواء غير قابلين للإستيعاب إلى حين الاعتراف بالحاجة لتكوين مجتمعات متعددة الثقافات وإلغاء العنصرية في شروط الهجرة وحث المهاجرين على الإندماج بدلاً من مطالبتهم بالخضوع والإستيعاب، أي بإمكانهم الإحتفاظ ببعض مكوناتهم وثقافاتهم الوطنية. أظن أنهم تنبهوا إلى أهمية التعددية الثقافية لمصلحة بلادهم لدرجة أنها كانت على حساب العنصرية وهي شيء صعب التخلي عنه.

أتعلم يا أخي، كثيراً ما يخبرني جدي بمقولة من عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم، خاصة عند إنهاء شهادتي الجامعية من الخارج. وهو صحيح إلى حد ما إذا ما تم الإندماج في المجتمع الجديد، بل إنها تساهم في خلق تجربة فريدة ومميزة من نوعها لكل فرد من خلال رؤية التفكير الغربي بالنسبة للشرقي والعكس كذلك، يمكن تبادل طريقة التفاعل مع الأمور الحياتية أو السياسية والإستفادة منها. على الرغم من المشاكل التي قد تواجه هذه التعددية من حيث كيفية تنظيم المجتمع بعد تعدد فئاته أو انعزال بعض الجماعات لتشكيل جماعات صغيرة بعقليات متحجرة غير قابلة للتغيير أو التجديد وقبول الآخر بسبب شعور بعض الجماعات بالخوف من الجماعات المسيطرة في المجتمع أو التمسك بثقافة القبيلة والعنف والسيطرة أو شعور بعض الجماعات بالتعالي وعدم الرغبة في الانخراط بالمجتمع.

لكن برأي، مهما كانت الصعوبات أو سلبيات التعددية فإنها تستحق وإيجابياتها تطغى وتُنسي سلبياتها. عند تواجد أشخاص من خلفيات متعددة وثقافات مختلفة ستتولد أفكار ووجهات نظر لا يستطيع الآخرين التفكير بها فلكل شخص منا طريقة في التعامل مع مشكلة ما ودائماً الآراء المتعددة أفضل من رأي واحد. أنا على سبيل المثال أتعامل مع المشاكل بناءا على تجاربي السابقة المبنية على ثقافة عائلتي التي اكتسبتها منهم بما يتناسب مع الدين والثقافة المجتمعية التي يعيشون بها، لذلك سيكون من الأفضل كيفية تعامل الأشخاص من ثقافات مختلفة مع نفس المشكلة؟!، فلطالما كانت الحلول المقدمة من أبناء مجتمعي توجيهية فقط نحو الحل السائد في المجتمع أو عند ابداء رأي يكون الرأي العام للمجتمع لغالب الأشخاص بسبب اننا نتشارك الأفكار والتجارب نفسها.

بالإضافة إلى أنه عند العيش في مجتمع متعدد الثقافات ستشاهد بشكل يومي أشخاص وثقافات وعادات وتقاليد مختلفة تماماً عن التي تمتلكها مما يثري المحتوى لديك لفهم وتقبل الآخر ويعمل على تغيير الصورة النمطية عن الأشخاص التي تكون دائماً خاطئة بسبب اعتمادها عن طريق أقاويل. بحكم العيش معا ومعرفة أكبر قدر ممكن من الأشخاص ستتعلم مهارات التعامل مع المجتمعات ومفاهيم غريبة عنك ستساهم في تطور الشخص اجتماعياً. شخصياً، أرى أن ذلك مفيد جداً بالنسبة لي لطالما أردت إزالت الصورة النمطية عني وعن مجتمعي أيضا. كما أن العيش مع ثقافات مختلفة يساعد على ذلك بشكل كبير لتسهيل الترويج لثقافة الأشخاص مع الآخرين بسهولة ليس فقط  عن طريق القراءة عن المجتمعات أو مشاهدة فيديو أو تقرير، كل شخص يمكنه أن يروج لثقافة مجتمعه بالطريقة الصحيحة عند العيش سوياً ومن الممكن تبادلها أيضاَ عن طريق مقارنة حياتنا بحياة الآخرين وفهم الصراعات الحياتية المشتركة بيننا ومقارنة أولويات حياتنا بأولويات حياتهم وكيفية تفكيرهم.

الأن مرت خمس أعوام على سفر أخي للهند، مرت كأنها خمس أيام لم ينقطع الإتصال بيني وبين أخي  لأكثر من يومان. لقد كان يشاركني في كل صغيرة وكبيرة وهو في غاية السعادة عند إخباري عن كل معلومة جديدة عرفها عن ثقافة هذا الشعب أو عند تعديل معلومة خاطئة كان يعرفها عنهم. أصبح يعد الأطباق الهندية بشكل جيد وشاركهم أطباقنا العربية وأخر مرة حدثني بها أخبرني أنه يعد نفسه للتقدم لخطبة فتاة هندية ويريد مساعدتي لإخبار والدي.

 

أحمد الفحل

0 102