أنا العربي

أنا العربي

في أصول العرب ومنابتهم التي تحضرُ آثارها إلى يومنا هذا، كانت وما زالت القيم التي تدل على طيب هذهِ البادية التي أوجدتهم، وتعرض الميزة الأعظم والأكثر أهمية، الفطرة البشرية والقيم الإنسانية التي بدأت مع نشأتنا على هذا الكوكب، دون أن تتغير أو يعبث بها أحد. هم من أغاثوا المستجير وأكرموا الضيف واستقبلوا الملهوف وانتخوا لكرامته، حتى الآن يوجد لدينا مثل يقول “الضيف أسير المعزب” بمعنى أن “المعزب” بكسر حرف الزين وشدّه، يكرم ضيفه كما يشاء، وحضرت على شيء أن إذا أولم صاحب الدار لضيفه ولم يأكل، يحق لهُ أن يجبرهُ من أجل أن يأخذ واجبه على أكمل وجه. ولا يسعنا إلا أن نذكر في هذا الموضوع، أكرم العرب وأنبلهم، حاتم الطائي الذي بعد أن أوشك على الفقر، جاءوه ضيوفاً من العرب، ولم يجد إلا حصانه الذي أقام بها وليمةً لهم. والعديد من الامثلة التي تذكرنا بتلك القيم النبيلة والعظيمة للعربي الفارس الشجاع، صاحب النخوة والشهامة، الذي وإن استجار به الخائف حماه وأطعمه وسهر على راحته.

وللكرامة الحظ الأعظم عندهم، الذين إن هبّوا لها وقفوا وقفة الرجال وعنفوان الملوك يستحي من عنفوانهم. كانوا وما زالوا يُحبّوا المرأة ويعطوها ما لها، فليس من الكرامة شيء إن رأيتها في عازة وتركتها، وليس من القيم بشيء إن ضربتها أو استقويت عليها أو أخذت مالها. كان هناك شيء ملفت للنظر وجميل لعشاق البادية، أنه كان يسمح للفتاة أن تتعلل ليلاً مع عشيقها وراء بيت الشعر لكي تعرفه ويعرفها والكل على ثقة بأنهم لن يفعلوا “الفانية” أو يخونوا تلك الثقة. وتجدهم يتزوجوا ويجعلوا من أنفسهم شعراء لمحبوباتهم، مثل شاعر الحب والوفاء الشيخ نمر بن عدوان الذي هام بُحب وضحى السبيلة، التي كانت سوداء البشرة بينها وبين الجمال أميال، لكنهُ أحب روحها وقلبها وعشق كل ما فيها كأنها أميرة وجدانه.

يا نمر وضحى أرسلت لك سلامين

واحد صباح الخير وذاك العوافي

 

إنهم يجيدون الكَلم الطيب والحديث البليغ من الفطرة، يستقون من الصحراء كلماتهم وهي التي جفّت ماءاً وخلائق، ينطوي عليهم الليل ليذهبوا مع النجوم في قصائدهُم التي ما انتهت أبياتها وتحمل في أطرافها خبرة السنين والأيام الطِوال. لطالما عاشوا البدو حياةً صعبة، ليس كما نرى في المسلسلات التي نشاهد، ولا الجدائل النظيفة، لكنهُم كانوا الأنظف والأرقى. وإن من صفات العربي الأصيل أن لا يغدُر ولا يقتل أعزلاً ولا يؤذي ضعيفاً أو يرميه بسوء. في معظم أقطار الدُنيا، ولن أعمم إن تمكنَ أحدهُم من عدوه نال منه، حتى وإن استجار بهِ وأظهر لهُ ضعفه، إلا العربي فإنه يعفو.

 ما أردتُ من خلال هذا الحديث أن أُذكركم بهذهِ الشيم والقيم، ولعلها الأنبل بين الشعوب. من منّا لا يعرف “كُليب” وائل ابن ربيعة، أشرف العرب الذي خسرتهُ الأمة على يدِ جسّاس ابن مُرة، في هذا كان ضياع أول ملِكاً في العرب. كان يُحرم قطع الطريق ونهب القوافل، ويمنعُ أذيةُ الجار والمستجير، وكان مُحباً للجليلة، نديمة قلبه وزمانه. كان عند البدو بعض العادات السيئة التي لا تخلو من أي شعوب الدنيا، ولكننا نُركز هُنا على إيجابيات هؤلاء القوم أصحاب النخوةِ والشهامة.

يفهم الجيل الجديد هذه القيم على أنها قتلٌ ودمار، وبعض “الشيلات” التي تحضُّ على هذا وتُثيرُ الشر في النفوس، في الفن ما ساء استخدامهُ وطغى على الهدف الأسمى في نشر الأخلاق والسِمات الحَسنة، والحد من ما شابهها بالعكس في سوء. لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا النوع من الفن الذي لا يُسمى فن من الأساس، ونقول ما يجب أن يُقال في تاريخنا من عشائر وعائلات لم يعرفُها أبنائها إلا من خلال قصص الدم والحروب والغارات. لم يأتي إلينا أحدهم ليقولَ أن فينا من هذهِ الأخلاق ما يكفي لأن نبني حضارة ً هي الأكرم والأبهى، سيُحاسبهم التاريخ كلهم الذين قالوا ما ليس فينا، من عداءٍ وجهل.

ألفيت قومٍ فيهم العين ما تنام

صرف النوايا البيض بيهم حويسة

كرم يطغى على كفة المقدرة جام

وغاص المعزِّب بين الغنم والروس غيصة

تسقي الدلال المسهيّات وبُن راعيَّ اللثام

وإن حطها فالطلايب وافية يخزي ابليسه

***

يا سائل الوفا والطيب أبشر وحيّاك

غدر صويحب محتمي ماهو مجرّب

شرّق علينا وحيّ عينك وممشاك

ما قد قصدنا داعي الله ورد غرّب

 

هذهِ هي الشيم العربية الأصيلة والمتوارثة أبّاً عن جد، بدو وفلاحين وحضر. العربي لا تعزلهُ الحضارة عن قيمه ولا مبادئه، فرائحة القهوة تتغلغل من بين أصابعنا منذُ ذلك الزمان إلى يومنا هذا. رمزاً للكرم والكرامة، الوفاء والشجاعة، بمثل هذا يفتخر المرء، سلام.

 

محمد العجارمة

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

 

0 220