أنسامُ سلامٍ عاصفة

أنسامُ سلامٍ عاصفة

“ضبوا الشناتي وتأكدوا إنو ما نسيتو شي” بصوت مرتفع، مملوء بالرعب والخوف، أخبر أبو محمد عائلته أن يتجهزوا سريعا من أجل الخروج من المنزل بعد أن تدهور الوضع الأمني في المنطقة التي يقطنون فيها. اشتباكات مستمرة وقصف من كل جانب، ومعارك لا ترحم بشرا ولا حجرا، ومئات الآلاف من القتلى ومثلهم من المفقودين. حرب لا هوادة فيها، لم تبق ولم تذر في بلد كان قبل سنة واحدة فقط وجهة سياحية للملايين حول العالم، ولكن، كل شيء تغير بين ليلة وضحاها. لم يتأخر أي من أفراد العائلة عن موعد الحافلة الصغيرة التي تجهزت من أجل إجلائهم من المنطقة عبر ممرات جبلية ضيقة من أجل تفادي الحواجز الأمنية للأفراد المتصارعة على أراضي بلدهم

باللحظة اللي حكالنا فيها بابا إنو السيارة وصلت حسيت إني انخنقت، ذكريات الطفولة كلها كانت بهاد البيت، انولدت وكبرت، بكيت وضحكت، فرحت وحزنت بين حيطان هاد البيت، بس للأسف متل كل شي بها الحياة لكل بداية نهاية! نهاية ماكنت اتوقعها رح تكون سوداوية ومأساوية لهالدرجة، بس هاد اللي صار ومافينا نغير بالواقع شي

هذا ما قالته لنا الشابة أماني، 23عاما، عن تلك اللحظات المؤلمة بذاكرتها و لكنها كلمات سرعان ما قاطعتها دموع غيرت من ملامح وجهها البريء وأخفت وراءها جمال عيونها الخضراء. دقائق من الصمت المطبق  تلت ذلك الحديث ولكن لحسن الحظ وبتدخل مضحك ومفاجئ من الطفل الأصغر في العائلة فقد أعاد أجواء المنزل إلى طبيعتها.

وصلنا عهالبلد بعد رحلة صعبة و طويلة، الحمدلله هون مافي حصار ولا قذائف ولا إعتقالات، والكل عايش بسلام  وأمن وأمان، بس للأسف الحياة هون كتير صعبة والإيجارات غالية والبطالة حدث عنها ولا حرج، ومستقبلنا صار مجهول بسبب حرب ما إلنا فيها أي ذنب.

بهذه الجمل أنهت أماني حديثها عن بلدها ومنزلها الكائن في المدينة التي تحمل لقب “إدلب الخضراء”، حالمة بانتهاء حرب أكلت الأخضر واليابس والعودة لمدينة تحمل في عينيها جزءاّ من لقبها.

السلام في اللغة مصدر، وهو إسم مشتق من الفعل سَلِمَ، ويأتي بمعنى الأمن والنجاة مما لا يرغب فيه. يعرَّف السلام كمصطلح بأنه ضد الحرب وبأنه الحالة المثالية للسعادة والحرية والسلام داخل شعوب الدولة الواحدة أو بين جميع الشعوب والأمم على الأرض. يتمثل وجود ذلك بعدم وجود عنف في العالم الأمر الذي يدفع شعوب المنطقة للتعاون بشكل طوعي. في عام 1981 قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة  بتحديد 21 سبتمبر كيوم عالمي للسلام. في عام 2001، صوتت الجمعية نفسها على تسمية اليوم بأنه يوم لمنع العنف ووقف إطلاق النار، وفي عام 2013، خصص اليوم لتعليم السلام، أي بوسائل الوقاية الرئيسية للحد من الحرب على نحو دائم.

ينقسم السلام إلى نوعين رئيسين، أولها السلام السلبي الذي يقصد به غياب الحروب أو العنف في الدولة الواحدة، أو بين الدول، هذا يعني أن الأطراف لا تتصارع لتحقيق شيء معين ولكنها تظل في حالة سكون. من خلال قراءتنا سوف نفترض أنه وعلى الجهة الأخرى فإنه يوجد ما يسمى “بالسلام الإيجابي”. على الرغم من وجود سلام سلبي فإن عوامل تجدد الحروب وقيامها ما زالت متوفرة وحاضرة، ومن تلك العوامل ما يعود لأسباب إقتصادية مثل إحتكار الموارد و منع الشعب من الإستفادة منها. أو عوامل ثقافية مثل الإختلاف الطائفي والعرقي بين مكونات المجتمع الواحد. بسبب وجود مثل تلك الأمور المؤدية لنشوء الصراعات والحروب، فقد أنشأ غالتونغ مفهوما آخر للسلام وهو السلام الإيجابي والذي يعنى بتحقيق سلام مستدام من خلال إقصاء تلك العوامل المؤدية لتجدد الصراعات والحروب والنزاعات. بالتالي، تحقيق أكبر قدر من المساواة والمزج  بين أفراد المجتمع من أجل عدم نشوء صراع مرة أخرى. يختلف هذا المفهوم بكل تأكيد عن المفهوم المشهور للسلام الذي يتجسد بعدم وجود صراع. بسبب هذا الإختلاف فإنه من الصعب حصر وجود سلام إيجابي لأنه من الصعب إثبات أن جميع العوامل المساعدة على نشوء صراع قد إنعدم وجودها، بل على العكس تماما، إنه يسهل معرفة ما إذا كان هناك سلام سلبي أم لا من خلال طرح سؤال بسيط “هل تتصارع الأطراف على اختلافها مستخدمة عنفا معلنا أمام الجميع؟”.

تتركز أهمية تحقيق السلام في أمور عدة ومختلفة على جميع الأصعدة، فهو يساهم في تحقيق الإستقرار والنمو الإجتماعي من خلال توفير نظام سلمي مستقر. كما أنه يعد عاملا أساسيا في استمرار البشرية وتطورها. العالم المملوء بالحروب والنزاعات والدماء والمحروم من السلام سيصبح مهددا بالإنهيار والعودة إلى الخلف عشرات أو مئات السنين وتحوله لمجتمع ظالم تغيب فيه العدالة ويكون فيه الحكم للأقوى. من الناحية الإقتصادية فإن السلام هو الدافع الأساسي لتمكين الأفراد من الإبداع في مختلف المجالات والتخصصات بالإضافة إلى توفيره للأمن الذي يؤدي لتحقيق السعادة والرخاء لأفراد المجتمع. للسلام أهمية كبيرة في استمرارية الحضارات المنتشرة حول العالم، فقد أدى غياب السلام إلى إزالة واختفاء العديد من الثقافات بعد ظهورها بفترة وتم نسيانها بسبب قيام الحروب والنزاعات في مناطقها و محوها.

من أجل نشر ثقافة السلام الإيجابي بين الناس فإنه يحتاج من جميع أفراد ومؤسسات المجتمع تحقيق الوحدة والوقوف يدا بيد في مواجهة صنوف التطرف الفكري مثل الدعوة إلى القتل، العنف، وإقصاء الآخر. يتم تحقيق ذلك من خلال العمل على خلق منظومة أخلاقية وتعليمية شاملة عامة لجميع الأفراد كبارا وصغارا، كما أنه يجب استثمار وسائل الإعلام على إختلافها مسموعة أو مقروءة أو مرئية إضافة إلى وسائل التواصل الإجتماعي المتغلغلة في أيامنا هذه بين الفئات العمرية كافة. يبقى تحقيق السلام هو الهدف الرئيسي للشعوب كافة ويبقى تحقيق سلام في كافة بقاع الكرة الأرضية حلماً يراود أصحاب الضمائر الحية أينما كانوا ولكن هل سيتم تحقيق ذلك الحلم أم انه سوف يبقى حلماً لا أكثر ؟!.

عبدالمعين دبدوب

2 239