إدعوا لها بالمغفرة

إدعوا لها بالمغفرة

 

 

ربما حازت فكرة العروبة على الكثير من إعجاب الشعراء العرب على مر التاريخ، فلم يبخل أحد منهم من ترك عنان قلمه ليعبر عنها وما يجول في خاطره من مفاخره بانتسابه إلى أمة العرب، وربما كانت أجمل القصائد التى تعبر عن الفخر والإعتزاز بالعروبة هي قصيدة “سجل أنا عربي”، فلا يوجد أحد من المحيط إلى الخليج لم تطرب أذناه لهذه القصيدة ولم يدندن لسانه فهي ومنذ ولدت وهي (سجل أنا عربي) للشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش، كانت حاضرة في كل مكان ومهرجان وإذاعة كل مدرسة وفي مناهج التعليم. في “سجل أنا عربي” فخر وعزة، وتاريخ للأرض وأمة كاملة، فيها بيان لصفات العربي الذي يحب كثر الإنجاب، ويعمل بجهد واجتهاد كي يكسب قوت يومه.

وفي (سجل أنا عربي) ذكر صفات العربي (ولون الشعر فَحْمِي، ولون العين بُنِي، وميزاتي على رأسي عقالٌ فوق كوفية وكفّي صلْبَةٌ كالصخر تَخمِشُ من يُلامسها)، وفيها أيضا بيان لصبر العربي الذي لايعد ضعفا، بل هو الهدوء الذى يسبق العاصفة (سجل برأس الصفحة الأولى، أنا لا أكره الناسَ، ولا أسطو على أحدٍ، ولكنّي إذا ما جِعْتُ آكل لحم مغتصبي، حذار حذار من جوعي و من غضبي).

سجل أنا عربي- محمود درويش

سجل
أنا عربي
و رقم بطاقتي خمسون ألف
و أطفالي ثمانية
و تاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب
سجل
أنا عربي
و أعمل مع رفاق الكدح في محجر
و أطفالي ثمانية
أسل لهم رغيف الخبز
و الأثواب و الدفتر
من الصخر
و لا أتوسل الصدقات من بابك
و لا أصغر
أمام بلاط أعتابك
فهل تغضب
سجل
أنا عربي
أنا إسم بلا لقب
صبور في بلاد كل ما فيها
يعيش بفورة الغضب
جذوري
قبل ميلاد الزمان رست
و قبل تفتح الحقب
و قبل السرو و الزيتون
و قبل ترعرع العشب
أبي من أسرة المحراث
لا من سادة نجب
وجدي كان فلاحا
بلا حسب و لا نسب
يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب
و بيتي كوخ ناطور
من الأعواد و القصب
فهل ترضيك منزلتي
أنا إسم بلا لقب

 

“الشاعر محمود درويش هو شاعر فلسطيني ولد في عام 1941 بقرية البروة في مدينة الجليل قرب عكا الساحلية. خرج مع أسرته مع اللاجئين إلى لبنان وذلك عام 1948، لكنهم عادوا متسللين بعد توقيع الهدنة وذلك عام 1949. لكنهم عادوا لقرية غير قريتهم بسبب وجود مستعمرات عليها، وكان عضواً في المجلس الوطني الذي يتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية، دواوينه الشعرية مليئة بالمضامين الحداثية”.

سجل أنا عربي ليست اليتيمة وليست الوحيدة في عالم الإبداع الشعري والإعتزاز والبطولة، فلولا تجولنا في قصائد الشعراء العرب قديما وحديثا سنجد الكثير من القصائد التى تمجد العروبة، فهي أمة الكرم والشرف والنخوة والبطولة. حتى أن أغلبنا قد شارك هذه القصائد وحفظها عن ظهر قلب لأنها تولد شعور المجد. لكن هل بقيت العروبة كما كانت مصدر فخر واعتزاز؟ هل بقى العرب مصدر البطولة والرجولة؟ وهل ما زالوا مثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟ وهل بقيت قصائد العروبة كما كانت تمنحنا القوة حين يصيبنا التعب، وتمدنا بالقوة لنتغلب على المصاعب؟ أم أن هناك متغيرات قوية دخلت على قلب العرب والعروبة  فأخذت منهم الكثير من الحظ الوافر ومن النخوة والشهامة العربية الأصيلة، وطالبتهم بتحلي بالصبر وضبط الانفعال!.

إن الإجابة التى تفرض نفسها هي “لا”، فالواقع الحالي الذى نعيشه يؤكد وبلا شك أن العروبة كانت خيلا قويه ثم قتلت، فالكثير منا ينكر لأبسط مبادئ العروبة التي تقتضي أن ننصر المظلوم والمحاصر ومساندته ضد عدوه وليس العكس. أيضا الكثير منا ترك العروبة تئن حتى الموت تحت وطأة الظلم دون أن يتحرك أو يحرك ساكناُ، وحين قال الشاعر العربي الكبير نزار قباني حين تساءل: ما للعروبة تبدو مثل أرملة، أليس في كتب التاريخ أفراح؟

حين أبكانا  هشام الجخ في قصيدته “التأشيرة” كيف كان العرب وكيف صارو؟ يبكى حين يعرف أن العربي قديما كان بإمكانه أن يتناول فطوره في دولة ما، ويتناول غداءه في دولة أخرى، وينام في حضن الثالثة، أما الآن فقد أصبح الأمر مستحيلا جدا.

 

أيضا من أكثر الأغاني التى حازت على رضا الجماهير العربية هي أغنية “الحلم العربي” التى غناها الفنانون العرب وعبروا فيها عن المشاعر التى تجول فى خاطر كل مواطن عربي، حيث تخاطب الضمير والعقل العربي، لكن لا حياة لمن تنادي، وهنا يمكنني القول (دعوا ضمير العرب يرقد بسلام في قبره، و أدعوا له بالمغفرة)!. فهل سيأتي وقت أكثر سوءا مما نحن عليه الآن، ونقول عكس ما قاله الشاعر: لا تسجل أنني عربي؟

 

العروبة والقومية العربية:

العروبة في الأساس هوية وليست برنامجا سياسيا أو نهجا سياسيا وإن إستلزم الدفاع عن الهوية العمل السياسي فشكّل ما نعرفه بالقومية العربية. فالقومية العربية أو العروبة هي الأيديولوجية القومية العربية، وتعتبر هذه الأيديولوجية الأكثر شيوعا في العالم العربي خصوصا في فترة الستينات والسبعينات، ويؤمن القوميين العرب بالعروبة كعقيدة ناتجة من ناتج مشترك باللغة والثقافة والتاريخ ولا تتقيد بعرق أو دين فالهدف الأسمى هي الوحدة العربية لمعظم القوميون العرب. يمثل القرن التاسع عشر، فجر “القومية العربية” بالمعنى الحديث لإصطلاح ” القومية” أي المعرفة والشعور والحركة بين جماعة من الناس، بأنهم أمة متميزة ومختلفة عن غيرها من الأمم، والمعرفة والشعور والحركة هي جميعا عناصر”ذاتية” فإذا كان العرب قد اكتسبوا كل هذه المقومات الموضوعية “للأمة” فإن ذلك هو المكمل الوظيفي  للقومية.

أما مكونات الهوية العربية فهي متعددة وتحمل في طياتها الكثير من الحضارات والثقافات نتيجة للتفاعل بين الشعوب والفتوحات، لكن ما يميز الهوية العربية ويشكل نقطة إرتكاز مهمة وأن تكن الأهم هي اللغة أو اللسان، فاللسان العربي هو الذي يوحي بالهوية العربية وعن العقل العربي، لذلك نجد أن الحفاظ على اللسان العربي من الحفاظ على الهوية. الحل لحال التجزئة التي نعيشه والحروب التي تدمّرنا هو في وحدة الأمة العربية وإقامة دولة واحدة. ففي الوحدة قوة وصون حقوق جميع مكوّنات الأمة وصنع الاستقرار والسلام وإقامة مجتمع فيه العدل وتكافؤ الفرص. فهل من يعتبر؟.

 

أحمد أبو حميد

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

8 37