إغضب كما تشاء

إغضب كما تشاء

“إذا طلع القمر طاب السهر” على وقع هذه الكلمات أمضى طارق ليلته الماضية مع أصدقائه حسين وأحمد في أحد المقاهي الشعبية الموجودة في أزقة المدينة القديمة. في الوقت الذي كان فيه طارق وأصدقائه يستمعون إلى الأغاني المحببة لهم تظهر نشرة اخبارية بشكل مفاجئ وعلى غير موعدها حاملة معها خبراً عاجلاً عن مقتل أكثر من 321 شخصاً وجرح أكثر من 500 آخرين في سلسلة هجمات انتحارية شنها تنظيم داعش على ثلاث كنائس وأربعة فنادق في سريلانكا. لم يجرؤ أحد من رواد المقهى على الحديث عن الواقعة أو مناقشتها وما إن عاد للمنزل حتى ارتمى على سريره من شدة التعب وانفصل عقله عن الواقع من حوله و غرق في أحلامه.

الحلم الممنوع

تفجيرات سريلانكا في كنائس الآمنين بصمة أخرى من الإرهاب اللعين على جبين منظري هذه الأفكار الدخيلة!” هذا ما كتبه طارق على موقع التواصل الإجتماعي للتعبير عن رأيه في الوقوف بجانب الضحايا وعائلاتهم ومهاجمة التطرف العنيف ومن يدعوا له. لكنَّه لم يكن يعتقد أن هذا الرأي سوف يكون وبال شؤم عليه في علاقته مع عائلته وأصدقائه والمجتمع القريب منه! هذا المجتمع الذي يعيش في ظل حكومة قمعية متوحشة ولا مكان فيها لإبداء الرأي حتى بأسعار الثوم والبندورة.

قرَّر المقربون من طارق مقاطعته وعدم التكلم معه خوفا على أنفسهم من الإعتقال أو الملاحقة، والتهمة بالتأكيد جاهزة ومعدة مسبقا في أروقة القوى الأمنية وهي “إثارة الرأي العام ضد نظام الحكم”. وبعد مرور ثلاثة أيام، استيقظ طارق على أصوات قرع أياد قوية لأبواب منزله وصوت مرتفع يصرخ “افتح الباب يا حقير قبل ما نحن نفتحو بطريقتنا”! ذهب طارق مسرعاً نحو الباب لاستقبال الضيوف أو الزائرين إن شئت تسميتهم والذين يقال عنهم “حماة الديار” ولكن، “حماة الديار” في هذه المرة أعرضوا عن اسمهم السامي وتركوه خلف ظهورهم ولم يكتفوا باعتقال الشاب وحسب، فقد سرقوا ونهبوا ما استطاعت أيديهم الوصول إليه وانقطعت الأخبار والمعلومات عن المصير الذي حل بطارق.

“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” مرددا هذه العبارة ثلاث مرات وبشكل مستعجل، استقيظ طارق من كابوسه والخوف يعصر وجهه، متجها نحو كأس من الماء لإرواء عطشه، شاكرا الله أن كل الذي مرَّ به كان حلماً لا أكثر.

إمشي الحيط الحيط وقول يارب الستر…

كلمات اعتدنا على سماعها منذ الطفولة وتحولت إلى جزء من شخصيتنا عندما كبرنا، وأصبحنا نعلمها لأطفالنا وأحفادنا من أجل التماس العذر للخوف الذي زرع في قلوبنا. كانت المساحة التي يمتلكها الناس في الماضي للتعبير عن آرائهم وأفكارهم صغيرةً جداً مقارنةً بالوقت الحالي واقتصرت على الجرائد ومحطات البث الإذاعية أو التلفاز التي كانت تحت السيطرة الحكومية الأمر الذي لا يتيح للمتلقي حرية إختيار المعلومات التي يريد الإصغاء اليها وإجباره على الإستماع لرأي حكومة بلده فقط والسير في تيارها. ومع التطور التكنولوجي والتقني المتسارع يوماً بعد يوم وبفضل الإنترنت والهواتف الذكية، اصبح بإمكان الجميع التعبير عن رأيه عبر منصات التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك، تويتر، انستغرام …الخ. كما أنه أصبح بإمكان أي شخص أن يكون صحفياً ومراسلاً ميدانيا من خلال عدسة هاتفه فقط والتي يقوم من خلالها بتغطية الوقائع والأحداث المهمة التي تجري في بلده وإرسالها إلى المحطات الفضائية الأمر الذي دفع بإتجاه انشاء مصطلح “صحافة الهاتف المحمول” التي تهتم بالإستفادة من التطورات التكنولوجية الهائلة في تغطية الأحداث المتسارعة والمنافسة في سرعة الخبر.

أنا مالي!؟…

على الرغم من توسع أفق الحرية في عصرنا الحديث إلا أنه وفي الكثير من دول العالم الثالث ازداد معدل انتهاكات الحريات خاصة في دول الشرق الأوسط والتي قد يخوض سكان بلدها حروبا طائفية. الأمر الذي دفع بالكثير من عامة الشعوب لاتخاذ موقف صامت اتجاه القضايا والأحداث التي ولربما تكون مرتبطة بمصيرهم الوجودي وأرضهم وثقافتهم ولغتهم. تعرّف الأغلبية الصامتة بذلك القطاع العريض من الشعوب التي لا تنتمي إلى أحزاب والتي ليس لها أي نشاط سياسي. أي أن المصطلح يشير إلى أغلبية أفراد الشعب من غير المنخرطين في نشاط سياسي او الأعضاء المنتمين للأحزاب السياسية. ولا تدخل كتلة الأغلبية الصامتة في مظاهرات أو اعتصامات وتستعيض عن ذلك بالتعبير عن توجهاتها وآرائها من خلال الإنتخابات وصناديق الإقتراع. يتصف أفراد هذه الكتلة بانتمائهم للوسطية دون تبني أراء متطرفة يسارا أو يمينا بشأن جميع القضايا التي تهم المجتمع. أمّا عن تواجدهم على مواقع التواصل الإجتماعي، فإن وجودهم يتمثل من خلال انعزالهم وعدم مشاركتهم واكتفاءهم بالمراقبة لجميع القضايا والأحداث المنتشرة على هذه المواقع سواء أكانت هذه القضايا سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو حتى رياضية آخذين زاوية تحميهم وتقيهم من أي احتمال لردة فعل سلبية اتجاه آرائهم داخل هذا العالم اللامحدود وناءين بأنفسهم عن أي شر أو مكروه قد يتعرضون له.

تعلم فن الرفض…

إن الموافقين دائما غير قادرين على إنجاز أي شيء عظيم وبالتالي فإنه قيمة رائعة في تعلم فن الرفض وفي قول “لا”. وقد ساهمت فئة “الأغلبية الصامتة” بشكل أو بآخر في تنامي الكثير من الظواهر السلبية في المجتمع دون أن تعلم بذلك مثل تنامي ظاهرة العنف و الكراهية من خلال اتخاذها موقفا محايدا وسلبياً اتجاه تلك الخطابات التي تتنشر كالنار في الهشيم يوما بعد يوم على مواقع التواصل الإجتماعي. تلك الخطابات التي تهاجم وتحرض على شخص أو فئة ما أو ربما تدعو إلى ارتكاب فعل القتل. فهؤلاء المحايدون هم بالطبع لم ينصروا الباطل ولكن من المؤكد أنهم خذلوا الحق. يرتكز التأثير السلبي الأكبر لهذه الفئة بأنهم يقعون حجرة معيقة في وجه احداث تغيير حقيقي ومنشود في المجتمع عن طريق اتخاذ الحياد كوسيلة للهروب.

يبقى وجود هذه الكتلة أمراً طبيعيا في كل مجتمع ومن المحال الغاءها أو محوها ويختلف حجمها من مجتمع لآخر باختلاف القوانين والتشريعات وحجم الحرية المتاحة لإبداء الرأي داخل تلك المجتمعات. ويبقى التساؤل مفتوحا على مصراعيه بانتظار حلول حاسمة، كيف يمكن الإستفادة من هذه الفئة في خدمة المجتمع؟ وماهي الحلول المساعدة لدفع الأفراد للتحدث والتعبير عن آراءهم؟

عبدالمعين دبدوب

 

5 307