إقتصاد الإنتباه

إقتصاد الإنتباه

لو رجعنا بالزمن إلى أيام الثمانينات، سوف نجد أن وسائل الترفيه كانت لا تتجاوز عشرين وسيلة، فكان الإنسان يهتم بشكل أكبر بحياته و واجباته وأعماله اليومية. أما في أيامنا هذه دائما ما نعتمد في حياتنا على التكنولوجيا. ولكن، هناك جانب مظلم للتكنولوجيا التي نستخدمها، فقد زادت عدد وسائل الترفيه من ألعاب وتطبيقات على الهواتف و وسائل التواصل الإجتماعي وغيرها الكثير من وسائل الترفيه، وزاد الوقت الذي نقضيه للتسلية وهذا قلل من انتباهنا لحياتنا وللأمور المهمة. فكم من الوقت نهدره في هذه الوسائل والمواقع؟ فما هو الإنتباه؟ وما هو إقتصاد الإنتباه؟ وكيف تستخدم القوى الإقتصادية والسياسية إقتصاد الانتباه في جذب المستخدم؟ وما الذي سيحدث عندما يجتمع إقتصاد الإنتباه مع الإنترنت والتكنولوجيا؟

في البداية، وقبل التعرف على إقتصاد الإنتباه، يجب علينا أن نفهم ما هو الإنتباه. يصنف الإنتباه إلى ثلاثة؛

إنتباه عفوي: ويكون دون جهد واضح وبطريقة عفوية دون إرادة وقد تكون المثيرات هامة أو غير هامة للفرد “الإنتباه يكون دون إرادة من الفرد”، مثل الإنتباه لصوت دون إرادة الفرد،

الإنتباه الإرادي العمدي: والذي يتطلب جهدا مبذولا من الفرد واضح وبإرادة وتكون المثيرات هامة بالنسبة للفرد.

الإنتباه القسري “الإجباري”: وهو نوع من الإنتباه الذي يجبر الفرد عليه ويبذل جهدا وفي الغالب تكون موضوعات الإنتباه غير مهمة بالنسبة له.

 

إذاً ما هو إقتصاد الإنتباه؟ من أين أتت هذه الكلمة؟ هل دراسة إهتمام المستخدم أو العميل أمر مهم لنجاح إقتصاد ما؟  وهل الخدمات المجانية المستخدمة مثل ألعاب الفيديو لها دور في تشكيل مفهوم إقتصاد الإنتباه؟ يمكن وضع تعريف شامل لإ قتصاد الإنتباه، مع العلم أنه ليس من اليسر وضع تعريف يحظى بالإجماع، ولكن يمكن القول على أنها واحدة من المبادئ الأساسية التي تستخدم في التطبيقات أو الإعلانات التي تهتم في جذب إنتباه المستخدمين بطريقة لها صلة باحتياجاتهم. كلما رأى المستخدم المزيد من المعلومات ذات الصلة، زاد إهتمامه وبالتالي زاد الوقت الذي يقضيه على مواقع التواصل الإجتماعي والألعاب وصفحات الإنترنت الأخرى. إقتصاد الإنتباه يهتم بجذب إنتباه المستخدم بشكل عفوي أو إرادي.

تم طرح مفهوم إقتصاد الإنتباه لأول مرة من قبل عالم الإقتصاد الأمريكي هيبرت سيمون عام 1973، وقد أوضح سيمون أن النمو السريع للمعلومات وكثرتها يسبب قلة الإنتباه عند الفرد وندرة الإهتمام ومن هذا المنطلق تم تطوير إقتصاديات تسعى لجذب الإنتباه والمحافظة عليه لأطول وقت ممكن. إن دراسة إهتمام المستخدم هي طريقة مستخدمة لجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين العملاء، حيث يتم إستخدام الخدمات المجانية مثل الألعاب ومواقع التواصل الإجتماعي وغيرها من المواقع والتطبيقات المجانية التي تولد الإيرادات من خلال الإعلانات أو عن طريق اكتساب علاقة عميقة مع المستخدم التي تؤدي إلى عمليات الشراء والزيادة في المتابعة.

أسهمت ثورة التكنولوجيا والمعلومات بحصة كبيرة في نمو الإقتصاد العالمي خلال السنوات القليلة الماضية. إلا أنها أصبحت تشكل عائقا أكبر أمام مواصلة الإقتصاد العالمي للنمو بشكل مطرد. لم يعد الإقتصاد القائم على الإنتباه حكراً على الشركات والمكاتب التجارية أو علامة للملابس، بل تحول إلى واحدة من الأساليب التي تستخدمها القوى العظمى في العالم لتحريك اتجاهات الرأي العام وقلبها. فقد طُورت البرامج لتصبح أكثر قدرة على جذب مستخدميهم للبقاء أو مشاهدة إعلانات أو دفع – سواء أكان ذلك مقابل مكافأة في لعبة أو زيادة في نقاطهم أو غيرها – و هذا يعني أنه إذا كان التطبيق أو الموقع  يمكن أن يحافظ على انتباهك ستجني المزيد من المال. وهذا الأمر يتعلق بما يسمى بالحوافز. يمنح الإقتصاد الملائم للتطبيقات والخدمات إلى التحفيز –غالباَ بطريقة خفية– والتعامل معها وتعطيك القدرة على أن تجعلها من ضمن أولوياتك. كذلك الأمر في شبكات التواصل الإجتماعي حيث تحاول دائماَ عرض المحتوى الذي سيسمح لك بالمشاركة مما يضمن لك البقاء على موقعها.

هذا الأمر يرتبط بشكل كبير بمقال كتبته سابقا عن فقاعة الترشيح، حيث أن مواقع التواصل الإجتماعي مترابطة مع بعضها البعض بخوارزميات ترشح للمستخدم الإعلانات والمواقع والصفحات التي يهتم بها ليجذب انتباه المستخدم قدر المستطاع. وبالتالي، يحدد كيفية استهلاك المحتوى والوصول إليه، وهذا ما أكده شين باركر أول رئيس لشركة فيسبوك الذي أكد أن فكرة فيسبوك تتمحور حول إبقاء المستخدم على المنصة لأكبر وقت ممكن وتشجيعه لتقديم معلومات ومشاركة أكبر عن طريق خدمات تحفز هرمون الدوبامين، مثل ميزة الإعجاب والمشاركة والتعليق على الصور التي تعطي الشعور بالإرتياح مما يحث على الإستمرار بالمشاركة والبقاء أطول فترة ممكنة على المنصة وهو هدف الشركة الأساسي.

 

سيكولوجية الإدمان وبرمجة العقل

يمكن تشبيه إدماننا على مواقع التواصل الإجتماعي مثل إدماننا على القِمار، في كلتا الحالتين يضيع وقتك ومالك. فهناك سيكولوجية معينة يتبعها المبرمجين حتى يبقى المستخدم أكبر قدر ممكن على مواقع التواصل الإجتماعي وألعاب الفيديو. يقول الطبيب النفسي المختص بعلاج الإدمان علاء الفروخ إن هناك فرضيات حول طريقة تأثير الإنترنت وألعاب الفيديو وشبكات التواصل على بعض المناطق في الدماغ والتي تسمى منطقة التحفيز والمتعة (reward circuit). وهذا الشعور باللذة والمتعة يزيد من إفراز الدوبامين بكميات متزايدة، ولتحقيق نفس المتعة واللذة بشكل دائم يجب قضاء ساعات متزايدة والقيام بألعاب متجددة وتحديات متنوعة بشكل تصاعدي.

في النهاية، نحن في عصر السرعة، أصبحنا نشعر أن الحياة أسرع مما مضى، مع أن ساعة اليوم هي نفسها ساعة الأمس ولكن الإختلاف في كمية الوقت المهدر الذي يضيع دون الإستفادة منه. إذا كنت تشعر بنقص في الوقت فهذا دليل على أن مهاراتك ومعلوماتك الإدارية باتت غير صالحة للمستجدات، وهذا بحد ذاته الأمر الذي يجب أن ننتبه عليه. التقدم لم يعد يتعلق بالقدرة على الإنتاج واستحداث المعدات واستثمارات الموارد بقدر ما يتعلق بالسرعة والمهارة في القيام بذلك. الوقت هو عامل نسبي يختلف تقديره من شخص لأخر فهناك من تكفيه ساعة لإنجاز أمر معين وهناك من يحتاج إلى يوم لإنجاز نفس الشيء، الأمر يعتمد على مقدار استغلالك لوقتك وكيف تديره وكيف ترتب أولوياتك.

 

صفا الطحان

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

0 354