إنتقادتنا

إنتقادتنا

من منا لا يعرف النقد؟ ومن منا لا يعرف ماذا يفعل بلا آخرين، ومن منا لا يعرف ضرره إن كان سلبياً ولا يعرف فوائده إن كان إيجابياً. وهنا أريد أن أتحدث عن إنتقاداتنا التي نقدمها للآخرين يومياً، وهل ما نقوم به من خلال هذا الفعل هو شيء مقبول، أو هل هو شيء جيد ومفيد، أم سيء وضار؟

حسناً بداية دعنا نتحدث عن مصطلح النقد ولماذا نستخدمه؟

النقد هو الرأي أو الحكم على شيء معين لتُبيَّن حسنَه ورديئه وإظهار عيوبه ومحاسنه. وهو أن يلقي أحدهم رأيه أو حكمه على شيء أو شخص ليبين إيجابياته أو سلبياته.  كثيراً ما نستخدم النقد في حياتنا، ولا يمر علينا يوم ولا ننتقد شخصاً أو سلوكاً أو موضوعاً أو فكرة رأيناها أو سمعنا بها، وغالباً ما نركز على الأشياء السلبية التي نراها. قل ما  نذكر شيئاً إيجابياً أو شيئاً أعجبنا خلال يومنا، وهنا لا أتحدث عن النقد التقليدي الذي اعتدنا على سماعه في العناوين الكبيرة مثل النقد الفني والسياسي والديني والعلمي. أريد أن أضع هذا المصطلح على بعض الأقوال والأفعال التي نقوم بها يومياً والتي لا نلقي لها بالاً. دعني اخذك إلى بعض التفاصيل والمواقف التي توضح لك الصورة التي أتكلم عنها، فمثلاً إنتقاد أصدقائك لملابسك التي ليس لها علاقة بالموضة، أو إنتقاد زملائك لقصة شعرك التقليدية، أو إنتقاد أسرتك لعملك أو دراستك، والكثير من الإنتقادات التي نسمعها يومياً من مختلف الأشخاص من حولنا التي لا تقدم فائدة أو دفعة معنوية لنا. وهنا لا أقول أن نكون مخادعين وكاذبين في كلامنا وإنتقاداتنا لكي نرضي الآخرين. وأيضاً ولا يجب أن نكون جاحدين وقاسين في إنتقاداتنا، ومن الأمثلة الواقعية التي نصادفها في حياتنا سائق سيارة الأجرة، متى هي آخر مرة صعدت مع سائق سيارة أجرة وأثنى على فعل زبون أو عامل نظافة أو أحد من أصدقائه أو أحد مِمن حوله رءاه يقول أو يفعل شيئاً جيداً؟ نكاد نجزم أنه لا يوجد سائق سيارة أجرة إنتقد نقداً إيجابياً لأحد الأشخاص، بل كثيراً ما نسمع إنتقاداتهم السلبية للشوارع والسائقين والزبائن الآخرين ونقص المال وكئآبة الحياة. أو دعنا نأخذ صاحب البقالة مثلاً ومتى هي آخر مرة دخلت على بقالة ورأيت من يجلس فيها مبتسماً ضاحكاً يتحدث عن المشاريع الصاعدة وتحسن وضع البلاد والمجتمع والخير القادم إن كان له أو لغيره؟.

هنا ومثل سائق الأجرة والكثير من الأشخاص الذين نراهم بمختلف تخصصاتهم ووظائفهم نادراً ما ترى شخصاً يعطي رأياً أو حكماً إيجابياً لسلوك جيد! وهنا لا أريد أن أتحدث عن كوننا راضين بما لدينا أم لا، لأنني تحدثت عن فكرة الرضا في مقال منفرد بعنوان (هل نشعر بالرّضا) تجدونه في المدونة.هنا يأتي سؤال: كيف يمكننا أن نتحدث بأمور إيجابية وكل ما حولنا هو سلبي ومحبط وتعيس؟ سأقول نعم إن ظروف الحياة صعبة والمعوقات من حولنا كثيرة، و لكن نحن لا نفعل شيء إلا أننا نزيد من هذه المعوقات والتعاسة في حياتنا وحياة الآخرين، من خلال إنتقاداتنا السلبية والهدامة، والتي تجعل منا أشخاصاً مكروهين لكل الناس وغير محبوبين حتى للذين هم حولنا.  أنا على يقين بأن هناك شخص لا تحب أن تجالسه أو أن يراك ويكلمك، وهذا الشخص يكون في العادة من الذين ينتقدون نقداً سلبياً هدّاماً مستفزاً وكثير الحزن والشكوى. وكلما تراه يُهبّط من معنوياتك ومن تفائلك وقيمتك، وتراه يسب هذا ويؤذي ذاك ويقلل من قيمة الآخرين بكلامه وأفعاله، ويتشائم من أي عمل يراه، فترى حياته سوداوية وتعيسة وغير منتجة. فقط يقدم نقداً سلبياً يحطم به الآخرين، وتكون حجته أن هذا النقد الذي يقدمه للآخرين لكي يصبحوا أفضل ويعملوا أكثر!.

لكن هذا النقد وهذا الأسلوب لا يعطي النتائج الأفضل دائماً، لننظر إلى أنفسنا ولنتذكر عندما كنا أطفالاً: كم مرة تم ذِكرنا بالذكاء أو الفهم أو الشطارة من أهلنا أو إخوتنا أو معلمينا؟، وكم مرة ذُكرنا بالغباء والفشل والحماقة من أهلنا أو إخوتنا أو معلمينا؟، هذا كله لكي نصبح شخصاً أفضل! ولكن أنظر إلى ما أصبحنا عليه اليوم؟! بعد كل تلك الكلمات والإنتقادات التي كنا نسمعها من أهلنا وأقاربنا ومعلمينا. مهما كنّا الآن لا أريد أن نكره ما فعله السابقون بنا، ولا أريد أن نلومهم على ما فعلوه، ولا يجب أن يكون النقد دائماً سلبياً لكي يصبح الأشخاص أفضل!. الكثير من الأشخاص الذين أثقلوا بالنقد السلبي لم يصبحوا أشخاصا أفضل، بل أصبحوا أشخاصا سيئين وكسولين ومهملين!.

نعم الإنتقاد مطلوب في بعض الأحيان عندما يكون بناءا وفي بعض الجوانب ولكن ليس بشكل مستمر ولا متكرر. ومن الأفضل أن يكون النقد إيجابياً بسيطاً محفزاً للعمل والإستمرار، ويجب أن يكون ليّناً على الآخرين ليسهل تقبلهم هذا النقد، ويجب أن تبرز محاسن الشيء ومساوئه. من بعض المشاكل التي نراها ونتعامل بها كثيراً هي إنتقاد العنوان أو الشكل أو المقدمة دون النظر في المحتوى. عندما نبدأ في قراءة شيء معين مثلاً ونرى أن هنالك خطأ إملائي لا نكمل القراءة، أو إذا علمنا أن الشخص الذي كتب هذا المقال هو شخص لا يروق لنا أو يختلف معنا فلا نقرأه ولا نهتم به، وقس على ذلك في مختلف الأمور والأشخاص والمواضيع. دائماً ما نضع أحكامنا وإنتقاداتنا بطريقة غير صحيحة وغير منطقية، فننتقد هذا المعلم لما يرتديه من ملابس ولا نلقي بالاً لما يقوله من علم نافع، وننتقد هذا الشيخ لعدم تكلمه في حال البلاد ولا نلقي بالاً لعلمه وقدره، وننتقد هذه المرأة بسبب شكلها أو تصرفها ولا نلقي بالاً لأدبها وأخلاقها وعلمها، والكثير من الإنتقادات التي نلقيها على الآخرين من خلال النظر إليهم فقط ودون معرفتهم أو سماعهم أو التقرب إليهم حتى.

أعتقد أن السبب الرئيسي الذي يجعلنا نوجه إنتقاداتنا للآخرين بطريقة محبطة وسلبية هي أننا لا نريد أن يكون هنالك أشخاص أفضل منا، لا نريد أن يكون هناك أشخاص وصلوا إلى ما لم نصل إليه نحن. مع أننا ندّعي أننا نوجه إنتقاداتنا لأن هنالك أشياء خاطئة أو لكي يصبح الشيء الذي ننتقده أفضل، ولكننا لا نكون صادقين في إدعائنا. فقط ننتقد لكي ننتقد ومن دون هدف صادق. وهذا ما ذكّرني بقصة قرأتها منذ فترة وتقول: أن هناك أحد الرسامين رسم لوحة ووضعها في الطريق العام ووضع معها قلماً باللون الأحمر، وكتب بجانبها “ضع دائرة على الأماكن التي تعتقد أنها خطأ في اللوحة” وغاب عنها يوماً كاملاً، وبعد أن عاد إليها في اليوم التالي وجدها مليئة بالدوائر الحمراء التي أخفت أثر اللوحة، وفي اليوم التالي أحضر لوحة مشابهة للسابقة ووضعها في نفس المكان وترك معها أدوات الرسم كاملة، وكتب بجانبها “عدل على الأماكن التي تعتقد أنها خطأ في اللوحة” وغاب عنها يوماً كاملاً، وبعد أن عاد لها في اليوم التالي وجدها كما وضعها دون أن يلمسها أحد ودون أن يتغير فيها شيء. وهذا الذي يبين صدقنا من كذبنا في النقد، يمكن أن نقول أننا لسنا رسامين ولكن يمكن أن نضع بعض الملاحظات، أقول نعم، ولكن لا يعني هذا أن نكون غير قادرين على فعل الشيء الذي ننتقده وأن نقف ونضع الملاحظات باستمرار. إذا كنت صادقاً في نقد شيء فيجب أن تنتقده إنتقاداً يتبعه مساعدات وتوجيهات لصقل هذا العمل مهما كان، والمحاولة في تحسينه وليس فقط التقليل من قيمته. أخيراً، النقد هي مسألة تقوم عليها المجتمعات والدول إذا كان النقد صادقاً للتحسين والتطوير والتقدم، فهذا النقد الذي يجعل منا أشخاصاً أفضل من خلال التوجيه والتعلم والتديب وهو الذي نحتاجه. أما النقد لمجرد النقد فهو البلاء الذي يُسقط الأشخاص والمجتمعات والدول.

قال خليل مطران:

وَمِنَ الرَأيِ ما يَكونُ نِفاقاً أَو يَكونُ اِتِّجاهُهُ التَضليلا 

وَمِنَ النَقدِ وَالجِدالِ كَلامٌ يُشبِهُ البَغيَ وَالخَنا وَالفُضولا

الايجاب يحفز للاستمرار والسلب يدعو للتأمل لحظة وتنبه من عثرة 

وَالزَّيفُ بَينَهُمُ هُوَ النَّقدُ الذِي قَد رَاجَ فِي الأسفَار وَالبُلدَان

وهناك أصول وقواعد للنقد يجدر به أن يدركها الناقد قبل ان ينطق بشفا

لا زِلْتَ تَفْرِي أَدِيمَ الجَهْلِ مِنْ نَفَرٍ لَمْ يَعْرِفُوا الفَرْقَ بَيْنَ النَّقْدِ والنَّقَدِ

واهمها المعرفة وثانيها الموضوعية والانصاف 

تَجِدُ الكُتبَ عَلى النَقدِ كَما تَجِدُ الإِخوانَ صِدقاً وَكِذابا

والجميل ان يتألم المرءفهو علامة مهمة في التأثر والتأثير 

فالنقد هو علم وذوق للحكم على الا شياء 

أَلنَّقْدُ عِلْمٌ تُزَكِّيهِ نَزَاهَتُهُ وَلَيْسَ إِلاَّ لِحُكْمِ العَقْلِ يَنقَادُ

لاَ يَحْمَدُ القَوْمُ نَقَّاداً يُضَامُ بِهِ خِيَارُهُمْ فَهْوَ مِثْلُ المَوْت نَقَّاد

 

يوسف سميك

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 386