الأخبار المزيفة سرطانٌ ينهش في الديمقرطية

الأخبار المزيفة سرطانٌ ينهش في الديمقرطية

الصدق منجاة والكذب مهلكة، قولٌ طالما تردد على أذاننا، لكن أحمد، 22عاما، لم يشعر بقيمته إلا بعد فوات الأوان. بدأت قصته عندما تخرج قبل عام ونصف من قسم الصحافة والإعلام، حالماً كغيره من الشباب بتحقيق نجاح باهر والوصول إلى شهرة تمتد في جميع بقاع العالم. ومع صعوبة الحصول على فرص عمل لطالب حديث التخرج، اتجه أحمد الى مواقع التواصل الإجتماعي باعتبارها وسيلة سهلة ومجانية ومتاحة للجميع ساعيا وراء حلمه بكل شغف، منشئً صفحة إخبارية خاصة به على موقع (فيسبوك). لكن هذا الشغف لم يلبث ان يتغير، وسرعان ما بدأ يتناقص بشكل تدريجي حتى كاد يتلاشى بعد مرور ستة أشهر بسبب قلة أعداد المتابعين لصفحته وضعف الإعجابات والمشاركة!. الأمر الذي دفع أحمد إلى التفكير بحل سريع لمشكلته واتخاذ منحى مخالف لما عمل عليه طيلة الفترة الماضية متبعا نهج “الصحافة الصفراء” عن طريق نشر أخبار غير صادقة وباسلوب غير مهني بهدف جذب المتابعين وإثارة الرآي العام وربما إثارة الفوضى والغضب  باستخدام المبالغة أو الإنحياز أو حتى الكذب!.

“اكذب ،ثم اكذب، ثم اكذب… حتى يصدقك الناس”!. قالها جوزيف جوبلز وزير هتلر قبل عشرات السنين للدفاع عن النازية، وهذا ماحصل مع أحمد، فقد صدق المتابعين كل اخباره وزاد التفاعل على صفحته بشكل كبير و بدأ حلم الشهرة لديه يتحول الى حقيقة. زادت قناعته بالعبارة القائلة “الغاية تبرر الوسيلة” و بدأت شهرته تزداد شيئا فشيئا دون أن يلقي بالاً إلى مصداقية الخبر أو مدى صحته أو حتى الأثار السلبية للخبر على الفرد و المجتمع.

غلطة الشاطر بألف! وحبل الكذب قصير، أمثال شعبية تحمل في طياتها معان ودروس كبيرة لكنها غابت عن ذهن أحمد بسب حلم أعمى بصيرته. هذا الحلم الذي انقلب رأسا على عقب عندما نشر أحمد خبرا ملفقا عن أحد الفنانين في بلده و الذي بدوره تقدم بشكوى رسمية ضد الصفحة وصاحبها واضعا أحمد في السجن ومسببا له فضيحة مهنية لا يمكن محوها أو غفرانها، قالبا السحر على الساحر ومنهيا بذلك حلما زائفا بني على باطل.

لم يكن أحمد الأول ولن يكون الأخير في نشر الأخبار الكاذبة والمزيفة. هناك العديد من الأفرد وحتى المؤسسات التي تقوم بنشر أخبارٍ مزيفة سواء بقصد أو من غير قصد. تعرف “الأخبار المزيفة” على أنها الدعاية أو الترويج أو نشر الأخبار والمعلومات القائمة على التضليل المتعمد أو الخدع المنتشرة عبر وسائل الإعلام على إختلافها. سواء أكانت مطبوعة مثل الصحف والمجلات أو اذاعية مثل الردايو، أو وسائل الإعلام الإجتماعية المنتشرة على الإنترنت  مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب. ومع التقدم التكنولوجي أصبحت الأخبار المزيفة والشائعات سهلة الإنتشار بحكم تضاعف عملية النشر والتي تعود إلى حرية النشر والتعبير وذلك بفضل مواقع التواصل الإجتماعي المتواجدة على الهواتف الذكية والتي يتملكها عامة الناس في حين كانت وسائل الإعلام التقليدية تخضع لتدخل الصحفي بوصفه حارس البوابة.

تأخذ الأخبار المزيفة اشكالا متنوعة و مختلفة، و تتعدد المصادر التي يمكن إعتبارها أخبارا مزيفة مثل التضليل المتعمد والذي يقصد به الأخبار المزيفة التي تنشئ لتحقيق هدف معين مثل الربح المالي أو إشاعة الفوضى أو إثارة الرآي العام لتحقيق غاية معينة. ومن ثم تنتشر بين الناس أو على مواقع التواصل الإجتماعي مستهدفة أشخاص يعتقد أن لديهم الرغبة في تصديق صحة الخبر. كما يوجد أيضا ما يسمى بالمصادر المزيفة بحيث أنه يتم إستخدام عناوين مضللة أو خادعة أو مزيفة من أجل إحداث فوضى أو صدمة أو حتى الإساءة إلى أشخاص أو فئات على أرض الواقع أو على مواقع التواصل الإجتماعي من أجل الحصل على مزيد من المتابعين و زيادة الإعجابات والمشاركة. في نفس السياق، فقد أثبتت دراسات علم النفس إلى ان الناس يميلون الى تصديق الأخبار التي تتفق مع ميولهم وأرآئهم وأفكارهم ومعتقداتهم و رفض والتشكيك بالأخبار المعاكسة لتوجهاتهم حتى ولو كانت حقيقية وصحيحة.

نشرت هذه الصورة على مواقع التواصل الإجتماعي على أنها تعود لفيضانات في مطار هيوستون في عام 2017، وهي في الحقيقة تعود لصورة فوتوغرافية في مطار نيويورك وقد التقطت في عام 2013.

 

تساهم الأخبار المزيفة في تفكيك المجتمع وإضعاف الروابط بين أفراده من جهة و تشويه صورة الديمقراطية وحرية التعبير من جهة أخرى. تعرف حرية التعبير على أنها قدرة الإنسان على البوح أو الإعلان أو الحديث عن أفكاره التي تدور في خاطره مهما كانت والتعبير عن القناعات المختلفة التي يعتقد أن فيها منفعة للشخص نفسه ومنفعة لغيره من الأفراد اتجاه أمر معين. تعتبر حرية التعبير ركنا أساسيا  في حقوق الإنسان والذي يعتبر جزءا أساسيا من المجتمع  ومكلفا ومسؤولا فيه. تأتي حرية التعبير كجزء أساسي لا يتجزاء من الديمقراطية و لبنة أساسية في المجتمع الديمقراطي بحيث أنها تساهم في التنمية الإجتماعية والإقتصادية والتربوية وغيرها. ومع ضجيج الحياة وصخبها وتوافر ألآف من الأخبار المتناقلة، فإنه  يجب على المستقبل أن يكون ذكيا و فطنا وأن يكون لديه “بذرة من الشك” في كل ما يسمعه أو يقرأه قبل مشاركته مع الاخرين وأن يمتلك الصبر خاصة فيما يقرأه على الإنترنت وأن يتعمق في مضمون الخبر ويحلله بنظرة سريعة. كما يجب على المتلقي أن يتأكد ما إذا كان مصدر الخبر قوي كفاية لتصديقه حيث يلعب مصدر الخبر دورا هاما في مدى سرعة انتشار الخبر بين الناس. ويجب على المتلقي أن يتأكد ما إذا كان الخبر حقيقي رغم إنتشاره مثل النار في الهشيم  وأن يكون واعيا بشكل كاف لإدراك أن ليس كل ما يقرأه أو يسمعه حقيقة.

تبقى الأخبار المزيفة حقيقة موجودة لا يمكن محوها أو إلغاؤها كما أنَّه لا يوجد حل نهائي لهذه المشكلة ولكن، و في الإتجاه الأخر، يجب العمل على تقليلها و الحد من زيادتها بطرق وأساليب مختلفة مثل زيادة الوعي الثقافي وتنمية الوزاع الأخلاقي لدى الافراد وخلق القوانين الفعالة لايقاف انتشار أي خبر كاذب ومحاسبة المسؤول عنه. وفي النهاية يبقى الأمر متروك للمتلقي في تصديق أو رفض خبر معين. وتبقى الحلول المذكورة سابقا ركائز يمكن الإعتماد عليها في الوقاية والتقليل من الأخبار الكاذبة والتي هي خير من علاج أثارها الفتاكة.

عبد المعين دبدوب

5 2891