كيف تخطط الخوارزميات حياتنا؟

كيف تخطط الخوارزميات حياتنا؟

يقول كونفوشيوس “المعرفة الحقيقية هي أن تعرف حدود جهلك”، الإنسان بطبعه يحب التطلع والبحث عن المعرفة والابتكار بشتى أنواعهما. خيال الإنسان أساس الإبتكارات العظيمة التي غيرت العالم وأحدثت به تطورات عظيمة ساعدت في خلق منظومة علمية وعملية على حد سواء. الخيال والإبداع لا يحكمهما زمان فقد يبدو غريباً حقاً أن نقول أن الكاتب الأمريكي “مارك توين” قد وصف الانترنت كما نعرفها اليوم قصة لندن تايمز المنشورة عام 1904، ضمن الأحداث جهازاً هاتفياً أسماه “تيليكتروسكوب” يوصل الكون كله معاً بحيث أن ما يفعله شخصاً ما في مكان ما يصبح مرئياً لباقي العالم، وحيث يمكن لباقي الأفراد أن يناقشوه أيضاً بينما هم على مسافات بعيدة! أليس هذا بالضبط ما يفعله بنا الانترنت؟ هل يمكن للخيال والمعرفة البشرية أن تتنبأ بكل هذه التقنيات الحديثة؟

الإنحياز التأكيدي

بدأت الثورة المعرفية بالنهوض والتطور و إزدادت التقنيات التي تساعد الإنسان على اكتساب العلوم الجديدة وترسيخ حب التعلم والاكتشاف والتطوير. لكن، ما زال الإنسان يحصر نفسه بين العلوم الملائمة لأفكاره والمتفقة مع معتقداته والبيئة التي يعيش بها. فطبيعة البشر تحب الأشخاص المتشابهين بالفكر والميول وهذا يزيد من امكانية تكوين صداقات حيث نحيط أنفسنا بالمعلومات والأشخاص التي تتطابق مع هواياتنا ومعتقداتنا ويحموا أفكارنا فنبدو بالمقابل أكثر تمسكاً بآراءنا. يبدو هذا منطقياً لكن بهذه الطريقة نغض النظر عن الطرف الآخر بشكل غير واعي ويسمى هذا ب “الإنحياز التأكيدي”.  

يحدث هذا عندما نختار وبشكل انتقائي مصادر المعلومات التي تؤكد معتقداتنا (اي أننا نؤيد من يوافقنا الرأي) لذلك نتابع المواقع التي تعبر عن آراءنا السياسية أو الإجتماعية او الإقتصادية أو الثقافية. بالتالي نقضي وقتنا مع من يدعم ويغذي آراءنا ومن لديهم ذوق أو وجهة نظر مشابهة لنا. فيكمن الخطر في القيود التي تقيد عقلك وتعيقه من رؤية الأشياء بشكل محايد. هذه القيود هي المكون الأساسي من مكونات آلية وعمل الذاكرة والدماغ، وكما هو معروف كلما زادت انحيازاتنا المعرفية عن العالم كلما ضاقت حقيقة ما نعرفه عن العالم. بشكل غير مباشر وخفي تدعم مواقع التواصل الاجتماعي هذا الانحياز وعلى رأسها محرك البحث جوجل وذلك من خلال عرض وتقديم المعلومات التي تتناسب مع ميولنا وهواياتنا وتسند أفكارنا. على سبيل المثال عندما تقوم بالبحث عن موضوع معين تقوم هي بالبحث متعللة أنها تعرض النتائج التي تعتقد أنها مهمة لنا وبعبارة أخرى “تخلق لنا النتائج التي تتناسب مع ميولنا “.

فقاعة الترشيح

يصف الكاتب “إيلي باريسر” مؤلف كتاب فقاعات الترشيح ما تتبعه برامج التواصل من خوارزميات تقوم بتصفية وترشيح المعلومات وفق اهتماماتنا عوضاً عن عرضها كلها. حيث تقوم هذه التقنية بإستخدام عدد من محركات البحث في تحديد نتائج البحث المعروضة للمستخدمين. هذه التقنية تتمثل في قيام خوارزميات محركات البحث بتخمين المعلومات التي قد يفضل المستخدم أن يراها بناءً على معلومات قد سجلت عنها (مثل المكان، سلوكيات النقر الماضية، تاريخ البحث، الأصدقاء) ونتيجة لذلك يصبح المستخدم منعزلاً عن المعلومات التي لا تتفق معه. فقاعة الترشيح لها مزايا وعيوب، الميزة الرئيسية هو أنه يمكن أن يساعد المستخدمين في الحصول على معلومات ذات صلة بشكل أسرع دون التسبب بزيادة الضغط على البيانات في خوادم المزودين. من ناحية أخرى هناك عدد من العيوب التي حددها “إيلي باريسر” منها تشويه المحتوى المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي أو من قبل أصدقاء المستخدم مما يقلل احتمال الحصول على معلومات مهمة بحجة أنها ليست محببة. كما يمكن لهذه المعلومات المكافئة للسمنة (كما وصفها باريسر) بسبب ميل المستخدمين الى تقديم تعليقات إيجابية فسيقومون بتقديم ملاحظات فقط إلى عناصر المعلومات التي ينجذبون إليها وبإستخدام تشبيه الطعام سيأكل المستخدمون الحلوى طوال الوقت وتترك فقاعة التصفية المستخدمين محبوسون في عالم ينساق مع معلومات غير مرغوب فيها. انها تهدد عقول الناس وتعلم التنبؤات وتحمينا من المعلومات المفاجئة او المعلومات التي تتحدى وجهات نظرهم وتثير الفضول داخلنا.

آلية التصفية

من وجهة نظر جبابرة الترشيح (كما وصفها باريسر التي قصد بها مواقع التواصل الإجتماعي)، عند مشاركة أجزاء من البيانات يؤدي ذلك إلى إنشاء تدفق كبير من المعلومات والبيانات والتي يمكن أن تثقل الخوادم. عادة ما يتم حل مشكلة التحميل الزائد للبيانات الاجتماعية عن طريق تصفية البيانات غير ذات الصلة فتهدف آلية تصفية التدفق الى تقليل الحمل الزائد للمعلومات من خلال تقديم المحتوى الأكثر أهمية فقط للمستخدمين. قد طبقت مواقع التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك واليوتيوب وجوجل تصفية التدفق المخصصة بالفعل فيميل المستخدمون إلى أن يصبحوا مغلفين في فقاعة راحتهم برؤية المحتوى المرتبط فقط بمصالحهم.

الخوارزميات

من التطورات التي أثرت في صنع القرارات الهامة هي الخوارزميات والتي بدورها حلت مكان البشر في اتخاذ القرارات حيث أنها أظهرت الكثير من التغيير الجيد في صناعة القرار، ولكن هل هذه القرارات تراعي فعلاً حقوقنا وتحمينا بشكل صحيح؟

لقد أصبحنا اليوم نبرمج اشياءًا لم يعد بمقدورنا قراءتها أو تحليلها، لقد فقدنا إدراكنا لما يجري في هذا العالم الذي يدور من حولنا وقد بدأ الأمر بالخروج عن سيطرتنا. من الخوارزميات التي أثارت جدلاً واسعاً في مجال الأفلام هي خوارزميات “نيتفليكس” وهدفها مهمة واحدة محاولة تحليل ما يجري في دماغك عن طريق رسم خارطة لخياراتك داخل جمجمتك لكي تحاول أن ترجح لك فيلماً ربما قد تود أن تشاهده وهي مشكلة كبيرة جداً. لكن العائق الأكبر في هذه المشكلة اننا لا نملك حتى اليوم كتابة واقعية لما يجري في تلك الخوارزمية ولا نملك ضبطها. فهذه الخوارزميات تحتاج فقط معلومة واحدة عن ما تحب مشاهدته فتحدد 60% من الأفلام التي ستقوم انت بإستئجارها لاحقاً. كما تقوم خوارزميات ترتيب صفحات جوجل بتقييم جودة وعدد الروابط التي تشير الى صفحة معينة على الإنترنت بهدف حساب تقدير تقريبي لأهمية الموقع وخوارزمية ترتيب حائط الفيسبوك يقدم الفيسبوك مجموعة من المنشورات المختارة بعناية على حائط المستخدم ويتم تحديد ما يجب تقديمه عبر خوارزمية معقدة تأخذ بعين الإعتبار العديد من العوامل منها عدد التعليقات وهوية الناشر ونوع المنشور.

هذه الخوارزميات تخلق بداخلنا من دون وعي انحيازات فكرية وثقافية وعندها يبدأ عقلنا بتطوير نفسه لنشعر بعدها بقيمة أنفسنا ونعتبر أنفسنا مميزين بين الآخرين من دون أن نلاحظ أو نشعر بها مما يسبب لنا اتخاذ قرارات محدودة الجوانب الفكرية والأخلاقية والسلوكية. لذا، ان تمكنا من اكتشاف انحيازاتنا والحد منها سنتمكن من تجاوز الأخطاء في اتخاذ قراراتنا وتوسيع مدارك وحدود فكرنا وآراءنا. نحن نعيش في عصر الأسئلة، عصر البحث عن أسئلة جديدة ليس أسئلة جاهزة للإستهلاك. لذا يجب ان نستمع للآخرين ونبتعد عن انحيازنا لمعرفتنا ولو للحظات قليلة لنقترب أكثر من معرفة ما هو حقيقي وما هو زائف وننتقل لمستويات أفضل مما نحن عليه فنحن نتآمر على ذكائنا الحقيقي عندما نخضع لإرادة الإنحياز المعرفي.

 جمانة العويسات

2 344