الأخلاق أم ما قبلها؟

الأخلاق أم ما قبلها؟

بعيداً عن النقاش في قضية الدين أم الأخلاق وأيهم أتى أولاً وإلى أيهما أصح وكل هذه الأفرع. يجب أن نتفق على ما هو ظاهرٌ أمامنا، أي أن نتفق على مصطلح الدين ومصطلح الأخلاق. أولاً الدين ولا أعتقد أننا نقصد بها ديناً مُعيناً نتفرد به لكي نقارنه، بل نقصد جميع الأديان والشرائع والأنظمة والقوانين التي أتت أو وضعت قبل ولادتنا نحن الأفراد، وأعني بها المرجعية التي نعود لها في كل فعل أو قول نريد أن نقوم به، مع إختلاف مرجعياتنا وتفرقها، فهناك من يرى الدين هو المرجع وآخر يرى القانون هو المرجع وآخر يرى العادات والتقاليد هي المرجع.

ثانياً الأخلاق وهي مجموعة من الصفات التي يمتلكها الإنسان التي تصفه بالحُسْن أو القُبْح، أي أنها تقسم لقسمين، الأخلاق الحسنة والأخلاق القبيحة. أعتقد أننا نتفق على وجود سلوكيات جيدة وسيئة بصورة عامة دون تحديدها، فإذا أردنا أن نحدد الأفعال والأقوال حسب ما نريده وما يناسبنا وما نقبله نحن، فسينقلنا هذا إلى السؤال عن ما هو الشيء الصحيح وما هو الشيء الخاطئ؟ تحدثت في هذا الموضوع بمقال “هل فكرنا يوماً بالصح والخطأ“.

بعد أن اتفقنا على أن هنالك مرجع لكل شخص منا يمدنا بالأوامر والأفعال والأقوال، وأن هناك أخلاق جيدة وأخلاق سيئة نتفق عليها بالعموم. دعونا نقول السؤال بصياغةٍ أخرى: الأخلاق أم ما قبلها؟ وأعتقد أن هذا السؤال محايد لأننا لا نعرف ماذا كان قبل الأخلاق، وهنا نسأل ونقول: من قال أن هنالك شيء قبل الأخلاق؟، بل هي كانت البداية والأساس، وهنا أقول أنا سائلاً أيضاً: هل الأخلاق شيء مادي؟ هل الأخلاق شيء ينمو تدريجياً مثل سائر الأشياء المادية التي تنمو مع تقدم العمر؟ حسناً قد نقول نعم إنها تنمو مع نمو الإنسان، فيصبح أكثر علماً ومعرفة وإلماماً وإدراكاً للأمور، وهنا أقول سائلاً أيضاً: وكيف تكونت الأخلاق داخل هذا الإنسان؟ هل تكونت مثل ما تكوّن هو من نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم لحما ثم جلدا؟ أو هل يمكننا أن نقول أنها تنمو مثلما ينمو الإنسان، فيأتي رضيعاً ثم يكبر ويصبح طفلاً ثم شاباً ثم رجلاً ثم شيخاً؟.

 

هل هكذا تتكون أو تنمو الأخلاق؟

حسناً دعني أقول ما لدي مما جمعته وفهمته وعقلته من العلماء والحكماء والفلاسفة الذين تحدثوا في هذا الموضوع. وقد أتفق أواختلف معهم، وما أقوله ليس إلا وجهة نظر قد تناسبك وتتفق معها أو لا تناسبك ولا تتفق معها، مع ربطها للواقع والمنطق والعقل. دعنا نقول أن الأخلاق هي الأساس وهي التي تحتكم إلى نفسها بتحديد الأفعال الحسنة والأفعال القبيحة، وهنا قد ينافي هذا القول العقل والمنطق والواقع. فكيف لفاعل السرقة أن يقول عن نفسه بأنه فعل قبيحا وكيف لفاعل المساعدة ان يقول عن نفسه أنه فعل حسنا؟، دعنا نقول أن الناتح عن هذه الأفعال هو الذي يحدد أيهما الفعل الحسن وأيهما الفعل القبيح. وهنا سيقام الأمر على فرضيات ومن ضمنها أن السارق قد يصبح غنياً والمساعد قد يموت وهو يساعد شخصاً آخر، وهنا يبدو لنا أن اللص هو من كسب وهو من ارتاح وتحسن حاله، وأما الشخص الآخر فقد خسر كل شيء من خلال الموت وهو يساعد شخص يكاد لا يعرفه. هنا يصبح فعل السرقة هو الفعل الجيد لأن الناتج الذي وضعناه كان جميلاً، أما فعل المساعدة يصبح الفعل السيء لأن الناتج الذي وضعناه كان حزيناً. وهذه نظرية واحدة من آلاف النظريات التي لا يمكننا أن ننتظر الأشخاص أن يقوموا بها لكي نحكم على الأفعال من خلال نتائجها المتنوعة والمختلفة حتى وإن كانت جيدة أم سيئة.

حسناً دعنا نأتيها من زاويةٍ مختلفة ونقول: بناءا على أخلاقي أنا الذي أحدد إن كانت هذه الأفعال هي الجيدة أو السيئة، وهنا يأتينا سؤال آخر فيقول: وما هي القاعدة التي إنطلقت منها لكي تحدد أيهما الجيد وأيهما السيء؟ أو هل من الممكن أن يتفق معك كل أهل الأرض على ما تراه أنت صحيحا فقط لمجرد أنه يناسبك؟ هذا قطعاً مستحيل لأنه بإختلاف حالتك قد تختلف قراراتك ومبادئك وأفعالك. هذا كله لأننا بشر، والبشر بطبعهم جهلاء ومحتاجون وناقصون، مع كوننا نتعلم ونجتهد و ننجز بقدر المستطاع، إلا أننا قد نخطئ ونفشل ونتراجع في كثير من الأحيان، فلذلك لا يمكننا أن نضع نظاماً عقلياً محكماً لمسألة الأخلاق وما هو الجيد منها والسيئ.

بعد أن تكلمنا عن الأخلاق وأدركنا أنها لا تنمو مع الإنسان بطريقة تصاعدية أو تكاملية، وأنها لا يمكن أن تحدد نفسها بنفسها، وأن البشر غير قادرين على وضع منهج كامل متكامل لتحديد الجيد والسيء منها، فهنا علينا أن ندرك أنها مكتسبة. أي أننا نكتسبها من خلال التعلم والتجارب والمحاولات والكلام والأفكار. ومع إمكانية تحليل بعضها من خلال وضع النظريات والنظر في النتائج لمعرفة لماذا الأخلاق الحسنة جيدة والأخلاق القبيحة سيئة. هذا كله يصب في أن هناك منهجية وضعت وحددت لنا ما هو الجيد من السيء، أي أن هناك شيء قبل الأخلاق تحتكم إليه الأفعال والأقوال. فمثلاً دعنا نقول أن البيئة هي العامل الأساسي في تكون الأخلاق، أي أن البيئة هي الشيء الذي يحتكم إليه عند الحكم على خلق معين إن كان جيداً أو سيئاً، وهنا سنكون على يقين أن هذه البيئة هي السبب في إنتاج هذه الأخلاق التي نراها، وهذا يجعلنا نثني أو نذم هذه البيئة فقط دون العوامل الأخرى المؤثرة حولها. بغض النظر عن المنهجية التي وضعت قبل الأخلاق، فكما قلنا قد تكون ديناً أو دستوراً أو قانوناً أو عادات وتقاليد أو أي شيء آخر إتفق عليه مجموعة من الناس لكي يحتكموا إليه في أفعالهم وأقوالهم.

إذا عاملنا الآخرين على أخلاقهم وإن كانوا سيئين فلا يحق لنا أن نتهم دينهم أو بلدهم أو نسبهم أو عرقهم أو بيئتهم أو تربيتهم أو مدارسهم وجامعاتهم. فهذا ينافي فكرة الحكم على الأخلاق لأنها الأساس، ويخرج عن القاعدة التي نحتكم إليها وهي الأخلاق نفسها. أيضاً، إذا قسنا معاملات  الآخرين على ما قبل أخلاقهم إن كان دينهم أو بلدهم أو نسبهم أو عرقهم أو بيئتهم أو تربيتهم أو مدارسهم وجامعاتهم، فهذا ينافي إستقلالية الأفراد وهذا يجعلهم مجرد تجارب لنظريات سابقة تجعلهم غير مسؤولين عن أفعالهم وهذا أيضاً ما يجعلهم يلومون من سبقهم بسبب أرائهم وأحكامهم وقوانينهم ومناهجهم التي وضعوها، وليس هذا الذي نريده أيضاً.

إذن، أعتقد أننا لم نصل إلى إجابة تحدد لنا إن كانت الأخلاق هي الأساس وهي المرجع الرئيسي الذي يجعلنا نحكم على الأشخاص من خلالها. لا يمكننا أن نرتكز على المنهجية التي كونت هذه الأخلاق فقط، وهنا أقول أن هنالك خللاً في السؤال فلا يمكننا أن نفصل بين شيئين أساسيين يكملان بعضهما البعض، فالشرائع والقوانين والأنظمة كلها أتت ووضِعت لتبين لنا ما هي الأخلاق التي علينا أن نتقرب منها ونتعلمها وما هي الأخلاق التي يجب علينا أن نبتعد عنها وأن لا نتداولها. التربية والبيئة والمدرسة والجامعة لها دور كبير في صقل وفلترة هذه الأخلاق في الإنسان، وبعد هذا كله وعندما يصل المرء إلى مرحلة البلوغ والفهم والإدراك يصبح من الضروري أن يفهم الأمور من خلال الأوامر السابقة والأفعال الحاضرة من خلال تجاربه. هنا أيضاً أسأل، لماذا نريد أن نحكم على الآخرين إن كانت أخلاقهم جيدة أو سيئة من خلال تعاملنا معهم لبضع دقائق أو ساعات؟ لماذا نريد أن نكون الحكم الذي يحكم على الآخرين بحسنهم وقبحهم؟ لماذا نريد أن نضع صوراً نمطية وأحكام مسبقة لمجرد أن هؤلاء الأشخاص غير متفقين معنا أو ليسوا من ديننا أو عرقنا أو لوننا أو بيئتنا، فأخلاقهم اختلفت عن أخلاقنا؟

نعم الأخلاق من أهم الأشياء التي يحتاجها المجتمع ليعيش معا وليتعاون وينهض ويتوحد مع بعضه البعض. علينا أن نجتهد في أن نتعلم ونُعلّم ونمارس الأخلاق الحسنة التي تتفق عليها كل شرائعنا ومنهجياتنا وقوانينا وطبائعنا، لأننا بالأخلاق نسمو ونعلو. إذا أراد أن يذمك أحد، فقد يبدأ بأخلاقك ثم بما قبلها أو بما قبلها ثم بها. إذا أراد أن يثني عليك أحد فقد يبدأ بأخلاقك ثم بما قبلها أو بما قبلها ثم بها. في هذا المجتمع لا يمكننا أن نحدد على ماذا يحكم وإلى ماذا يحتكم، فيجب علينا أن نحافظ على أخلاقنا لكي نحافظ على أنفسنا، وأن ندع جملة “كما تعاملني اعاملك” فهذا لا يجعلنا أشخاص أفضل ولن يدفعنا لتحقيق ما نسعى لتحقيقه.

وآخراً، كن أنت الذي توصل الصورة التي تريد أن يراها الناس عنك، كن أنت الذي يستفيد من الشرائع والمناهج والقوانين والأنظمة لتصل إلى الأخلاق، ثم طورها من خلال التعلم والمعرفة والتهذيب. ثم ابدأ بممارستها في أقوالك وأفعالك لكي تصل إلى الأخلاق التي لم تكن تتوقع أنه من الممكن الوصول إليها… ديننا وشرائعنا وأنظمتُنا وقوانينُنا ومناهجنا كلها أخلاق، والأخلاق كلهُ دين وشرائع وأنظمة وقوانين ومناهج…

 

يوسف سميك

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 185