الإحتفاء بقبول الأخر

اتركوها فأنها منتِنة

أترُكوها إنها نتِنه، هذه عِباره تُجسد لنا العديد من المفاهيم. وهُنا نتحدث عن مُصطلح أو ثقافة قديمة جديده، وهي التعصب بكافة أشكالة وأنواعه، ويُعرف التعصب على أنه عدم قُبول الحق عند ظهور الدليل بِناءا على الميل إلى الجانب الأخر، وهو أيضاً شعور داخلي يجعل الإنسان أكثر تشددا فيرى نفسه دائماً على حق ويرى الآخر على باطل بلا حُجه أو بُرهان. كما ويأتي هذا الشعور على شكل مُمارسات، ومواقف مُتزمتة ومنها إحتقار الأخر، والفوقية، وعدم الأخذ برائي الأخر.

بشكل عام أتى الأسلام وذم التعصب ونهى عنه بكافة أشكاله وأعتبر الإسلام أن العصبية نوع من أنواع الرجعية وأنها تعود بنا إلى زمن ما قبل الإسلام، إلى الجاهلية و وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالنتِنه، وجاء هذا الوصف تقبيحاً، وتحقيراً، وتقليلا من شأنِها لما له من أثار سيئه، وسلبيه على المجتمع بكافة أطيافه وتُودي به إلى الدمار،كإنتشار الفِتنة، وغرس مشاعر الحِقد، والكراهية، ومنع الأخرين من مُمارسة حُقوقهم، كحق التعبير، وإبداء الرأي. قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، “يا أيها الناس ألا إن ربُكم واحد، وإن أباكُم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى” روأه أحمد في الأنصار حديث رقم 22391. وجاء هذا الحديث بالمجمل كخِطاب مُوجه لكافة الأمم والأجناس والطبقات داخل المجتمع وأنه يدل على المساواة بين أفراد ألمُجتمع ولكن إن كان هُناك فرق أو شي يُميزك عن الأخر فكان هو الأيمان والتقوى إلى الخالق.

بطبيعة الحال فإن هُناك أنواع وأشكال عدة مِن التعصب: التعصب للذات، والتعصب للدين، والعرق، والنسب، ولون البشرة، والجنس وتعصب الأبن لمنصب أبيه، والتعصب للأرض وللموطن، وأيضا، التعصب الرياضي. لنستذكر هنا واقعة حدثت، وهي شكل من أشكال التعصب الرياضي في مصر قبل سنوات ليست بِبعيده، سنة 2012 كانت هنُاك إحدى أكبر المجازر التاريخية  في عالم كرة القدم، وراح ضحية هذا التعصب ما يُقارب ال 73 قتيل و 254 جريح عدا عن الخسائر المادية في الممتلكات والمُنشئات العامة، ولننظُر إلى ما خلفه هذا التعصب من شتات وضياع وسفك لدماء الأبرياء وكم طفل أصبح يتيم، وكم أم أصبحت ثكلى على إبنها، وكم زوجة رُملت، وحين نُمعِن النظر جيداً نجد أن هذا الدمار ليس سببه النادي الرياضي و إنما هو نتيجة التعصب. ولوبحثنا في أسباب التعصب لوجدنا هناك العديدا من الأسباب ومن أهم أهمها شعور الشخص المتعصب بالنقص، وهذا الشعور يسبب للأشخاص التعصب، والعدوانية.

أيضا، الإنغلاق وضيق الاُفق، وهنا نجد كثيراً من الأشخاص والطوئف والجماعات المنغلقه على ذاتها، لا تسمع إلا لنفسها، وكثيرا من الأفكار المتطرفة والمتعصبة تنشأ في أركان سرية، وفي سراديب الظلام في أجواء مُنغلقة تعلم رفض الأخر. لا ننسى أيضا، دور التنشِئة المجتمعية والأسُرة، فالنشأة في عائلة تُميز بناءا على اللون، والجنس والقبلية، تُنتج لنا أشخاصاً مُتعصبين، ومتحيزين، وكُلنا  نعلم أن الأسرة هي النواة والقلب النابظ لكل المجتمعات، ومايقع على عاتقها من ظوابط وتعاليم عليها أن ترفُد بها أبنائها لكي تبني مجتمعا خاليا من التعصب ويحتفي بقبول الأخر.

في تعبير مجازي أخر وهو مثل شعبي كثيرا ما يتداوله الناس، وشائع بينهم في أغلب الجزيرة العربية، هو “أنا وأخوي على أبن عمي وأنا وأبن عمي على الغربب” وهذا المثل الشعبي القديم يعكس لنا صوره من صور التعصب ويدعو للقبلية، والتحيز للعشائرية، والمناطقية الضيقة. نحنُ حالياً نعيش وسط مجتمع يحكمه ويسيطر عليه التعصب العشائري، وسبب الكثير من المنعطفات الخطره داخل المجتمع. ومن الإنتخابات التي تقوم على أساس عشائري، وتكون النتيجه إسم العشيرة، وليس الشخص القادر على تمثيل مصالح ومطالب أبناء الوطن، وظاهرة العنف الجامعي ما هي إلا إمتداد لظاهرة التعصب العشائري المسيطر. وهنالك نوع من أنواع التعصب الحديث، وهو التعصب لجماعة أو لحزب معين، فتجد المنتمي إليه يدين بالولاء لأصحاب هذه الجماعة دون غيرهم وجاء القران الكريم لذم هذا النوع من التعصب، وقال العزيز الحكيم في كتابة الكريم “إنما المومنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون” الحجرات: 10 وفي هذه الآية الكريمة دعوة للمؤمنين ليسمو بأنفسهم فوق الخلافات، وتذكرهم بأنهم جميعاً أخوة مهما أختلفوا، وبذلك تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان وتزيد من إنتماء الفرد إلى مجتمعه وتعمق فيه مشاعر التضحية، والبذل وتُنمي أيضا ًروح التعاون وتجعل المجتمع أكثر  قوة وتماسك يصعب النيل منه. لمناهضة هذا التعصب والتحرر منه، هناك عدة آمور وثوابت علينا أن نقوم بها ومن أهمها:

  • الفهم السليم للتعاليم الدينية، وعدم ربط الأفعال العدوانية للمتعصبين بناءا على الدين.
  • التعايش السلمي وتقبل الحوار بين الثقافات والديانات والمجتمعات المختلفة.
  • إحترام مشاعر الأخرين.
  • تنشئة الأسرة على إحترام الأخرين، وعدم استخدام الفرد لألفاظ الذم والشتم.
  • التربية على القيم مثل الصبر وكظم الغيض والتحكم في الذات.
  • التعاون مع الأخرين والإستفادة مما عندهم من معارف وخبرات.
  • إحقاق الحق وإبطال الباطل.
  • مقاومة الفتن والإعلام المضلل.
  • الإعتراف بالخطأ وتقبل النقد من الأخرين.
  • ضرورة تقديم المصلحه العامة على المصلحه الخاصة مع عدم إهمال وتهميش الأخيره وعدم إستخدام الصالح العام ذريعة لضرب المصالح الخاصة.

 

مقال لسليم الزبون

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية.

4 829