التعددية الثقافية والسلم المجتمعي

التعددية الثقافية والسلم المجتمعي

تعتبر التعددية مثلها مثل التنوع، حقيقة موجودة منذ القدم حيث بدأ وجودها منذ أن خُلق الكون وبدء الخليقة. كما ورد في معجم المعاني الجامع؛ تعتبر التعددية إسم نُسب إلى التعدد، وهنالك عدة أشكال من التعددية مع الأخذ بعين الإعتبار أهمية تقبل مختلف الأنماط سواء كانت أنماط ثقافية أو جنسية أو عرقية أو دينية حيث تكون هذه الأنماط سائدة بين مختلف الجماعات الإنسانية.

تعتبر التعددية من الظواهر التي تلازم المجتمع الإنساني وذلك منذ أن عرف المجتمع الإنساني ظاهرة تبادل المُلكيّات والبضائع بين الدول وبين التجار بالأخص. وحتى قَبل ذلك الوقت، فقد كانت الفروقات الثقافية أو الدينية أو حتى العرقية بالطريقة التي”تفصل” بين كل فرق من هذه الفروقات في الرؤية وفي الموقف السياسي من خلال كونها فروقات تعبّر عن طبيعة المجتمع الإنساني نفسه. تعتبر التعددية أكبر دليل وبرهان وتسليم على أن عالمنا هذا هو عالم مختلف ومتنوع وأصبحت التعددية ثابت من ثوابت حياتنا المعاصرة. وطريقة تعاملنا معها وتفاعلنا الذي سيقودنا بطريقة أو بأخرى إلى صياغة ما يعبر عن ملكية الذات وقيم الإحترام والتسامح والمرونة والحوار التي تكون ضمن حواراتنا وعيشنا مع الآخر تحت مظلة إحقاق السلام المجتمعي. يعبر الإختلاف أو التعدد عن الهوية الثقافية والبرنامج الإقتصادي والإعتقاد الديني والتجمع الإثني والنظام السياسي وغير ذلك من أشكال التعدد. فكان تشخيصنا للتعددية غير كافي ولكن تجسيد التعددية من خلال اعتبارها واقع وحقيقة محضة أصبح أمرا محتوم! فكما كانت التعددية في الماضي سوف تتجسد في المستقبل أيضاً.

 سوف أتنقل خلال هذا المقال حول مفهوم التعددية، السلام الإجتماعي، المجتمع التعددي مميزاته ومستوياته، الأقسام الرئيسية للتعددية، ودور التعددية في تقوية وتعزيز السلام الإجتماعي:

أولا: مفهوم التعددية: هي عبارة عن الإستقلالية التي تحصل عليها جماعات إنسانية ضمن إطار مجتمع ما مثل النقابة المهنية، الإتحاد العمّالي، والأقليّات من الأعراق المختلفة، حيث تعتبر التعددية من أهم الشروط التي يتم ممارستها بشكل ديموقراطي حيث تعتبر التعددية عكس لمفهوم الدولة الشمولية. يتم وصف التعددية على أنها تنظيم لحياة المجتمع وفقا لقواعد عامة يتم فيها إحترام وجود تنوع وإختلاف في إتجاهات السكان بالأخص داخل المجتمع الذي يتميز بالإطار الواسع، وبالأخص في المجتمعات التي تعتبر نفسها حديثة بخلطها للأيدولوجيات الدينية والفلسفية معا. 

كما تتعلق التعددية في مجال الدولة والقانون، حيث أن الدولة هي التي تقوم بصبغ الشرعية وتبرير أو رفض أو تنحية الشرعية نسبة إلى أي وضع تعددي بعينه وذلك من خلال تقليل استخدام المراجع والأدلة القانونية. خلال الصورة التي تم تكوينها عن التعددية، إلا أن أينما وجد التنوع وكيفما كان شكله سواء كان تنوع ديني أو تنوع عقائدي أو تنوع طبقي وحزبي أو فلسفي، حيث يتمسك الأفراد بالتنوع ومن خلال ذلك يختلف المعنى للتعددية مع موضوع التنوع حيث يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية، وهذا يعود إلى الإختلاف في القيم وفي الظروف الإجتماعية. 

ثانيا: مفهوم السلام الاجتماعي: السلام الإجتماعي عبارة عن مجموعة من القيم والمبادئ والأفكار، تكون بهدف تحقيق مبدأ التعايش مع الآخرين ودرء العنف واللجوء إلى طرق سلمية وتابعة للقانون لحل أي نزاع> كما أن الشعور بالإنتماء إلى جماعة وعصبة بطريقة يصبح فيها من الصعب القيام بسلوك أو ممارسات يمكن أن تهدم النسيج المجتمعي بشكل مباشر أو أن تؤدي إلى تشوه في بناء المجتمع. بذلك يكون السلم المجتمعي عبارة عن حالة من الحب والود والتصالح فيما بين المكون السكاني وبين القوة الإجتماعية. أي أنه وفي عدم وجود أي مظهر من مظاهر العنف داخل المجتمع وبالرغم من عدم وجود الخوف في المجتمع، إلا أن السلام يعتبر نقيض للعنف الإجتماعي بمختلف أشكاله. 

ثالثا: مميزات التعددية في المجتمع: يعتبر المجتمع الذي يتمتع بالتعددية هو مجتمع يتجزأ بسبب الإنقسامات سواء الدينية أو اللغوية أو الثقافية أو العرقية. كما أن المجتمع التعددي هو المجتمع الذي ينتظم بداخله النشاط الحزبي والعمل الإعلامي والتعليمي والعمل التطوعي وفقا للانقسامات التي تميز المجتمع التعددي. من أهم المميزات التي يتمتع فيها المجتمع التعددي:

  • يكون مجتمع فيه إختلافات ولكن لا تغير المجتمع ولا تتبدل مثل تبدل الرأي العام.
  • يكون مجتمع مصنف إلى مجموعات بسبب وجود إختلاف في الجانب الديني أو الجانب اللغوي أو العرقي.
  • تكون المجموعات المختلفة مندرجة تحت ظل مؤسسات تربوية وإعلامية والعديد من التفرعات المؤسسية التي توفر عدة مبادئ لقياس درجة التعدد في المجتمع.
  • يكون الفرد في المجتمع المتنوع ضمن بيئة متداخلة بدرجة كبيرة حيث يكون الأفراد بحالة من التداخل في المصالح والعضويات، أي أن في الغالب يكون الأفراد عبارة عن أعضاء في أكثر من منظمة أو جمعية تطوعية، فتصبح سلوكاتهم معتدلة أكثر بسبب أنهم مرغمون على  أن يكونو متوافقين في عدة مصالح  يكونون هم أعضاء فيها. 

 

مستويات التعددية: يوجد مستويين من التعددية:

المستوى الأول: المستوى الفردي: وبناء عليه يوجد فكرة تثبت أن لا يوجد فرد يحوز على الحقيقة وبالتالي لايوجد من يمتلك الحق في المصادرة لآراء الآخرين وإن بدى ذلك غير صحيح من وجهة نظر أي شخص آخر.

المستوى الثاني: المستوى الإجتماعي: فمع ملاحظة الشعوب الأوروبية كمثال والشعوب الأخرى ثراء شعوب أخرى وتجاربهم المتعددة، فإن هذا يدفع الشعوب والجماعات خارج إطار أوروبا على سبيل المثال على توسيع دائرة معارفهم ليقوم بإدراك وجود مجتمعات أخرى مختلفة عنهم في عدة مجلات مثل العرق والدين والعدات والتقاليد ونظام الحكم ونمط الحياة وطريقة التفكير وحرية تعبيرهم عن أفكارهم واحترامهم لحقوق الإنسان وتطوير مفهايم المواطنة لديهم كأفراد. 

ومن هنا يجدر الإشارة إلى حقيقة أن التعددية هي واقع حقيقي حتى ضمن مجتمع واحد يتقسم بشكل عمودي إلى مجموعة فئات وطبقات متمايزة في السلطة وفي الملكية وسياسات الحكم  وطريقة المشاركة في رأس المال وإنتاجه. هذا إضافة إلى أن المجتمع يكون مقسم أيضا بشكل أفقي تقسيم إثني وديني ولغوي وهذا يرتبط بسكل أساسي بالتقسيم الإجتماعي ليتمكن المجتمع من العمل معاً كوحدة واحدة بين المجالات التجاري والصناعي والحرفي وكذلك ليتمكن المجتمع من الدمج بين عمل المرأة والرجل. 

 

رابعا: أقسام التعددية:

  • التعددية الدينية: هي التعددية التي تعترف بوجود تنوع في الأديان المتبعة قي المجتمع الواحد. تختص التعددية الدينية في الشرائع والعقائد وبناء على ذلك تقوم التعددية الدينية على مبدأ الاحترام لكل هذا التنوع في المذاهب والأديان المتبعة في المجتمعات وقبول كل الإختلافات التي تترتب على هذا التنوع. 
  • التعددية الإجتماعية: تعتبر من الظواهر التي تلازم الوجود البشري َمنذ أن تم التعرف إلى التبادل والتشارك الإنساني حيث تكون التغيرات الإجتماعية وكذلك الثقافية أو غيرها من التغييرات عرقية كانت أو من حيث الجنس أو الدين أو القومية وما ينتج عنها من منظور مختلف سواء سياسياً أو إجتماعيا فيكون بذلك ضمان لإستقرار حياة البشر. 
  • التعددية السياسية: ويقصد بها تنوع الآراء والقوى السياسية وضمان حق كل منها في التعبير والتأثّر والتأثير في صنع القرار السياسي. 
  • التعددية الثقافية: يقصد بها قدرة الوسط الإجتماعي الواحد على التعايش في نفس الوسط وكلما كان هناك تنوع في التعبيرات الثقافية فإن ذلك يدل على وجود ديناميات مجتمعية متنوعة ومتباينة بين كل الكيانات الثقافية الموجودة. 

 

خامسا: دور التعددية في تعزيز السلام المجتمعي: تشغل التعددية والسلم المجتمعي داخل الوطن العربي حيزا يشغل بال المواطنين وعلى تفكيرهم وبالأخص في الوقت الحالي؛حيث يوجد أشكال للتعددية السياسية والإجتماعية والدينية والسياسية. بناءا على ذلك، فإن التعددية من أكثر العوامل أهمية في تحقيق عناصر السلام المجتمعي وتفعيل قيم التعايش والتسامح وتعزز قوة النسيج المجتمعي. أيضا، تقوم على تصغير المسافة بين الإتجاهات الفكرية عبر التقريب من وجهات النظر وفي أضعف الأحوال تؤدي التعددية إلى أن نفهم  الإتجاهات المختلفة وتقوم بتحقيق جانب هام جداً من السلام والتسامح المجتمعي بين أفراد المجتمع. 

تعتبر عملية تحقيق السلام المجتمعي من أهم الواجبات التي على المؤسسات والمنظمات الدينية والإجتماعية أن تحققها. علينا أن نكون على معرفة بأن المحافظة على السلم المجتمعي يستلزم منا أيضا كأفراد للمجتمع القيام بكل الواجبات التي علينا التحلي بها كمواطنين وأفراد فعالين في المجتمع والتحلي بقيم الإحترام والتعاون وحرية التعبير عن الرأي وذلك يضمن بلْورَة السلم المجتمعي وتحقيق قيم التعددية التي تعمل على ضمان استقرار المجتمع. نخلص إلى أن التعددية مصطلح يشمل مبادئ التعامل مع ظاهرة التنوع في حياة الناس، حيث أن التعددية وصف لظاهرة موجودة في جميع المجتمعات ومن جانب آخر تعتبر التعددية تصور لأطراف الإختلاف والضوابط للموافقة والرفض على أنماط الإختلاف تلك، وتنظيم المجتمع على هذا الأساس. 

روان العمد 

0 175