التفرقة العنصرية

التفرقة العنصرية

كل فرد في المجتمع لديه صفة تجعله متميز و جميل> وكل منا لديه موهبته وابداعه و مجاله في الحياة. هذا التنوع الذي يضيف إلينا سر جمال الحياة، كم ستكون الحياة مملة عندما نمتلك كلنا نفس الشكل و اللون و الفكر و العادات و التقاليد!؟. لهذا وجد الإختلاف في الشكل والثقافة والعرق وغيرها فإختلافنا هو ما يميزنا. ولكن تعاني العديد من المجتمعات من نوع من أنواع التفرقة العنصرية والتي تجعل الأفراد يتفرقون ويبعدون عن الهدف الأساسي من الوجود ألا وهو إعمار الأرض. فما المقصود بالتفرقة العنصرية؟ وما هي أشكالها؟ وما هي المبادرات والإجراءات التي يجب  اتخاذها تشريعياً وأهلياً للحد من العنصرية بجميع أشكالها؟

في البداية علينا أن نتسائل ما هي العنصرية وهل هناك مفهوم صحيح حول العنصرية، ومن أين أتت هذه الكلمة؟ لابد أن هناك العديد من المواقف التي حدثت في الماضي وما زالت تحدث في الحاضر لها علاقة بسلوكيات تحمل نوع ما من العنصرية. قد نأتي على التعريفات الشمولية للعنصرية، مع العلم أنه ليس من اليسر وضع تعريف يحظى بالإجماع، ولكن يمكن القول على أنها مجموعة من السلوكيات صادرة من أشخاص أو جماعة لإعتقادهم أنهم أفضل ويتفوقون على غيرهم، لأي سبب يفيد التفريق والتمييز، لتحقيق أهدافهم ومطالبهم على حساب غيرهم، فيتعدون على حقوق الآخر، و هذا يعارض مبدأ العدالة و تكافؤ الفرص بين البشر.

 

حول العنصرية كمفهوم

تم تعريف العنصرية حسب الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على أنها  أي تمييز أو إستثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة للإعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة. 

حتى نعرف من أين أتت هذه الكلمة سنرجع لجذرها في اللغة، فهي إسم مؤنث مصدرها العُنْصُرُ أي الأصل والحسب. و العنصرية في اللغة هي مذهب يفرِّق بين الأجناس والشُّعوب بحسب أصولها وألوانها ويُرتِّب على هذه التَّفرقة حقوقًا ومزايا. مهما تعددت التعريفات و مهما كان نوع أو شكل التمييز أو الأسس المبنية عليها، نجد من التعريف أن التمييز يكون على أُسس و أحكام مسبقة، و يشير إلى ممارسات يتم من خلالها معاملة مجموعة معينة من الناس بشكل مختلف و يتم تبرير هذه المعاملة باللجوء الى التعميمات المبنية على الصورة النمطية.

 

ممارسات قد تحد من العنصرية

يمكن أن تعد العنصرية أحد أسباب الفتنة والتفرقة بين الناس. حيث نجد أن العنصرية مبنية على أسس مختلفة مثل لون البشرة، العرق، الدين، اللغة، العادات، التقاليد، الثقافات والطبقة الإجتماعية و غيرها من الأمور. هناك دراسات تبين أهم الأسباب التي تجعل الفرد يتصرف بعنصرية وهي الصورة النمطية، و التفاخر بالأنساب، الفروق المادية، الغرور، التكبر، الطمع، الجشع، الجهل، عدم الوعي بمفهوم العنصرية و بعض العادات الموروثة، و غيرها العديد من الأسباب الأخرى.

يمكن أن نعتبر العنصرية مرض أصاب العقل البشري، طُبِع في عقولنا عدة صور نمطية عن العرق والجنس واللون والجنسية وغيرها، وهذه الصورة تكوّنت على أساس أن الجنس البشري مكوّن من أجناس منفصلة و طبقات متعددة. وأن هذه الجماعات البشرية المختلفة تتمتع بكفاءات عقلية وأخلاقية متفاوتة تستوجب أنماطاً مختلفة من التعامل. الحقيقة هي أننا كلنا جنس بشري واحد، يسكن كوكباً واحداً مترابطين بمصير مشترك ومرهون بأن نكون كنفس واحدة.

الإعتراف بهذه الحقيقة هو الترياق لهذا المرض. لذلك هناك الكثير من المبادرات والفعاليات للحد من العنصرية، فأصبح هناك منشورات توعية ومحاضرات ومنتديات وصفحات على مواقع التواصل الإجتماعي تساهم في الحد منها. من أهم التجارب التي لفتت إنتباهي، هي الخدعة الإفتراضية للحد من السلوكيات العنصرية حيث يستخدم الواقع الإفتراضي في نقل الأشخاص إلى عالم يختبرون فيه جسماً آخر غير جسمهم. و يستخدم فيها التكنولوجيا كطريقة ممتعة للحد من العنصرية. يمكن أن تستخدم هذه الطريقة في المدارس والجامعات والعديد من الأماكن التي تظهر فيها العنصرية، وترمي هذه التجربة إلى الحد من السلوكيات العنصرية ضد أفراد من عرق مختلف.

قامت الأمم المتحدة بخطوة كبيرة بوضع إتفاقية للحد من العنصرية، و هي الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. أعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والإنضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2106. تنص هذه الإتفاقية بشكل عام على الحد من التمييز العنصري وأن البشر يولدون جميعا أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق الحريات المقررة فيه، دون أي تمييز لا سيما بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي. وإيمانا منها بأن أي مذهب للتفوق القائم علي التفرقة العنصرية مذهب خاطئ علميا و مشجوب أدبيا وظالم وخطر اجتماعيا، وبأنه لا يوجد أي مبرر نظري أو عملي للتمييز العنصري في أي مكان.

ولا ننسى في النهاية كلنا بشر موجودين على هذا الكوكب لنعّمره وتعاوننا وترابطنا يخلق لنا عالم متطور فمثلاً في الكيمياء عند تفاعل مادتين أو أكثر ينتج مادة نستطيع الإستفادة منها مع العلم أن هناك مادة نادرة ومواد ملونه ومادة صلبة ومادة سائلة. فكل مادة لها مميزاتها وخصائصها الكيميائية والفيزيائية فمثلا لصنع الحلي والإكسسوارات من الذهب يجب أن نضيف إلى الذهب بعض الفضة والنحاس والحجارة لصناعة المجوهرات. فكل شخص يملك صفة تميزه عن غيره و تجعل منه شخص متميز، و ترابطنا و تقبلنا لبعضنا يجعل المجتمع يجني ثمار هذا الترابط الإيجابي.

 

صفا الطحان

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 71