التكافل في ضوء العناية بالأطفال

التكافل في ضوء العناية بالأطفال

أرى الأطفال في كل مكان، أن يكون المجتمع فتيا فهذه نعمة بالتأكيد. في المواصلات العامة نراهم وفي الشارع نراهم وفي البيوت نراهم، وكأي شخص بالغ، هذا ما يدور في رأسي: كيف سيربى جميع هؤلاء الأطفال؟ كيف سيحصلون على غذاء جيد؟ كيف سيتعلمون بشكل جيد؟ الكثير من الأسئلة التي تدور في ادمغتنا حول الأطفال. بالطبع إنهم مستقبل البشرية فكيف لا نقلق حيالهم؟ الآباء والمعلمون ورجال الدين والتربويون، جميعنا نسعى لاستمرار صغار السن في الحياة، كما نقلق حيال توفير البيئة الأمنة لنموهم وتعليمهم. لكن،  ماذا بشأن الأطفال الآخرين الأيتام مثلا أو المحرمون من التعليم أو الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة؟

التكافل  في مجال توفير الغذاء للأطفال

إن الغذاء حجر الأساس لإستمرار الطفل بالحياة والنمو الجيد، إذا حقق الطفل امنه الغذائي تأتي المراحل الآخرى من التفكير ببنائه أخلاقيا وتعليميا. بحسب مقالة نشرت على موقع اليونيسف لعام 2017 “يواجه ما يقارب 1.4 مليون طفل خطر الموت الوشيك بسبب سوء التغذية الحاد”، كذلك ملايين الأطفال في العالم يواجهون مشاكل تتعلق بسوء التغذية والمشاكل الصحية المرافقة لسوء التغذية. هناك عدة عوامل سببت هذه المشكلة منها الفقر الشديد والحرب واللجوء وتكفل منظمات عالمية كاليونيسف والأمم المتحدة توفير الغذاء لهذه الفئة من الأطفال. الكثير من برامج الأمن الغذائي للأطفال تنفذ ضمن برامج الطوارئ لكن، العالم بحاجة لمزيد من الدعم للقضاء تماما على مجاعات الأطفال وأمهاتهم. يجب أن تكفل البشرية جمعاء الحياة الكريمة للطفل، ليس فقط  الإكتفاء بالقضاء على المجاعات هو المهم، بل أيضا من المهم كيفية توفير غذاء متكامل للطفل يحتوي على جميع العناصر الغذائية ويكون ذلك من مرحلة الحمل حيث توفير الغذاء اللازم للأم والمراحل اللاحقة لولادته كتوفير إرضاع جيد للطفل وصولا للغذاء الجيد في مرحلة  الطفولة والمراهقة.

إن تحقيق الأمن الغذائي للأطفال يتم من خلال دعم رسالات الأمن الغذائي ونشرها على منصات التواصل الإجتماعي. كما أن ربط هذه الرسائل بالنصوص الدينية السمحة  لكافة الاديان ويمكن ربطها ايضا بالعادات والتقاليد المكونة للنسيج الثقافي للمجتمع كعادات الكرم والضيافة. يضاف إلى ذلك تشجيع ثقافة العطاء الطوعي من الفئات المقتدرة ماليا تجاه الفئات الأضعف في المجتمع لضمان استمرارهم و تعزيز ثقافة توفير الغذاء وعدم إهداره.

التكافل في مجال تربية الأطفال وتعليمهم   

في نقاش مع أحدهم، كان الحديث يتجه إلى دور المعلم في التربية الصحيحة. لم أجد ما يقال عن بعض النماذج التي قامت بتدريسي على مدى إثنتا عشر عاما. لقد كان قسم من الأشخاص الذين قاموا على تدريسي يستحقون مهنة التعليم عن جدارة بينما كان القسم الأخر غير مؤهلين لعملية التدريس مطلقا، رشقات من صياح وتنمر وعنف تجتاح الاطفال. لطالما سألت نفسي: لما يؤدي المعلمون مهنة كمهنة التدريس كونهم غير قادرون على تحّملنا وتحّمل طفولتنا المشاغبة؟! مهنة التعليم مهنة تربوية قبل أن تكون مهنة مادية. هنا اتضح لي أن بعض المعلمين لا ينوون أن يكفلوا تعاملا جيدا مع الأطفال، كما لا ينوون أن يتكافلوا مع المجتمع في تربيتهم على الفضيلة والأخلاق. قد تتسأل لماذا ركزت على المعلم بالذات؟كمثال على التكافل في تربية الاطفال؟ لأنه أساس التربية بثقافته ودرايته الموسعة لمناهج التربية وتعديل السلوك، التربية لا تنفك عن التعليم وعن مهنة المعلم.

بالطبع لا نختلف على أن عملية التربية هي عملية تكاملية بين أفراد المجتمع تبدأ من البيت وتستمر إلى المدرسة وبيوت العبادة إلى مجتمع الأقارب والأصدقاء وحتى  الشارع. الجميع يؤثر على العملية التربوية للطفل بشكل أو بآخر. الطفل كالصفحة البيضاء يأخذ كل ما يقال له على محمل الصحة وإن كان خطأً، لذلك على الجميع تحمل مسؤوليتهم تجاه الأطفال من خلال تزويدهم بالقيم وبالمعلومات الصحيحة والكافية والإجابة على أسئلتهم بلا كلل أو ملل ودعم مواهبهم وطموحهم. ليست مسؤوليتنا أن نقوم بتربية أبنائنا فقط؟ أي طفل بحاجة إلى القيم الأخلاقية والتعليمية سواءً من اطفال الجيران والأقارب وأصدقاء أبنائنا. أذكر جيدا جارتنا أم نايف رحمها الله، لقد كانت تجلس أمام بيتها كل يوم وكلما أخطائنا وجهتنا. أذكرها عندما كانت تقول “عيب يا خالتو ما بصير هيك”، كبرنا الآن وعرفنا كم يلزمنا من شخصيات كشخصية خالتو أم نايف. أعتقد أن هذا  ليس تدخلا بتربية الآخرين لأبنائهم بقدر ما هو  ثقة يمنحها أبناء المجتمع لبعضهم البعض لتربية أبناء بعضهم وتخويلهم بأمان الحديث إلى أطفالهم. يتحمل المجتمع البالغ توفير بيئة تكافلية آمنة للأطفال وذلك من خلال الأمور التالية:

  • التبرع بالتمويل الكافي لإنشاء مساحات لعب وتعلم آمنة للأطفال وعدم ترك الأطفال عرضة للَعِبِ في الشارع.
  • دعم برامج التأهيل الرياضي.
  • توفير الحماية من العنف الموجه ضد الأطفال.
  • تعليم الطفل الطرق الصحيحة للتعامل مع الناس (خصوصا البالغين) بأمان ومساعدته على فهم طبيعته الجسمانية والجنسية.
  • دعم المواهب و القدرات الخاصة لدى الأطفال وتوفير البيئة المناسبة لتطويرها.
  • تعزيز ثقة الأطفال بأنفسهم وتربيتهم على إدراك ذواتهم وإمكانيتاهم الخاصة.
  • تدريب الأطفال على استخدام التكنولوجيا بشكل فعال وآمن.
  • مشاركة الأطفال المتعرضين للعنف في المجتمع بشكل يجعلهم أفرادا أكثر فاعلية.      
  •  رعاية الفئات الأضعف من أطفال المجتمع.

الأطفال الأيتام

هو من أشد الأطفال حاجة للتربية والعناية لأن مأساته بفقد أحد والديه أو كلاهمها تتعدى الجانب النفسي لتكون مأساته كيف يعيش في مجتمع لا يكفل تربيته تربية صحيحة. لذلك يمكن للمجتمع تأسيس نظام رعاية كامل وفعال لهؤلاء الأطفال يشمل على برامج الرعاية الطارئة والإسعاف النفسي الأولي الناجم عن الصدمات النفسية والعنف إن وجد. أيضا، برامج الرعاية طويلة الأمد والذي يشمل نظام الوصاية المؤسساتية أو نظام التبني للطفل المتضرر جراء اليتم وفي مجتمعنا هناك الكثير من التبرعات والجهود المبذولة للتحسين وضع اليتيم لكن، يجب الوصول إلى مرحلة أكثر صدق وأمانة في توفير العناية الفائقة لهؤلاء الأطفال.

 الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة

مع وجود كل المراكز الإختصاصية  لتأهيل الأطفال من ذوي الإحتياجات الخاصة، كان من المهم التفكير عن مخرجات هذه المراكز و مدى كونها بيئة آمنة للأطفال. بالإضافة إلى التفكير بمصدر تمويلها؛ أهو تمويل خاص؟ أم من ذوي الطفل؟ أم من مؤسسات المجتمع المدني؟ كل هذه الأسئلة تخلص بنا إلى تطوير نظام التكافل الإجتماعي فيما يتعلق بالأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة لأن هذه الفئة من الأطفال تحتاج إلى الرعاية الشديدة وتحتاج إلى جعلها جزءا فعالا في المجتمع.

تشريع وسن قوانين التكافل

العديد من الأديان فرضت التكافل على أتباعها، نرى في بعض النصوص الدينية فرض التكافل الإجتماعي على أتباعها ولم تجعله تطوعا خصوصا للفئات الأكثر ضعفا في المجتمع كالأطفال على سبيل المثال. 

تَصَدَّق مِن مالَك، ولا تُحَوِّل وجهك عن فقير؛ وحينئذٍ فوجه الرب لا يُحَوَّل عنك – سفر طوبيا 4:7

وفي سور البقرة (الآية 277):

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

تشريع التكافل قانونيا ليس جديدا ولا غريبا على البشرية إنما هو فقط بحاجة إلى التطوير ليناسب القانون المدني الجديد وبذلك يصبح التكافل ليس ضمن العرق الواحد أو الدين الواحد، بل ليكون التكافل بين الأعراق المختلفة و الأديان المختلفة في نفس المجتمع. كم يمكن أن يكون للأطفال النصيب الأكبر من هذا التشريع المقترح؟ بعيدا عن كونهم ينتمون إلى دين معين أو عرق معين، فقط معاملة الأطفال كأطفال والعناية بهم كما يعتني النحل بشرنقاته.  

  

بقلم إيمان أبومقرب

 

1 47