الدفاع عن حرية المُعتقد

الدفاع عن حرية المُعتقد

“إذا ما تعالينا عن مظاهر الإختلاف بين المعتقدات والثقافات فسنجدها جميعاً واحدة لأن الإنسانية في جوهرها واحدة وإن تنوّعت وتعددت ثقافاتها” -رادها كريشنان، فيلسوف هندي

ما المقصود بحرية المُعتقد؟

هي عادات العقل الفكرية، التي تدلّ على الصواب والخطأ، وهي حاكمة على القيم المولّدة لسلوك الإنسان وبالتالي فإن المعتقدات تؤثر بشكل مباشر ليس فقط على فكر الإنسان، وإنما على مشاعره وسلوكه.

يُعد الحق في اختيار المُعتقد من أكثر مفاهيم حقوق الإنسان تعرضاً لسوء الفهم أو الإنتقاص، ومن الجدير بالذكر أن إختيار المُعتقد حق فردي أي بأنه أتى مخاطباً الفرد بحقه في حرية الفكر والوجدان والدين الذي يتصل بكل ما يتبناه من منظومة معرفية أو إيمان ديني. أي كل ما يُعمر العقل ويُخلد الإنسان من مبادئ وأفكار. كما أن حرية المُعتقد يجب أن لا تنحاز إلى أي إتجاه ثقافي بعينه دينياً كان أوعلمانياً، فلسفياً أو واقعياً، ولا يقبل هذا الحق الفكري أي تأطير كان. وبذات الوقت أكد على حق الفرد بأن يمارس مُعتقده بشكل فردي دون أن يؤثر سلباً على من حوله.

كما نجد الكثير من المجتمعات تعيش بواقع إجتماعي يمتلك طيفاً واسعاً عريضا من التنوع الثقافي. وبدلاً من الإحتفاء بهذا التنوع بشكل إيجابي كعنصر إغناء للمجتمع الإنساني،  يذهب البعض للحفاظ على هويته من خلال رفضه للآخر فكرياً وإجتماعياً سواء كان مُعتقده ديني أو فلسفي أو أيدلوجي.

تقوم حرية المُعتقد على أساس الحرية، فمن طبيعة الإنسان أن يُولد حراً، ولا يتقبل هذا الحق بقيودِ أو بإطارفكري معين. فقد يُؤمن الإنسان بأي فكرة ومع مرور الوقت قد تتغير أو تتبلور هذه الأفكار. وبالتالي فإن كل إنسان يمتلك معتقده الخاص والقابل للتغيُّر دائماً. كما أن لكل إنسان الحق في التغييرالفكري بحكم صيرورته في الحياة، لذلك لا يمكن تجزئة هذا الحق أو سلخه عن كثير من الحقوق مثل حرية الرأي والتعبير والحرية الشخصية وحقوق الأقليات والحقوق الثقافية. كما أن المساس بحرية المعتقد يعني المساس بأغلب الحقوق التي كفِلتها المواثيق الدولية. مثلاً لوانتُقص من حرية الفكِر والمعتقد فإن ذلك سيمس الحق في التعليم حيث سيمنع الأطفال من تعلم مُعتقد معين أو تفضيل مُعتقد على آخر وسط تمييز من إتباع هذا المُعتقد مجتمعياً وأخلاقياً مما يمنع وصول مُعتقدات أخرى للمجتمع.

تُعتبر حرية المُعتقد من الحقوق المهمة والحساسة ومن الواجب صونها واحترامها الذي يُفضي إلى احترام حقوق الإنسان كما يُسهم في تنمية المجتمعات نظرًا للتنوع الثقافي، وأي محاولة للمساس بها قد ينتج إلى حدوث حالات من التناحر والتعصب وعدم الإستقرار المجتمعي، وبهذا فإن احترام حرية المعتقد هي حق وضمان لسلامة المجتمع والدولة

حق جَدلي ومُعقد…

تتصف المُعتقدات بثلاث صفات: التعميم، الحذف، والإضافة. عندما أعتقدت أنني لا أستوعب ما أقرأه وما أكتبه أيضاً، فقد جعلتني حرية المُعتقد أُعمم عدم الإستيعاب هذا النوع من الحريات على الجميع. هذه هي الإشكالية الحقيقية لمعضلة الحريات في مجتمعنا، أي غياب الوعي بحرية الإنسان الفرد، وبالوعي بهذا الوجود كقيمة مجتمعية تؤسس للوجود المشترك في سياق علاقات التفاعل مع المجتمع وليس فيما يخُص العلاقات الدينية والعرقية.

إن الحرية المؤسسة على قيمة الإنسان الفرد وكذلك على مفهوم الفرد المواطن هي السياق الأمثل لطرح مشكلة حرية المعتقد وبإعطاء هذا النوع من الحريات أهمية أكثر من  الحريات السياسية. كما أن العناصر الحقيقية القادرة على إبراز التنوع القائم في المجتمع والقدرة على ممارسة الحريات هو ضمان هذا التنوع وضبط العلاقة بين عناصره في سياقين متكاملين ضمن سياق فردي أساسه الإنسان.

إن أردنا أن نبحث في أسباب غياب الحريات فعلينا أن نبحث في أسباب غياب الوعي النوعي لمثل هذه الحريات. وبذلك يمكننا أن نربط غيّاب نوعية الحريات بثلاثة عناصر على الأقل. كطبيعة التركيبة الإجتماعية التي تلعب فيها القرابة والعصبية دوراً فاعلاً، والدور السلبي لثقافة المجتمعات التي تحتضنها، ثم المقدرة على  المواجهة مع الآخر وما نتج عنها من فقدان مطلب الحرية لمصداقيته.

كيف نكتشف المُعتقدات؟

يمكننا معرفة معتقدات أي شخص من خلال العديد من الأمور منها اللغة والتي تبدو واضحة من خلال الكلمات والعبارات المستخدمة التي توضح لنا المعتقدات، ومن خلال الفسيولوجيا فكل معتقد من المعتقدات له تعبيراته الخاصة. كالتعبير عن القبول والرضا، يختلف عن الرفض والسخط. كما جمع عمر بن الخطاب هاتين الطريقتين في عبارة بليغةٍ، يقول : «ما أضمرَ أحدٌ شيئاً إلاّ ظهرَ في فلتاتِ لِسانِهِ، وصفحاتِ وجهِهِ» والعامل الأكبر في إكتشاف المعتقدات من خلال السلوك؛ عند النظر إلى سلوك الإنسان نستطيع إدراك معتقداته، لأن هناك معتقدات يُعلنها الإنسان بوعيه، وهناك معتقدات غير معلنة إلا أنها فاعلة ومؤثّرة على سلوك الإنسان، إذا أردت أن تُدرك معتقدات شخص راقب سلوكه.

إشكالية غياب الحريات في مجتمعاتنا تأتي في محصلتها من غياب الوعي بقيمة الفرد كإنسان له حق التفكُر والاختيار، وعدم تجلي هذا النوع من التفكير بحرية المُعتقد كواقع مجتمعي فاعل حتى لدى النخبة المثقفة

إن الكفاح من أجل المُعتقد قائم منذ قرون؛ كما أدى إلى كثير من الصراعات المفجعة، وعلى الرغم من أن هذه الصراعات مازالت قائمة إلا أنه يمكن القول بأن القرن العشرين قد شهِد بعض التقدم كما تم الإقرار على بعض المبادئ المشتركة الخاصة بحرية الفكِر والمُعتقد. اعترفت الأمم المتحدة بأهمية حرية الديانة أو المعتقد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعتُمد عام 1948، حيث نصت المادة 18 منه على أن:

“لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره”، وقد تلى إعتماد هذا الإعلان محاولات عدة لوضع إتفاقية خاصة بالحق في حرية الدين والمعتقد إلا أن كافة تلك المحاولات قد باءت بالفشل.

أسيل مطالقة

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 128