الرمز الأزرق

الرمز الأزرق

ترعرعت وأنا أسمع القصص التي تسرد يوميا في القهوة عن الأبطال والجبابرة الأنبياء والحكم والأقوال. وعندما كنت أنا وأخي سليمان نعود إلى البيت، كنا نعيد تمثيل ما سمعناه ونبدأ بالضحك. كانت أمي تنتظرنا في البيت لحين أن نأتي لكي نروي لها ما سمعناه، كنت دائما أسأل أبي ما إذا كان بالإمكان أن تذهب أمي معنا إلى القهوة لسماع القصص التي تروى، فكان رد أبي دائما الضحك، حتى أمي كانت تشاركه الضحك وتقول لي: إني مستمتعة بما تروي لي كل مساء. ألا تحب أن تروي لي القصص؟ كنت أهز رأسي وأنا أعرف في داخلي لم أفهم ولن أفهم أبدا هذا المنطق.  

أتذكر حينما أتت ناقلات هذه المنظمة ذات الشعار الأزرق، هذا اللون الذي أصبح رمزا يمثل كل من عاش في المخيم، في ذلك اليوم كان كل من في المخيم يحتفل دون أن يعلم ما إن كان هذا الشيء جيدا ام لا! لكنني تيقنت أن كل من يعيش في هذه البقعة قد واجه الأسوء، لذلك لم يعد أحد يهتم بما سيحصل بعد الأن.

بدأ المكان يتغير، البيوت تحولت من حديد وطين إلى طوب وحجر، لكننا حافظنا على الزينكو، تم بناء المدارس بطريقة أفضل، تم تطوير طريقة توزيع الدواء، فرحت جدا، ولأنني كبرت وأنا أرى أبي يحاول دائما خلق فرص عمل لنفسه لكي يستطيع جلب ما نريد.

لحين أن وجد عمل كعامل نظافة يتخصص بتنضيف البنية التحتية (المجاري). أرى أمي كل يوم  تركض ورائه لتعطيه البيض المسلوق مع زيت الزيتون ليتناول فطوره قبل الذهاب إلى العمل، كان أخي الصغير دائما ما يساعده في عمله قبل ذهابه إلى المدرسة كل صباح. كنت فخورا جدا بأخي صالح. كان هو مثالي الأعلى في الذكاء، كنت أحبه جدا.

كنا نشاهد الأفلام القديمة في القهوة التي تقع في الجانب الأيمن من المخيم، وفي الساعة الخامسة  نقوم بحمل التلفاز ومشغل الفيديو الى الجهة اليسرى من المخيم لكي نكمل مشاهدة الفيلم، مع أصوات الناس تقول: “الله يسامحه أبو السعيد، هسا جاي يطفي الكهربا”!.

أغلب وقتنا نمضيه في بيوت ليست بيوتنا نسمع القصص التي تروى عن أراضينا وحقولنا، أهلنا وأقاربنا. الحكم والأمثال التي كانت تعاد على مسامعنا ونحن صغار. الطعام الذي كنا نتشاركه، لن أنسى كل هذا. هؤلاء هم أهلي وناسي.

أنهيت مرحلة الدبلوم لأنني لم أنجح في التوجيهي في ذلك الوقت،  واخترت أن أكون حدادا، عفوا لم أختر، بل لم أجد شيئا افضل من ذلك.  توقفت عن العمل كحداد، وبدأت بالبحث عن مكان يوفر لي راتب ثابت القيمة لكي أستطيع مساعدة عائلتي ولاتمكن من توفير الباقي. بدأت العمل في الجامعة كمراسل، أقوم بتوصيل الأوراق والقهوة وما إلى ذلك لكنني واكبت على البحث عن عمل آخر،  ومن هناك وجدت عمل أفضل في شركة للتبغ. كنت ألبس قميصي وأحلق يوميا لأخرج بأبهى حلة. وكنت أحب أن أتباهى أمام الناس بعملي ومكانتي، كنت فرحا جدا بما أنا عليه. أبي كان فقيرا وأنا ولدت فقيرا، وكنت أعرف أنني سأموت فقيرا أيضا. فلماذا لا أفعل ما أريد! حتى لو كان بسيطا. كنت أنفق راتبي على بيتي وأخوتي وخاصة أخي صالح لأنه قرر أن يصبح محاسبا فذهب إلى الكلية. كنت أعتني به جدا لدرجة أنني كنت أنفق ستون بالمئة من راتبي عليه، وها هو يتخرج ويحرز التقدم على كل طلاب دفعته. كنت فخورا جدا به، كم تمنيت أن يكون أبي موجودا، فقد كان ليبكي من الفرح.

بعد أن تزوجت ورزقت بخمسة أطفال أصغرهم هي إبنتي سماح التي طالما سألت الله أن أرزق بها. وكان أكبرهم  إبني محمد، أكبرهم واذكاهم، يرافقني أينما ذهبت، كان يراني ويرى طريقة معاملتي للناس الذين أقابلهم، فقد كنت أغادر عملي في شركة التبغ لأبدأ ببيع القهوة على الطريق العام. كان يساعدني في البيع ويراني كيف كنت أبتسم للزبائن وأعرض عليهم الماء المجاني مع القهوة، حتى أنه بدأ بتقليدي.

فتعمدت دائما أن أعامل الناس بلطف حتى وإن تعمدو إستفزازي. لقد كانت تربيته صعبة جدا، فقد كان يسأل عن كل شيء حتى أن أخي صالح بدأ بمساعدتي بتربيتهم، لقد كنت بسيطا لا يهمني ما أحصل عليه من مال، بل كان ما يهمني رضاي عن نفسي. وهذا ما علمته لأولادي.

أرى أبنائي يكبرون أمامي وكأن الوقت يمضي بسرعة كبيرة كسرعة اشتعال جبل من القش في حين غفلة، فكنت أستثمر كل لحظة من حياتي لأجلس وأتكلم معهم عندما أنتهي من ساعات عملي.

كنت أجلس معهم  وأقول لهم ماذا كان حصل لو فعلت ذلك أو ذاك، وأشرح لهم أهمية إتخاذ القرار والإختيار، لكنني كنت متأكد أنني أقول ذلك لكي أملأ الفراغ الذي في داخلي، لأنني لم أختر ما أنا عليه الآن، وكانت لدي الفرصة لكي أعدل ما أنا عليه الآن لكنني لم أفعل.

كنت أعيش كل يوم كأنه أخر يوم لي، وإلى الأن لم أعرف اذا كان هذا قرار صحيح أم لا!

اليوم هو أخر يوم لي في هذه الحياة، أحس أنني خاوي من الداخل، كجذع شجرة تحتوي فقط على الهواء،  لا أستطيع الحراك، لكنني لا أستطيع قول ذلك، فنحن لا نملك المال للمستشفى، ولا أريد أن أحمل عائلتي كل هذه الأعباء.

أنظر إليهم يأكلون مع بعضهم البعض، يأكلون مرتين في اليوم لكي يوفرو بمصروف الطعام، ما زلنا نعيش في هذا المخيم، الذي كان وما زال، حديدي،  خاوي مليء بالصدأ، وإن تم تغييره وإعادة بناءه من الحجر، ما زلت أسمع صوت الزينكو عندما تمطر.

أجلس في الخارج لأرى الناس تمشي لا تملك أي سبب للحياة، مقنعين أنفسهم أنهم مظلومين وأنهم مستضعفين من العالم الخارجي أو بما نسميهم اهالي المدن. لكنني أعرف ما هو السبب، أجل،  لأننا لم نقوم بإختيار ما نريد.

لقد إكتشفت أنني كنت أمشي كل يوم على نفس الطريق، أقابل نفس الناس، أناقشهم  في نفس المواضيع، أتكلم مع نفس الناس على الهاتف. اكتشفت أنني لم أخرج أبدا من هذه الغرفة الحديدية التي حصلنا عليها عندما أتينا إلى هذا المخيم، لكنني الأن لا أستطيع تغيير ذلك و الخروج.

لذلك كنت دائما أريد إعطاء أبنائي الشجاعة لكي يفعلوا ما يشاؤون. حاولت الصمود أكثر لكني لم استطيع، بدأت افقد شعوري بفمي وأطرافي، وأنا أبتسم لإبني محمد وهو يقول لي: مالك يابا؟

قلت له أنني على ما يرام وأنني الأن سأنام. فقد كانت الساعة الثانية عشرا وهذا موعد عمل محمد الليلي.  فهو يعمل في مكانين مختلفين لكي يستطيع تأمين احتياجات الكل.

خرج محمد إلى العمل، وكان ذلك كخروج المسمار الذي كان يجمع اطراف جسدي مع بعضهم البعض، فلقد بدأت أحس أنني أتأكل في داخلي، لكنني لم أهمس بكلمة واحدة، ارى زوجتي وأولادي يقومون بطريقة غريبة لكنني لا أفهم لماذا! بعد دقائق أتى أخي صالح لكنني كنت أغمض عين واحدة، والأخرى ترى أخي وهو يحملني إلى الخارج، أخذتني سيارة الإسعاف، لكنني وصلت جثة هامدة لا يوجد بها روح.

رأيت أولادي يقفون صفا بجانبي في المسجد يبكون علي. محمد كان كجندي شجاع  يواجه مصيره دون أي خوف. لكن عندما وضعوني في القبر، تحركت شفتيه، وبدأ بذرف دموع كانت ملونة، ومليئة بالحزن.

كنت متأكدا أن نهايتي ستكون هكذا، لكنني لم أكن أعلم أنه كان بإمكاني تغيير كل شيء من خلال قرار واحد!

سألني ولدي: لماذا لم تكمل تعليمك وتسافر على سبيل المثال؟ لم أكن أعرف ماذا علي أن أقول له حينها، هل ساقول له أنني كنت أتبع القطيع؟ أم أنني لم أفكر حينها بأي شيء غير أنني واكبت على تفقدي الرزنامة لأعرف متى سوف أحصل على أجري في آخر الشهر؟

لا أذكر أنني حظيت ببعض الوقت لأفكر مع نفسي وأخطط لمستقبلي! فقد كنت أتبع قول: الي مكتوب بصير… لكنني نسيت أنني من أحدد ما أريد!

فلا  أريد من الله غير أن من بعدي سيحظون  بما لم أحظى به.

فأنا لا أذكر أنني في يوم من الأيام فكرت بما أملك من مبادئ! فقد كانت أعظم مبادئ  من قدم إلى هذا المخيم غير الذي غصب على اللجوء، هو تذوق السردين.

الجوكر (محمد السراديح)

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

2 141