السكوت ليس علامةً للرضا

السكوت ليس علامةً للرضا

أول ما يتبادر إلى الأذهان عند سماع هذا المصطلح “الأغلبية الصامتة” يتم ربطه مباشرة في السياسة وهو مصطلح يطلق على الأغلبية التي تشاهد بصمت سواء عن طريق الإعلام التقليدي والممثلة في شاشات التلفاز بشكل صامت والتقاعس دون الحراك أو حتى التفكير  بالمشاركة في الأحداث التي تدور حولنا  بسلبية تامة. مع الأخذ بعين الإعتبار أن هذا المصطلح جديد الإستحداث وأول من استخدمه هو الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون في خطابه بتاريخ الثالث من نوفمبر عام 1969 مدعياً أن الشعب الأمريكي يؤيد حربه العدوانية على فيتنام ثم تبين أن هذه الأغلبية تقف ضده عند ازدياد عدد القتلى من الجنود في كل لحظة كان يعود فيها القتلى من جنوده إلى حين تمردت هذه الأغلبية. لكن، ماهو عدد الأغلبية الصامتة؟ ولماذا يتم الإهتمام بصمتهم وكم عدد البقية الغير صامتة؟  لماذا يتم الإهتمام في صمتهم؟

يطلق أيضاً على هذا المصطلح “المشاهدة عن الكنبة” في عالم الإعلام التقليدي وهو مصطلح قاسٍ جداً  أي هم الأشخاص المستهلكين المستقبلين فقط للمعلومة دون التعب أو المشاركة بها. بالنسبة لعالم التواصل الإجتماعي هذه الكنبة أوسع واكبر ويقع اللوم على مستخدمها بشكل اكبر بسبب توفير جميع السبل للمشاركة الفعالة ولمختلف الفئات العمرية والفكرية وبشتى المواضيع سواء كانت السياسة أو حتى الإجتماعية تدوي هنا وهناك على وسائل التواصل الاجتماعي. الأن وبعد الثورة التكنولوجية وسهولة التواصل والتعليق على أحداث العالم سواء كانت الإجتماعية والسياسية أي أنها لا تقتصر على السياسة فقط. هذا المصطلح تم استخدامه أول مرة سياسياً ويوجد عليه العديد من الأمثلة، على سبيل المثال الكثير من الشعوب ثلث الناخبين منهم من الطبقة الفقيرة والكادحة ولا يشاركون بسبب فقدانهم الأمل في المقدرة على فرض أي تغيير لمصلحتهم أو الإطمئنان العجيب بأن الأمور سيتم حلها دون تدخلهم  وتوكيل بقية الأفراد للتصدي لها رغم أن القضية تخصهم بشكل مباشر. يوجد العديد من الإحصائيات أنه عند تعرض هذه الغالبية إلى أزمات وطنية تزداد نسبة المشاركة أما البقية تبقى في قوقعتها ولا تكترث إلا إذا دعيت للمشاركة أو تعاظمت هذه الأخطار عليها.   

لنتفق الأن على أن هذه الفئة تحمل في شخصيتها وتركيبتها السلبية ليس فقط سياسياً بحيث أن هذه الأغلبية صامتة وحتى في القضايا الإجتماعية تقل مشاركتها. هم موجودين في حياة كل منا سواء صديق أو قريب أو زميل تنحى جانباً عن المشاركة مع الأشخاص الآخرين أو تعرض للإقصاء سابقاً مما دفعه إلى عدم المشاركة. ومع تكرر هذه الصمت أدى إلى هذا التغير في تركيبتها مع علمهم أن هذا الصمت يؤثر بشكل خطير ومباشر عليهم كما تم الطرح في الأمثلة السابقة تم التقرير باسمهم بأنهم يريدون الخوض في الحرب كما فعل ريتشارد نيكسون وهو قرار يؤثر عليهم بشكل مباشر لم يعارضوه إلى حين شعورهم بالخطر المباشر أي عند وصول السكين إلى عنقهم. بينما في المثال الآخر لم يشاركوا في الإنتخابات لاختيار ممثل لهم الذي سيحدد شكل بلادهم وطريقة معيشتهم خلال دورته التي تستمر للعديد من الأعوام بل أن كثيرا من الأشخاص لا يكترثون لمن سيحكمهم طالما انه لا يمس وضعهم المعيشي.

 الأن في العالم الرقمي ومع سهولة انتشار الأحداث والمعلومات تم رفع مستوى الآمال من الإستفادة من الحد الفعال لوسائل التواصل الإجتماعي بالمشاركة الفعالة على الأحداث الهائلة التي تعرضها وسائل التواصل الإجتماعي على مختلف الأصعدة سواء السياسية أو الإجتماعية أو الترفيهية والكثير من المواضيع وتقليل ظاهرة الأغلبية الصامتة بما تحملها من سلبية وقلة في التنوع الفكري واثراء الحلول المتاحة. يوجد لدينا العديد من الأمثلة على كيفية استفادة الشعوب منها فجميعنا نعلم أحداث الربيع العربي التي بدأت من خلال وسائل التواصل الإجتماعي لحل مشاكل وقضايا الشعب. على سبيل المثال،  في أحداث يناير من عام 2011 حيث كان هنالك نسبة كبيرة من الأغلبية الصامتة التي دعيت للمشاركة بها بسبب سهولة الوسيلة في ايصال صوت الشعب واتخاذ القرار بل كانوا جزءا من القرار وبدأت ثورتهم من خلال وسائل التواصل الإجتماعي. لم يكن لهم عذراً في عدم المشاركة والتنسيق للأحداث حيث تم ازالة حاجز الوصول إلى الاشخاص الآخرين من نفس القضية وطرح كل شخص لفكرته ثم تم القرار وكانوا جزءًا منه. وسائل التواصل الإجتماعي تتيح لك التسهيلات أي هي منصة لإيصال مهاراتك وصوتك لكن التغيير يجب أن يكون من داخل الأشخاص بأن يصنعوا القرار.

كأي مشكلة يجب معرفة المشكلة وأسبابها ثم طرح حلول لها والمشكلة هنا واضحة ليست مع الأغلبية بحد ذاتها الممثلة بشخوصها لكن بعواقبها وهي صمتك، يعني التحول لأداة يستعملها شخص آخر للتحدث باسمك وتبرير أفعاله بصمتك عنها. من أسباب هذه المشكلة قلة الوعي عن الموضوع المطروح  للأفراد والتضليل الإعلامي لها من حيث المعلومات والمعرفة عن الموضع وافتقار أساليب الحوار والنقاش من حيث الطريقة والمبدأ. احترام رأي الآخر من أحد أهم الأسباب لهذه الظاهرة بحيث أن الكثير من الأشخاص على مواقع التواصل الإجتماعي يخشون الجدال على المنصات الإجتماعية بسبب انتشار خطابات الكراهية وسوء الحوار عليها. أيضا، الخوف من المشاركة والانخراط مع المجتمع الإلكتروني بشكل عام لأسباب متعدة منها الخجل من المشاركة أو الخوف أو لأسباب شخصية والكثير من الأسباب الآخرى القاهرة مثل الأمية الرقمية وعدم القدرة على مواكبة التطور في منصات الحوار المتاحة في عصرنا الحالي.

للتقليل هذه الظاهرة يجب زيادة المحاضرات التوعوية عن أساليب الحوار والخطابة للأفراد وكسر حاجز الخوف من المشاركة الفعالة على أحداث العالم التي تخص كل فرد ضمن المجتمع وتعزيز مفهوم أنه لا يوجد فكرة او سؤال خاطئ وأي سؤال يستحق النقاش والتحاور به وتوفير محتوى تعليمي يثري المعلومات للأفراد لتصبح المشاركة فعالة. أيضا، توفير دورات تعليمية عن كيفية استخدام مواقع التواصل الإجتماعي وتخصيص وقت من استخدامها في المشاركة والتعليق على القضايا الإجتماعية ليس فقط الترفيه والاستخدام الشخصي ، التربية والعمل على شخصية الشباب في كيفية اتخاذ القرار والعمل كجزء فعال في المجتمع من المراحل المبكرة حتى يتحمل المسؤولية سواء في المشاركة في الإنتخابات المدرسية أو الجامعية، أبسط القرارات منذ الطفولة فأطفال اليوم هم مجتمع المستقبل الذين يجب أن يتربوا ويتعلموا على المسؤولية المجتمعية وعلى المشاركة والحوار الفعال وعلى عدم الخوف من مشاركة الرأي والحديث في جميع القضايا.

 

أحمدالفحل 

0 934