السلام الإيجابي محاولة فهم النموذج وتتبع أصله

السلام الإيجابي محاولة فهم النموذج وتتبع أصله

السلام، هذا المصطلح الذي نبني عليه جميع الحلول لكل مشاكل العالم، المفتاح السحري الذي لو حصلنا عليه لتببدت الحروب وانتهت النزاعات ولتحولت القنابل إلى أجراس الورد والرشاشات إلى سواقي مياه والرصاصات إلى بذور ورود النرجس و الدحنون، لتحولت الخوذ إلى كهوف للعصافير ومنازل للضفادع. آه لو يعم السلام، آه لو تختفي التمويلات الحربية ليحل محلها تمويل التعليم أو تمويل الغذاء لأطفال المدارس أو تمويل مراكز أكثر لأطفال الإحتياجات الخاصة ومصابي التوحد. كل تلك الأحلام التي أتمنى أن تصبح يوما حقيقة، تدور حول مفهوم واحد كلمة( السلام).

سوف أبدأ بتعريف كلمة سلام، فهي من الجذر سَلَمَ من سلّم وصلُح وأَمِنَ، وتعني التوافق والراحة والاستقرار الذي يعم المجتمع بأكمله من أفراد وعائلات ومدارس وجامعات ومراكز  ومؤسسات ومنظمات وأحزاب  وحكومات ونظام الحكم. ولكن الآن دعوني أتخصص في موضوع السلام إلى الحديث عن السلام الإيجابي تحديداً. 

السلام الإيجابي: هو الخروج عن الصورة النمطية السائدة المتعارف عليها والتي تقوم على أن السلام هو فقط السيطرة على الحروب والمشاكل العالمية والدولية واختفاء الصراعات والنزاعات، ولكن السلام الإيجابي يكون من خلال ايجاد سلوك ايجابي ونشاط مفيد من شأنه أن يساعد على تقوية النسيج البنيوي في المجتمع وتعزيز أواصر الاحترام والمحبة فيه وتوثيق أسس التجانس المجتمعي وتقوية عواميد العلم والديموقراطية في أساسات المجتمع، والمساعدة على محو أشكال المحسوبية والغش والفساد بمختلف أشكاله.

ليتكون لدينا فهم أفضل وأشمل عن مفاهيم السلام علينا التعرف على مفاهيم ثلاثة تستخدم في مجال السلام وهي:

أولاً: مفهوم صناعة السلام: حيث تقوم صناعة السلام على التفاوض مع عدة أطراف ليتمكنوا من الوصول إلى اتفاق معين يتقاطع مع مصالح كل طرف من أطراف معادلة ما.
ثانياً: مفهوم حفظ السلام: والمقصود به هو الإحالة دون وقوع أي خلاف أو نزاع بين أي طرف من الأطراف المشتركة في قضية ما أو المتنازعة على عنصر ما.
ثالثاً: مفهوم بناء السلام: ويكون ذلك من خلال إعداد المجتمع وتحضيره لفهم وممارسة ثقافة السلام ويكون ذلك شاملاً للمنظومة التربوية والتعليمية وتمكين المرأة وتوثيق حقوق الإنسان ودعمها، كما يكون من خلال الدعم للإقتصاد والمشاريع الصغيره في المجتمع، ودعم الإقتصاد الوطني والمشاركة في المناسبات الديموقراطية و تعزيز مبادئ التعددية والبدائلية والقبول المتبادل والإحترام المتبادل بين أفراد المجتمع.

لكن كيف تطور مفهوم السلام الإيجابي؟

بدأ مفهوم السلام الإيجابي بعدة مراحل تطورية حتى أصبح لدينا هذا المصطلح الجديد نوعاً ما.

  • المرحلة الأولى لتطور مفهوم السلام الإيجابي: بداية كان مفهوم  السلام يقتصر على إخماد الحروب والنزاعات ودرء جميع أشكال ومظاهر العنف سواء كانت داخلية (داخل المجتمع) أو خارجية (بين الدول أو مع العالم) وتبقى المرحلة الأولى تمثل السلام السلبي وهو الصورة النمطية التي تنتشر في أذهان الكثيرين لغاية هذه اللحظة.
  • المرحلة الثانية: وفي هذه المرحلة أصبح التركيز على المعادلة بين مواطن القُوى في المنظومة الدولية ويكون ذلك من خلال العلاقات لكيان عسكري له ثقله وسيط بين دولتين أو أكثر.
  • المرحلة الثالثة: في هذه المرحله كان هناك تبني لمنهجين معاً السلام الايجابي الذي يقوم على بناء وتبني أسس الديموقراطية والنمو المجتمعي والتطور والتغيير إلى الأفضل، ودمج معه منهج السلام السلبي الذي يقوم على بذل الجهود لوقف النزاعات والصراعات القائمة.
  • المرحلة الرابعة: وهي مرحلة متطورة نوعاً ما حيث تقوم على أساس ضمان السلام في إطار العلاقات الإجتماعية، حيث تقوم هذه المرحله بصب تركيزها على قضايا المرأه والطفل حيث يشكل العنف ضد المرأة مزعزع  ومثبط لعملية السلام.
  • المرحلة الخامسة: تعتبر هذه المرحلة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ تكور مصطلح السلام الإيجابي، فتكون العلاقة تربط بين البيئة وأفراد المجتمع  وما ستؤول إليه البيئة في ظل الإهمال المتواصل لها وتأثير ذلك على الأفراد.
  • المرحلة السادسة: وتتعلق المرحلة الأخيرة بمراحل تطور السلام في علاقة السلام الداخلي للإنسان والسلام العام والشامل.

نستنج أن الإنسان هو بالنهاية العنصر الأهم والذي تصب جميع التطورات في سبيل ضمان صحته النفسية والاستقرار النفسي والفكري والعاطفي لدى أفراد المجتمع، من خلال البناء السليم للأفراد الذي يبدأ في الأسرة وينتهي بالسلم العام الذي يكون من خلال ضمان حقوق الأفراد في المؤسسات المجتمعية كافة وحفظ كرامته.

فهم ثقافة السلام

لقد تم التوثيق بين كلمة ثقافة وكلمة سلام لأول مرة خلال الخطاب الدولي ليغدو مفهوم ثابت وموجود في أهم مطلحات ومفردات السلام، وخلال ذلك ضمن مفهوم ثقافة السلام في منظمة اليونسكو من عام 1996 وحتى عام 2001 خلال ذلك شمل مجموعة من الفعاليات والنشاطات بين الدول في مجالي التعليم والمجال الثقافي. تتنوع وجهات النظر للمحللين والمنظرين حول مفهوم السلام وثقافة السلام؛ فمنهم من ناقش المفهوم على الصعيد الدولي، فتكون بهذه الحالة على شكل حوار الثقافات والإنتاج الحضاري عبر مر السنين على تاريخ الدول. على الجانب الآخر أخذ المحللون والمنظرون جانب آخر وهو الجانب الفكري الثقافي الحقوقي، حيث بدأ الباحثون يأخذون المفهوم نحو الجانب الفكري والجانب المعني بمحو الأمية والتحفيز على طلب العلم وتعزيز مفهوم التآلف المجتمعي وتبني مفاهيم التربية الحديثة كل ذلك مع الأخذ بعين الإعتبار المعوقات والمصاعب التي تضعها العولمة وتفرضها على نمط الحياة بشكل وتأثير ذلك على ثقافة السلام. كما تم الأخذ بعين الإعتبار طريقة التناقل السريعة والإنتشار الهائل لعناصر أي ثقافة أو إنتاجها الفكري بسرعة كبيرة.

كيف تؤثر العولمة على ثقافة السلام؟

من أكثر المواضيع حساسية هو تأثير العولمة على مصطلح ثقافة السلام بشكل عام، حيث أن مع انتشار وتناقل المعلومات الثقافية عن الشعوب والثقافات بشكل سريع جداً وبشكل غني جداً، بدأت التطورات الثقافية على الثقافات الخاصة بالشعوب والمجتمعات يطرأ عليها (تحديث) بشكل أو بآخر. كل يوم مثلاً تحديث لوصفة شعبية ما، تغيير من كلمات أغنية تراثية ما، التغيير على وصفة طبية قديمة، التعديل على الزي الشعبي لجماعة أو أقلية ما، هنا على سبيل المثال لو تعمقنا في مثال التغيير على الأغنية التراثية القديمة، سينتشر الإصدار الجديد كانتشار النار في الهشيم في عقول وألسنة الجيل الجديد وربما لن يعرفوا وعلى الأغلب أنهم لن يتكبدوا عناء البحث عن أصول وتاريخ الأغنية الأصلية. أيضا، تناقل وصفة تراثية ما مثل الفلافل أو الحمص بين ثقافة عربية وثقافة أخرى تدَّعي بأنها أطباق تخص المحتوى التراثي والسياحي لديهم، إنها العولمة، أين آخر مصدر للحقيقة، ومتى سنتوقف عن البحث، هذا هو السؤال، ولكن كل يوم هناك تحديث ما، لذا علينا حفظ السلام بحفظ ثقافة السلام والموروث الثقافي لكل مجتمع وحضارة مهما كان صغير بشكل علمي وموثق وبدعم من الحكومات والقطاع السياحي المعني في كل حكومة.

إذن وكما يتفق الباحثين والأغلبية من المتعمقين والمهتمين في أدبيات السلام و الدوبلوماسيين والمفكريين، أنه يمكننا أن ندعم التسامح في المجتمعات ونعزز التماسك والتوحد بين كل المجتمعات على اختلافها لتصبح مجتمعات متجانسة ومتسامحة بداية من الأسرة ثم احترام الوطن والجماعات المختلفة التي تشاركنا العيش في المساحة الجغرافية التي نعيش فيها، ثم احترام الأديان واحترام القوانين، للحفاظ على حالة تناسق وانسجام مجتمعي يرفرف في سماها جناح السلام. 

روان العمد

0 102