العالم الوهمي

العالم الوهمي

لعلنا دائما نسعى دائما لطلب المعرفة ونريد المزيد والمزيد من المعرفة والخبرات، ولكن يجب أن نفهم مهما وصلنا الى تطور متقدم من العلم والمعرفة والتكنولوجيا سوف نبقى دائما محاطين بالغموض والضياع. وحتى إذا وصلنا إلى نقطة نعتقد فيها أننا فهمنا تماما كل شىء مثل أن تعرف من أنت!، ومن أين جئت!، بالتأكيد تكون قد فشلت، لا يجب ومن الخطأ أيضا التعجل في حل المسائل العالقة في ذهنك وعقلك وفي قلبك. لا تكترث بالتناقضات بل ثق تماما بها، لا تلغى أو تميز قوة أخرى عن غيرها لاعطاء السيادة والهيمنة لقوة أخرى، فـالتناقضات فعليا هي الحقيقة وهي الواقع بكل ما لديها من تنوع فكلما كنت مخلصا للتناقضات كل ما كنت منفتح على ما يجب عليك معرفته.

ربما كلمة تناقضات ترد في ذهنك وعقلك لثوان، لساعات، وحتى أيام وتدخل في دوامة لا بداية لها ولا نهاية. وتحاول عصر مخك لإيجاد حل لهذه التناقضات، ربما تنكر الكثير من التناقضات ويأتى شخص ما ليعيد زعزعتها ويعيد السؤال من جديد حول كل هذه التناقضات العالقة في ذهنك، لكن دائما تذكر بأنك ليس الوحيد الذي يعيش في دوامة التناقضات.

ربما سبق وأن تساءلت عن مجموعة من الأفكار المتناقضة التي تأتي إلى ذهنك دون سابق إنذار والتى تراودك في اليوم الواحد؟ كم مرة تناقضت أفكارك مع أفعالك؟ كم مرة تناقضت مشاعرك مع معتقداتك فيغلب أحدهما على الآخر؟ كلنا لدينا مجموعة كبيرة من التناقضات التي في الغالب تكون متشابه ومختلفه أحيانا. نحن البشر مصنوعون من التناقضات اللانهائية، نعيش في ذات متناقضة، أحيانا نعيشها بسلام وأحيانا بألم. لكن جميع هذه الاسئلة والشكوك والتناقضات الموجودة لديك، يوما ما سوف تصبح مجرد معرفة وخبرة، لذلك اسأل عن كل شيء لماذا هذا قبيح أو جميل. لماذا هناك ليل ونهار، وذكر وأنثى… واطلب البرهان في كل شيء وحاول اختيارة، من الممكن أن تجده محرج أو محير، أو مستعصي وصعب الإجابه عليه لكن لا تتنازل وأصر على الحجج التي لديك.

سوف تكتشف بأن كل ما قمت بتفكيكه أو نسفه، هو الآن صالح ويعمل لصالحك وسوف تتعرف على ما هي الطريقة الصحيحة والفعالة للحصول على أجوبة، لأنه من المستحيل ومن الصعب أيضا الوصول الى أجوبة مطلقة وصحيحة 100% عند هذا السؤال أو ذاك السؤال. لذلك إذا أردت أن تعرف عن أمور الطبيعة مثل الروح والعقل والجسد والأحلام الالم والمتعه والوعى والضمير والهواء الذي نتنفسه، وعن جميع إحتياجاتنا و غرائزنا والجنس والموت وما بعد الموت، عندما تحاول وتسأل عن جميع هذه الأمور  بنية صادقة وبروح وعزيمة قوية فلن تكتشف فقط أنك تحررت من الأوهام والقناعات الزائفة بل سوف تتغير تركيبة عقلك وتفكيرك. بل سوف تتحرر وتكتشف أنك لست بحاجة إلى معتقدات ونظريات ومعلومات جديدة بل لعقل جديد كليا. تذوق ما تملكة من يقين صادق وهو بوابة الحرية الحقيقية ولا أقصد هنا فقط أن تتذوق طعم الحرية بل ولو للحظة ستكون أنت الحرية نفسها، عندما تفكر بجميع هذه الأسئله وبهذه الطريقة فإنها بداية الحصول على جميع الأجوبة وتصبح أنت الجواب نفسه.

لكننا نحن البشر لا نعيش بسلام مع هذه التناقضات ربما بسبب قدرتنا على فصل الأمور عن بعضها البعض بكل بسهوله، عندما تخرج  الأفكار والعواطف المتناقضة من صندوقها سنكون بخير، ونحاول إيجاد حجج أو مسوغات لتهدئه التنافر المعرفي الحاصل. مثلا عندما أقول لصديقي والذي يحب البيئة ويدافع عنها بكل محافله بأن التدخين مضر بالبيئة ويكون رده “أنا أعلم يا أحمد، لكنني أدخن سيجارة ملفوفه” كما لو كانت السيجارة الملفوفة أقل ضررا وسمية من تلك السيجارة المصنعة.

من الطبيعي أن نجد كل هذه التناقضات في حياتنا، وهي ظاهرة في المعتقدات القوية مثل الإيمان والأخلاق، ولكن من الطبيعي أيضا بين كل هذه الاسئله والتناقضات أن نجد سؤالا مهما وأكثرها مركزية هو سؤال من أنا!، ربما الإجابة على هذا السؤال معقدة بعض الشىء، ولكن الإجابة على هذا السؤال هي موازية للسؤال نفسه وتحتاج منا الكثير من البحث الصادق والمجرد وإلى كل شىء.

نحتاج أن نكون صادقين لكي يلهمك إلى إكتشاف طبيعتك الحقيقية وهيئتك وربما حتى أبعد من تفكيرك. لقد قيل لنا عبر المجتمع والثقافة بأن لك شخصية ذاتيه مستقله ولكنها ليست إلا مجرد قناع، يقول كال يونك “بأن هذه الشخصية غير حقيقية وهي مجرد تسوية بين الفرد والمجتمع حول ما يجب أن يكون عليه الشخص، هي فقط مظهر خارجي،واقع ثنائي الأبعاد لهذا العالم”. كلنا جئنا لهذا العالم بدون وعي، والشخص الذي يكبر وينشأ في هذا العالم هو عبارة قناع إلبس له فوق الوعي الخاص به، هناك العديد من الجوانب انت واعي بها ولكن اللاوعي والتوصيلات القديمة في الدماغ والمعتقدات القوية ومخاوفنا الوجودية هي التى تقود المركبة التى نحن فيها الأن. مثل علاقتنا وأسلوب حياتنا  والتخطيط للمستقبل.

الفرد المتيقن والواعي والمستيقظ لهذه المسأله، وعيه فقط يمكن أن يضيئ له الطريق ولكن هذا لا يعني أنه عرف الطريق بل أصبح لديه القدرة على أن يرى النور من خلف القناع ويتحسس أولى خطواته نحو الطريق لأنه أصبح من الصعب عليه خلع القناع الذي نشأ معه. ربما إدراك بأنك مرتدي لهذا القناع لا يعني نهاية العالم وهناك أشياء كثيرة يمكنك أن تحققها لنفسك، ويصبح لديك القدرة على الإجابة على سؤال “من أنا؟!” حاول أن تتقبل أفكارك ومشاعرك بعدها ستتعرف على ماذا يحدث في هذا الكيان وما هي المشكلة، سوف تتعرف على من وماالذي يسيطر على عقلك في داخل ذهنك. هم التواقين للمال والسلطة والجنس والحميمية والنفوذ الإجتماعي التي لا تعد ولا تحصى ولا يمكن حتى إشباعها. ننفق جميع وقتنا وطاقتنا نزين السجن الخاص بنا والذي نعيش بداخله، ونقوم دائما على تطويره، مثل الشخص الذي يحاول أن يغير صورته في المرآه من خلال التلاعب بالإنعكاس وللأسف كل هذا وهم. الأصل بالفرد أن يغير من الصورة الأصلية للإنعكاس وهذا يحدث فقط عندما نراقب ذاتنا المكيفة وسعيها اللانهائي ونحاول أن نتخلص منها.    

فالشخص الذي ينظر إلى الخارج يحلم، و الشخص الذي ينظر إلى الداخل يصحو ويستيقظ، الكثير منا يعتقد بأنه حر وواعي ومتيقط لكل ما يحصل وهذا غير صحيح. يجب أن تختبر هذا أولا دون أن تكذب وتسأل نفسك هل أنت قادر على تغيير نموذج حياتك الآلي والمتكرر والروتين في حياتك. هل أنت فعلا قادر عن التوقف عن المتعة واللذه والجنس والمكانة الإجتماعية و إدمانك على كل شىء؟، هل تحكم على الناس وتلوم الآخرين وتنتقذهم في كل شيء؟ وما هي ردة فعلك عندما تسمع رأي الناس عنك؟ عندما تتعمق في كل هذه الأسئله وتدرك أن جوهرك الأصلي مستعبد ومحدد ومعرف فقط في كيان ذاتي محدد والذي نشأت وتربيت عليه!، ربما بدأت تشعر بعمق هذه المشكلة والأزمة التى تعيشها، الأزمة الحقيقية هي ليست أزمة مال أو أزمة إقتصادية أو سياسية، الأزمة هي أزمة وعي وعدم القدرة على تجربة طبيعتنا الحقيقية بشكل مباشر.

عند إدراكك لجزء بسيط عن نفسك ومن أنت يصبح لديك القدرة على تغيير الأنماط والقدرة على التفاعل مع العالم، حتى أن هذا الفهم سيساعدك على تجاوز الكثير من المشاكل والمخاوف والقلق، كل هذا سوف يساعدك على تخطى مشاكل كثيرة وسوف تصل لمرحلة الخوف أو الهلع وهو أعلى درجات الخوف كل ما عليك فعله هو أنك تتذكر أن هذه هي الأنا في مواجه وصراع داخلي.

أحمد أبو حميد

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

9 290