العدالة الاجتماعية في السماء أم في الأرض؟

العدالة الاجتماعية في السماء أم في الأرض؟

أزمة المجتمعات العربية

إنَ المجتمعات العربية تحتاج إلى تطوير مداركها لقضايا العدالة  في بناء الإجتماع الإنساني المعاصر في قرائن العالم العربي. ما من سبيل أشد تطلًبا واستنهاضا من سبيل التفكر الفلسفي في هذه القضايا التي أشكلت على الوعي العربي الفرديِ والجماعي. الإنسان العربي المعاصر يدرك بالفطرة أنه مظلوم ومحروم من أبسط حقوقه وإنَ الذهنية العربية السائدة ما فتأت تتناول أحوال الإجتماع السياسي والاقتصادي العربيِ تناولا بدائيا يحرم الإنسان العربي من إمكانات التنشئة النبيهة والإستثمار الفطن والتنمية الحصيفة الراشدة.

أسس الفيلسوف اليونانيِ أفلاطون في كتابه “الجمهورية”  نظرية مبكرة للعدالة. اقترح هذا الفيلسوف الحالم كحلا للعدالة الاجتماعية التي نخرت في المجتمع اليوناني العريق. كان ينظر إلى العدالة على أنها سمة إلهية تتجرد من كل العلائق المادية التي تربطها بمجتمع المدينة المادي لدرجة لا يحركها مال أو سلطان أو شهوة وحلم بمدينة فاضلة كتلك التي راودت الفارابي يوما ما. لكن، أفلاطون ذهب وذهبت معه روحه إلى حيث الألهة مؤمنا بأن العدالة الاجتماعية ممنوحة من السماء، لا من الأرض ولا بين أهلها. ولكن ماذا عنا نحن؟  نحن الشعوب المحرومة؟ ماذا عنا  نحن الشعوب الجائعة؟ أمازالت  العدالة الاجتماعية بين ألهتها في السماء؟ ألم يحن الوقت لتحلي ضيفا في بلادنا؟! وهل ستتخلى هذه الحكومات عن السلطة؟ ويا هل ترى ستعود حقبة الفلاسفة؟ فعندما يحكم الفلاسفة يزول بؤس الدول وينعم الناس بالحرية والمساواة فيما بينهم.

 

الكلام عادة ما يخلو من الجمارك!

نعم، بإمكانك أن تتحدث عن العدالة الاجتماعية والإنسانية وترفع شعارات الحقوق والمساواة والأخلاق دون أن تمارسها حقا. بإمكانك أن تقتل اليوم شخصا وغدا تمشي بجنازته. إن العدالة الاجتماعية كلمة رنَانة نسمعها كثيرا في خطابات الحكومات وعلى ألسنة المسؤولين في الرئاسات طوال الوقت وعلى مر السنين ودائما ما تقدم الحكومات نفسها على أنها باحثة عن العدالة الاجتماعية. لكن تبقى العناوين مبهمة والتفاصيل غائمة وتعود هذه الإشكالية إلى قصر نظرها ورؤيتها الضبابية حيث تنظر هذه الحكومات التي تدَعي رحلتها الواعدة  والقائمة على العدالة الاجتماعية من جانب خيري بحت قائم على مساندة الفقراء ودعم المحتاجين. التعريف يحتاج إلى إعادة نظر، فالعدالة تعني تكافؤ الفرص بحيث تتوفر الفرص لأبناء الفقراء والأغنياء بشكل متساوي حتى تظهر كفاءاتهم. وأن يطال العمران القرى والمدن النائية كما يطال العواصم على سبيل الذكر وليس الحصر. هذا لا يحصل مع المفهوم الضيق للحكومات حول العدالة الاجتماعية حيث أنَ  المفهوم الخيري هو مجرد نقطة تجميلية وتكميلية بينما العمود الفقري هو الذي يجب أنَ يتغير. يجب أن  يكون هنالك فهم مختلف لحقوق الأفراد حتى  تتحقق العدالة الاجتماعية. ماذا تفعل الحكومات؟! وماذا تدَعي أنَها فاعلة؟ وهل العدالة الاجتماعية مفهوم خيري أم حقوق مكتسبة؟!

لو أردنا أن نأخذ بعين الاعتبار المجهود الذي تبذله هذه الحكومات في المشاريع الخيرية والجمعيات الخيرية فعليها أن تدرك بأنَ هذا الدعم هو من أصل الميزان الاجتماعيِ وهدف لتحقيق التوازن الاقتصادي والتوازن الاستراتيجي والأمنيّ للبلد. وأنَ هذا الدعم وهذه المنح التي تقدمها ليست إلا من الضرائب التي تفرضها على المواطنين. بل حتى الدول المتقدمة تقوم بدعم أفرادها في شتى المجالات لأنها ترى أنَ هذا الدعم جزء أصيل وأساس لتحقيق التنمية المستدامة وليس منَا. من بات شبعان وجاره جائع لدى هذه الدول هو ليس بالمعنى الخيري ولكن بالمعنى الدوليِ. أي أنَ مهمة الدولة وواجبها أن تحقق ذلك وليس أن تمنحه وتمن على المواطن به وهنا تقع الكثير من الحكومات العربية بمأزق كبير. كلام المسؤولين كثيرا ما يكون كلام صدقات يتبعه منٌ وأذى وكأنهم يتفَضَلون على الشعوب بالعدالة الاجتماعية. هنالك أيضا فارق ثمين بين الدول المتقدمة، الدول الصناعية الكبرى والدول ذات الأفق الضيق حيث تنظر الدول العظمى ذات التعداد السكانيِ الهائل على أنَ الموارد البشرية وسيلة هامَة للازدهار وتحقيق التنمية المستدامة والاستثمارات البنَاءة على عكس الأخيرة والتي غالبا ما تتحدث عن الموارد البشرية على أنها عبْء على الميزانية.

أما المأزق الآخر الذي تقع فيه هذه الحكومات وهو التناقض بين ما تقول وما يحصل على أرض الواقع. فتتحدث عن الانتصارات والازدهار الاقتصادي والمشاريع وكأنها بلغت سدرة المنتهى! وفي داخل الدولة هنالك التضخم والبطالة والغلاء المعيشيِ وغيرها من القضايا التي يعانيها الشعب. يدِسون هذه المسكنات بأفواه الشعوب ويتحدثون عنها وكأنها إنجازات!. لكن فارق كبير بين المشاريع المعلنة وبين المشاريع المنجزة. إذا لماذا هذا التعظيم والمبالغة؟ ولماذا هذه الوعود في مؤتمرات النمو الاقتصاديِ؟ أم أنه حقا كلام بلا جمرك ؟!

 

المدينة الفاضلة

إن العدالة الاجتماعية تنهي الظلم وتقضي عليه وتغيِب الاستغلال والحرمان من الثروة أو السلطة أو كليهما. يندثر بها الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي وتنعدم الفروق غير المقبولة اجتماعيا بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة. يتمتع من خلالها الجميع بحقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئيِة متساوية وحريِات متكافئة ويعم فيها الشعور بالإنصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الاجتماعية. ويتاح فيها لأعضاء المجتمع فرص متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم وإطلاق طاقاتهم من مكامنها  وحسن توظيفها  لمصلحة الفرد والمجتمع في الوقت نفسه. كما أن العدالة الاجتماعية تقوم على تساوي جميع مواطني المجتمع في القيمة وليس المساواة المطلقة بمعنى التساوي الحسابي في أنصبة أفراد المجتمع من الدخل القومي. بل توزيع هذه الأنصبة على نحو يراعي الفروق الفردية بين الناس في أمور كثيرة مثل الفروق في الجهد المبذول وفي ما يطلبه العمل من درجات مختلفة من المهارة والتحصيل الأكاديمي والفروق في الحالة الصحية والقدرة على تحمل الأعباء. العدالة الاجتماعيه مرتبطة بغياب الفقر وهذا لا يعني أن غياب الفقر يعني غياب اللا مساواة، فكثيرا ما يتم توزيع الثروات والدخل في المجتمع بدرجة قليلة أو كبيرة من اللامساواة حتى عندما لا يتعرض أحد أفراده للفقر المطلق. تضمن أيضا العدالة الاجتماعية مبدأ الحرية  وأنَ لكل فرد الحق المتساوي في التعبير عن رأيه والحق في التظاهر السلمي. العدالة التي لا توفر ما يكفي من الضمان للحريات لا بد أن يكون مصيرها الإنهيار والزوال.

 

العدالة الاجتماعية بين المثالية والواقع

هل سنعيش يوما ما في المدينة الفاضلة؟ هل سنتغنى بها كما  تغنى أفلاطون بـ “يتوبيا” في كتابه الجمهورية؟ فبين أحلام الفلاسفة بمدينة فاضلة لا نجد فيها فقيرا يشعر بالحزن، أو هناك فساد في الدولة، أو فساد من المواطن نفسه. وليس فيها من الظلم ما يشعل الحروب والمعارك ولن يكون أحد أرفع من أحد. وسيجتمع لبناءها الموظف والعامل  والمسؤول رجل أم امرأة، كبير أم صغير، في كل سوق  أو محل تجاري، وكل مؤسسة حكومية، وفي المدارس والجامعات وبين مدن قابعه في الظلام والتدهور في الفساد وفي الظلم، في الفقر المدقع من جهة وغناء فاحش من جهة أخرى، نقف هنا حالمين بالاقتراب منها.

نجوى أبو زهره

3 245