العدالة الاجتماعية

العدالة الاجتماعية

تعد الحياة الاجتماعية من أهم جوانب حياة الإنسان التي لا يستطيع العيش دونها، فالإنسان محب للاختلاط والتآلف والاجتماع مع غيره من الناس ويرتبط بالأخرين في إطار العلاقات الأسرية والصداقة والعمل وغيرها. فكل علاقة تتكون تعمل على بناء شخصية الفرد وتوجه سلوكه وتؤثر عليه بالتنشئة والتربية والتقويم ولكن يمكن أن يتعرض الفرد الى نوع من عدم المساواة في توزيع الموارد والممتلكات وفرص العمل والتعليم والخدمات الصحية وغيرها. كل ذلك أدى إلى ظهور مفهوم يعمل على تحقيق المساواة بين الأفراد بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الديانة أو المستوى الاقتصادي وهذا ما يسمى بالعدالة الاجتماعية. فما هي العدالة الاجتماعية؟ وما هي عناصر العدالة الاجتماعية؟ و ما المعوقات التي تعترضها وكيفية تعزيزها؟

 

بدايةً، هل العدالة الاجتماعية تقتصر على أن نعطي كل ذي حق حقه؟ أو هل يمكن القول أن العدالة الإجتماعية هي تحقيق المساواة بين الأفراد دون النظر في أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية أو اعتقاداتهم المذهبية أو الدينية أو السياسية؟

كغيره من مفاهيم العلوم الاجتماعية، تتعدد تعريفات مفهوم العدالة الاجتماعية لكونه مفهومًا متشعباً ومتعدد الأبعاد بما يصعب وضع تعريف جامع للعدالة الاجتماعية. ونظرًا لكون العدالة الاجتماعية مفهوم شامل، بمعنى أنه يدخل تحت نطاقه العدالة الاقتصادية والسياسية والثقافية والحقوقية وغيرها، فقد تطور المفهوم ليضم كل تلك الأبعاد ولم يعد من الممكن تعريفه بمعزل عن تلك الأبعاد المرتبطة به.

لقد أبدى العديد من الفلاسفة والمفكرين اهتماما واضحًا بمفهوم العدالة، منهم من فسرها عن طريق وضع الناس في البناء الاجتماعي بحسب قدراتهم، ومنهم من نظر إليها على أنها مصلحة الأقوى، ومنهم من رآها تكمن في تحقيق المساواة بين الأفراد في حالة تماثلهم، والمغايرة بينهم في حالة اختلافهم. وهناك من قال أن العمران البشري لا يتحقق إلا في ظل العدل الاجتماعي.

العدالة الاجتماعية ترتبط بالأساس بالتوزيع المتساوي بين الأفراد. ونظرا لكون الأفراد غير متساويين من الأساس، فإن التوزيع بالتساوي على أشخاص غير متساويين لا يضمن تحقيق العدالة المنشودة. ومن ثم يواجه هذا الطرح الإجرائي معضلتان من أجل تحقيقه للعدالة، الأولى: تحديد ما يجب توزيعه بالتساوي على كل فرد، بخلاف الحقوق والواجبات الأساسية. أما المعضلة الثانية تتمثل في تحديد أساس للتوزيع غير المتساوي بين الأفراد الغير متساويين بحيث يضمن تحقيق عدالة التوزيع.

تتشكل سياسة العدالة الاجتماعية بالعديد من الانضباطات ومن أهمها أنها ليست هدفاً في حد ذاتها، إنما هي وسيلة لتحقيق تنمية مجتمعية مستدامة، كما إنها تساهم في خلق مجتمع يتعامل مع الإنسان على أنه العضو الأسمى فيه، ويدعم هذا الإنسان في إدراكه لقدراته البشرية الكاملة. ولكن لا يوجد حدود لتطبيق العدالة، فقد يطالب الناس بالمزيد، ولا يستطيع أي مجتمع أن يصل إلى درجة الإشباع في تحقيق العدل، لأنه لا يوجد حد نهائي للعدالة. العدالة الاجتماعية عملية ديناميكة بطيئة مستمرة من التعلم والارتقاء، لأنها توفر الأساس والقاعدة للمجتمع الصحي المتماسك. ولضمان استمرارية هذه العملية، فلا بد أن تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل، وللعدالة الاجتماعية مجموعة من القيم التي لا بد للمجتمع من تحقيقها حتى يتسنى تحقيق العدالة. ترتبط هذه القيم بشكل واضح بمبادئ حقوق الإنسان الأساسية، والتي تتمثل في المعاملة المتساوية، وأن يكون للفرد صوتا في القرارات المجتمعية، وإتاحة الفرصة للبدء من جديد، وتوفير الأدوات اللازمة لتلبية الحاجات الأساسية للفرد. ويمكن القول أن تلك الضوابط جميعها هي الملامح الأساسية التي لا يستطيع أي مجتمع تطبيق العدالة الاجتماعية إلا من خلال الفهم المستنير والواعي لها. ومع الأخذ في الاعتبارات الاختلافات الطبيعية بين المجتمعات البشرية من حيث الموارد والثروة والمعطيات السياسية والاجتماعية البارزة فيها.

 

تكافؤ الفرص

وفقاً لمبدأ تكافؤ الفرص الذي هو جوهر العدالة والتي تعد من أهم المقومات التي ترتكز عليها العدالة الاجتماعية، والتي تقوم على عدم التمييز بين المواطنين وإزالة كل ما يؤدى إليه من عوامل، وغياب ما يترتب على التمييز من نتائج سلبية كالتهميش والإقصاء الاجتماعي والحرمان من بعض الحقوق، السعي المستمر للقضاء على البطالة وتوفير فرص عمل وتمكين الأفراد من الاستفادة من هذه الفرص.

حيث أن التكافؤ في الفرص وان كان شرطا ضروريا للعدالة الاجتماعية، فإنه غير كاف لتحقيقها. إذ ينتج الاختلاف في قدرات الأفراد، من حيث المستوى التعليمي أو امتلاك الأرض ورأس المال، ونصيب أسرهم من الفقر أو الغنى، ومن تدني المكانة الاجتماعية أو علوها، فروقا واسعة في العوائد تتجاوز ما يمكن اعتباره فروقاً مقبولة اجتماعياً. لذلك، يجب توافر عوامل أخرى تنمي العدالة الاجتماعية ومنها:

  1. التوزيع العادل للموارد والأعباء.
  2. الحق في الضمان الاجتماعي.
  3. تحقيق العدالة بين الأجيال.
  4. تحرير القرار الوطني.

 

المعوقات التي تواجهها العدالة الاجتماعية

هناك العديد من الدراسات حول العدالة الاجتماعية وسبب عدم ظهور العدالة في بعض المجتمعات والتي يمكن أن تكون بسبب غياب الحرية والتعبير عن الرأي، وعدم المساواة بين الافراد بحيث يختلف الدخل باختلاف العرق او الجنس أو عدة امور اخرى. ويمكن أن يكون بسبب التوزيع الغير العادل للموارد وعدم تكافؤ الفرص في العمل والتعليم والسياسة والاقتصاد وغيرها من الأمور الاجتماعية الاخرى، وغيرها من المعوقات التي تحول بينها وبين تحقيق العدالة الاجتماعية.

 

إجمالا، يمكن القول أنه لكل تجربة خصوصيتها طبقاً لخصوصية المجتمع واختلاف أولوياته. أي أنها كلها مرهونة بالإرادة السياسية، وحجم الموارد الاقتصادية في الدولة والسياسات الرشيدة التي تتبعها الحكومات، وهو ما يتبدى لنا من التجارب السابقة. فضلا عن أن الفهم الحقيقي للعدالة الاجتماعية من حيث المعنى والفلسفة الحاكمة لها يساهم بشكل كبير في تضييق الفجوة بين نظرية العدالة الاجتماعية وبين واقع تطبيقها على المواطنين بالشكل الذي يسهم في تنفيذ سياساتها التي تحقق أهداف التنمية والقضاء على الفقر بمعناه الشامل وكذلك التهميش والإقصاء وغيرها من المشكلات الهيكلية التي تدمر المجتمعات الإنسانية.

 

صفا الطحان 

1 2839