الفجوة الرقمية وتأثيرها على مجتمعنا

الفجوة الرقمية وتأثيرها على مجتمعنا

هل سمعتم بمصطلح الأمية الرقمية من قبل؟ هذا ما تعلمته مؤخراً في أحد الجلسات مع صديقي. هل ما زلتم تذكرون صديقي؟ لقد مضت مدة طويلة منذ أخر لقاء بيننا… حيث لم يكن هنالك تواصل من فترة إلى حين أن تلقيت رسالة منه: تحياتي أتمنى أن تكون بموفور الصحة وأعتذر منك على الإنقطاع؛ لقد كنت مشغولاً في الفترة الماضية، أتمنى أن تطلع على الدعوة المرفقة للحضور معي إلى المسرح الوطني الخميس المقبل – صديقك المحب.

انتظرت الأيام بفارغ الصبر لحين الموعد المرتقب أفكر بما سيكون موضوعنا الخميس المقبل بعد أن أصبحت أحب الحديث معه واكتساب المعلومات الجديدة ومشاركتها مع أصدقائي وعائلتي الذين لاحظوا التغيير الكبير في حياتي منذ الحوار معه. توجهت إلى موقف الحافلات قاصداً المسرح لمقابلة صديقي ويشغلني التفكير في أخر لقاء بيننا والمعرفة الجديدة التي اكتسبتها. عند رؤيته، تبادلنا السلام ونظرا لتأخري عن الموعد دخلنا المسرح مباشرة للبدء بمشاهدة العرض في صمت وهدوء تام إلى نهاية العرض دون أي مشكلة أو حدثٌ غريب. كان كل انتباهي للعرض والهدف منه لماذا هذا العرض تحديداً؟ أنا أعلم تماماً أن كل موعد يرتبه صديقي يكون لهدف معين وعند انتهائه خرجنا للتجول.

 

ما رأيك في العرض؟

– إنه جميل لكني شعرت بأنه يريد نقل رأيه الشخصي! لقد أظهر ما يريد إظهاره فقط وأهمل العديد من الجوانب الأخرى…

– أحسنت… إنه بالفعل موضوع يستحق النقاش وإن سمحت لي سيكون موضع اليوم هو الأمية الاعلامية الرقمية. أنا أعلم أنه مصطلح كبير ويوجد به العديد من التفاصيل التي أتمنى أن لا تمل منها…

بالطبع أنت تعلم كم أحب الحديث معك وكم أصبحت تواقاً للنقاش والمعرفة الجديدة، سأكون سعيداً لمناقشته معك… عليك أن تعلم أن جميع الأشخاص عند طرحهم لبرنامجٍ أو فكرة هم يريدون ايصالها للجمهور الأسرع ووراء كل فيديو أو مقال أو محتوى أشخاص يملكون رسالة معينة يريدون إيصالها وهم أنفسهم اختاروا بعض الأشياء دون سواها لإظهارها إلى المستقبل.

– هل تقصد أنها مؤامرة؟!  أم أنها مجرد رأي أو ولاء تقدمه النفس البشرية دائماَ للقائد أو للفكرة التي يريدها!؟

– ليس تماماً… لكننا نحن في عالم مليء بالتنافس والسيادة، والإعلام له دور كبير في عرض الحقيقة والأحداث المتغيرة التي تجري من حولنا سواء أكان الإعلام التقليدي بصحفه أو من خلال الإعلام الحديث الرقمي مثل وسائل التواصل الإجتماعي.

– إنه بالفعل كذلك لكن ما أود إخبارك به عندما أخبرتني بمصطلح “الأمية الرقمية” خطر في ذهني  فقط الأشخاص الغير قادرين على القراءة والكتابة أو الأشخاص الغير قادرين على إستخدام التكنولوجيا ووسائلها. لكن، اتضح لي الآن أن الأشخاص المتمرسين بها يعانون أيضاَ من الأمية الرقمية بسبب عدم فهمهم لرسائل الإعلام الموجهة وعدم القدرة على فهمها وتحليلها… لكن ما هو سببها؟

أنت محق تماماً، الأمية لا تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة أو استخدام التكنولوجيا فقط لكن عدم فهم المحتوى الذي يعرض والغرض منه يعد من مشاكل الأمية التكنولوجية الرقمية وله دور أساسي بها. أما بالنسبة لسؤالك فسببها هو عدم وجود الوعي الكافي للجمهور في كيفية استخدامها وتأثيرها خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الإجتماعي وعدم وجود أساليب التفكير النقدي للجمهور بحيث يكون قادراً على تفكيك الرسالة الإعلامية وتحليلها وفهم الغرض منها.

– الأن اتضحت الصورة لدي يا صديقي لكن أتعلم ما يحزنني فعلا… هو أن الثورة الرقمية تعمل على تغيير عالمنا بسرعة كبيرة غير مسبوقة حيث أصبحت المعلومات والمعرفة في متناولِ يد الجميع. وتم إطلاق العنان لفرصِ جديدة وتم تحويلُ الخدمات الأساسية الى خدمات رقمية إلكترونية وأصبحت عملية التعليم والتعلم تعتمدان بشكل كبير على الإنترنت فهي متاحة في كل مكان وزمان وهو امر إيجابي. لكن، من دون الإلمام في مهارتي القراءة والكتابة تتحول الفرص التي يتيحها العالم الرقمي إلى عقبات تجعلهم متأخرين عن العالم واهتماماته. إنه لأمر محزن فعلاً هل كنت تعلم أن 750 مليون شخص حول العالم من الشباب والبالغين غير ملمين في مهارات الكتابة والقراءة وثلثهم من الذكور وثلثيهم من الإناث وهي نسبة كبيرة إذا ما نظرنا إليها بعين الإعتبار. إن الأمية في القراءة والكتابة تعني وجود مشكلة كبيرة في الأمية الرقمية الإعلامية وهي أحد أهم الأسباب التي يجب علاجها لحل مشكلة الأمية الرقمية. إنه لرقم كبير فعلاً وهذه الأمية تسبب فجوة بينهم وبين العالم الرقمي بسبب أن القراءة والكتابة هي مفتاح أو كلمة مرور إلى العالم الرقمي والذي لا يمكن عبوره دونها والتمتع بخدماته.

– صحيح أنت محق، وفي حال لم يتم سد هذه الفجوة ستتفاقم الفجوة الرقمية وتؤدي إلى تهميش هذه الفئة أكثر فأكثر وستساهم بشكل كبير في التأخر بلحق ركب التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي وزيادته وبالتالي ستزيد الفجوة بين سكان هذه الدول وسكان الدول المتقدمة. لكن السؤال هل نتركهم خلفنا؟ أم علينا الحراك فوراً لسد هذه الفجوة وإطلاق العنان للفرص التي يتيحها العالم الرقمي بأكبر قدر ممكن؟. إنها مسؤولية مجتمعية، كلنا مسئولون عنها وعلى كل فرد المساعدة قدر استطاعته وفي دائرة عمله ومعارفه.

بالطبع لا يمكننا تركهم خلفنا ولابد من الإلمام بهذه المهارات من أجل الإندماج في مجتمعاتنا الرقمية ويجب على الحكومات المدنية وعلى القطاع الخاص والمجتمع المدني التحرك على الفور وعلينا العمل جميعاً يداً بيد لكي يستفيد الجمهور من ذلك. أنا سعيد لهذه الروح التي تملكها والتي تدفعك للتعلم ومساعدة المجتمع بقدر استطاعتك وأتمنى منك ابقاء هذه الروح والمحافظة عليها.

وصلت أخيرا إلى موقف الحافلات للعودة للمنزل. استرجعت شريط الأحداث لليوم، إنه بالفعل ليوم مميز وبه تجربة جديدة ومعلومات رائعة ومسؤولية كبيرة يجب على كل شخص تحملها.  يجب علي البحث حول كيفية المساعدة بحل مشكلة الأمية الرقمية قدر استطاعتي وأظن أن كل شخص يجب عليه امتلاك روح التعلم والبحث بتخصيص جزء من يومه ولو جزء بسيط للتعلم الرقمي أو تعليمه لأصدقائه ودائرته المحيطة. أتمنى لو أن كل شخص يوجد لديه صديق حكيم مثل صديقي يتمتع بروح المشاركة وحب الخير للآخرين أو أن يصبح هو ذلك الصديق الذي يَحُثه على البحث والتعلم وتشارك المعرفة مع الآخرين… أنا بالفعل محظوظ لوجود صديق مثله.

 

أحمد الفحل 

 

0 567