القيادة بالتعاطف

القيادة بالتعاطف

السلام لنا… السلام علينا… السلام فينا… نحن الإنسانيون بنو البشر. السلام عليكم… السلام علينا وعليكم جميعاً. نحن بشر جل ما يجمعنا باختلاف مللنا وعقائدنا وأدياننا هو الإنسانية. الإنسانية فقط، ليس عليك تبني عقيدة الآخر ولا حتى حب الآخر. لكن ما عليك هو احترام اختلاف الآخر . احترام أننا لسنا بفكر ولا بدين ولا بعقيدة واحدة ربما، لكننا بشر، ما يدمي قلبك حتماً يدمي قلب أي بشري آخر. ليس علينا إجبار الأخر على تبني ما نؤمن به. لكن، يكفي أن لا نؤذيه فقط لأنه لا يشبهنا أو لأن طرقنا لم تتقاطع. نعيش على أرض واحدة وتحت سماء واحدة في ظل ذات الشمس، القمر والنجوم واحدة؛ مصيرنا واحد لذلك “علينا أن نتعلم العيش معاً كإخوة، أو الفناء معاً كأغبياء”. مارتن لوثر كينج.

“هم ليسو غرباء، واستهدافهم هو استهداف لكل البلاد، نيوزلندا وطنهم، وهم نحن”. هذه كانت أول تغريدة لرئيسة وزراء نيوزلندا جاسيندا أردن بعد أحلك أيام تاريخ بلادها الحديث. ألغت المسافة المتخيلة بينها وبين اسر المهاجرين الضحايا، لا مساحة رمادية هنا “هم نحن”. ملامحها وهي تواسي عائلات الضحايا المفجوعة والقوة التي لم تمنعها من إبداء التعاطف مع اسر الضحايا وإشعارهم بالطمأنينة، مشاعر استثنائية ورد استثنائي في وقت كانت أي خطوة ناقصة منها كفيلة بإثارة ردود فعل غاضبة دموية في بلادها وربما حول العالم. تقول جاسيندا ”الأمر يتطلب الشجاعة والقوة لكي أكون متعاطفة مع الناس، وأنا فخورة بأنني زعيمة وعطوفة وسياسية”. وتردف بأنها تحاول رسم مسار مختلف في القيادة بـ”التعاطف”. وهي نوع من أنواع القيادة تتميز بالتعاطف والتواصل النفسي مع مشاعر وأفكار ومواقف الآخرين، وتتميز بقدرة القادة على فهم الناس بشكل كبير والتعامل معهم من خلال هذا الفهم العميق لاحتياجاتهم.

التعاطف الإنساني يربطنا ببعضنا ليس بالشفقة أو بالتسامح، ولكن كبشر تعلموا كيفية تحويل المعاناة المشتركة إلى أمل للمستقبل – نيلسون مانديلا

ملامح حزينة، أناس مفجوعين، جمعة دامية. هكذا مر يوم شعائري بريء لأن عين التطرف العنيف عمياء لا تبصر الحب والمودة أبداً. جاسندا بفطنتها القيادية حولت الأزمة المؤكدة بين أطياف مجتمعها المختلفة إلى يوم مليء بمشاعر المواساة، العاطفة والقوة. وقفت بقوة وعاطفة وحزم لتبث للعالم مشاعر الأخوّة والتسامح. جمعت تحت قبة البرلمان شخصيات دينية تمثل كل أفراد المجتمع النيوزلندي. لتثبت أن ما يجمعنا هو إنسانيتنا وأننا بشر على هذه الأرض فقط. جاءت إدارة حكومة نيوزيلندا ممثلةً برئيسة وزرائها جاسيندا آردرن، لهذه الأزمة على الصعيد الإعلامي ناجحاً بكل المقاييس. وأعلنت تضامنها مع أسر الضحايا واتخذت إجراءات غير مسبوقة في احتواء تداعيات هذا الهجوم، وإنما أيضاً لأنها كشفت ازدواجية الغرب في التعامل مع الهجمات المتطرفة العنيفة التي تستهدف المسلمين، . رئيسة وزراء نيوزيلندا أجبرت القادة والمسئولين في الغرب على تبني وصفها ورؤيتها للهجوم، حيث توالت الإدانات الدولية، التي أظهرت توحد العالم في رفض التطرف العنيف أياً كان مصدره، وتزايد الشعور لدى القادة والسياسيين والشعوب بخطورة التعصب والعنصرية على استقرار دولهم ومجتمعاتهم وكذلك رفاهيتهم. إنه متطرف عنيف، إنه مجرم، وسيكون دون اسم عندما أتحدث عنه. فقد كانت واضحة منذ البداية بتسمية الأمور بمسمياتها، فالحادث سمي بالمتطرف العنيف والمجرم دون اسم لتعزز حضور الضحية وطلبت من وسائل الإعلام التركيز على الضحايا فقط ورواية قصصهم وهي رسالة واضحة بأن قتل الأبرياء هو تطرف عنيف بصرف النظر عن ديانة من اقترف العمل. حرصت الشرطة في نيوزيلندا على تصوير المتهم بتنفيذ العملية أمام الرأي العام العالمي لإثبات سرعة تقديمه للعدالة (مع التشويش على وجهه وتعبيراته) لمراعاة مشاعر أهالي الضحايا وعدم التأثير على حقوقه كمتهم في محاكمة عادلة.

تمر أي أزمة بمراحل، وأنجح الطرق تتمثل في تحديدها، ومن ثم عزلها فالتعامل معها. وهذا كان واضحاً في طريقة إدارة الأزمة والشفافية والصراحة في طرح المعلومات حيث عملت رئيسة الوزراء على تحديد سبب الأزمة بشقيه خطاب الكراهية، وتوفر الأسلحة، وأعلنت أن مكتبها تلقى «بياناً» من منفذ الهجوم قبل تسع دقائق من بداية الحادثة، قائلة: كنت واحدة من أكثر من ثلاثين متلقيا للبيان الذي أرسل قبل تسع دقائق من حصول الاعتداء على المسجدين. وأشارت إلى أن البيان “لم يتضمن أي موقع أو تفاصيل محددة”، مضيفة أنه تم إرساله إلى أجهزة الأمن خلال أقل من دقيقتين بعد استلامه. وأكدت أن “المتهمين لم يكونوا على أي قائمة من قوائم المراقبة”، وقد قطعت بذلك الفرصة على الجهات المتربصة التي حاولت التشكيك في إدارتها للأزمة، واتهامها بالتقاعس في التحرك لمنع الجريمة قبل وقوعها.

إن الشفافية في طرح المعلومات، حتى وإن كانت تنطوي على اتهام الجهات المعنية بالتقصير، إلا أنها تعزز من الثقة والمصداقية وهذا ما نجحت به جاسيندا آردرن. ثم عملت بشكل عاجل على استصدار التشريعات لضبط حيازة السلاح، وطالبت بالكشف عن أنشطة اليمين المتطرف، وفي نفس الوقت أظهرت التعاطف مع المسلمين وأبرزت الحكومة قياداتها المسلمة. كما وساند جهود الحكومة وسائل الإعلام التي لعبت دورًا واضحًا من خلال ارتداء المذيعات للحجاب ونقل أذان الجمعة في رسالة اعتزاز واضحة بوجود جالية مسلمة في نيوزيلندا.

على الرغم من كثرة العمليات المتطرفة العنيفة التي حدثت حول العالم، لم يتحد ضد التطرف العنيف كما اتحد في حادثة مسجد النور المتطرفة العنيفة. السبب هو إستراتيجية إدارة الأزمة الإعلامية التي اتخذتها الحكومة النيوزيلندية التي تسهم في إيجاد قناة تبادل للمعلومات بين الساسة والمواطنين تقطع طريق الشائعات، وتعالج صدمة الأحداث، وتقطع الطريق مبكراً على الجهات التي تحاول توجيه الأزمة إلى مسارات مختلفة. بالإضافة إلى الحزم مع مواقع التواصل ومنصات الإنترنت إذا كان منفذ الهجوم المتطرف العنيف من استخدم وسائل التواصل الاجتماعي الفيسبوك لبث جريمته على الهواء. فإن رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن أثارت منذ الساعات الأولى للهجوم تساؤلات جوهرية حول أخلاقية توظيف وسائل التواصل ومنصات الإنترنت في بث هذه النوعية من الجرائم، وطلبت توضيحات من الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي بشأن بث مقاطع مصورة من المجزرة. وقد استجابت إدارة فيسبوك لمطالبها، وقامت في الساعات الـ 24 الأولى من الهجوم الإرهابي بسحب 1,5 مليون مقطع فيديو للهجوم في العالم، بينها أكثر من 1,2 مليون تم حجبها أثناء التنزيل.

 نأمل بأن يكون  هناك  أشكال أكثر إيجابية للقيادة مماثلة لقيادة جاسندا مستقبلاً، التي شكلت  الثقة في جميع مستويات القيادة، وأعادت الأمل والتفاؤل لشعبها المكلوم وجذبت اهتماماً لهذا البلد الصغير في محيطه الهادئ. لا يتمنى أي زعيم أو قائد أن يتعامل مع أزمة وكارثة إنسانية كالتي حدثت في نيوزيلندا، لكن جاسيندا أرديرن نجحت ببراعة في اختبار القيادة وأعطت دروساً للقادة حول العالم بالشجاعة والتسامح واحترام الاختلاف.

لا تخف أبداً أن ترفع صوتك من أجل الصدق و الحقيقة ومن أجل التعاطف ضد الظلم والكذب والطمع، لو فعل كل الناس ذلك… سيتغير العالم – ويليام فوكنر

زين الصبح

0 115