المختبرات الفضائية

المختبرات الفضائية

المختبرات الفضائية تصل إلى الزهرة والمريخ والمشتري وعطارد ونحن غارقون بالعنصرية و بتلك الصور النمطية.  الصور النمطية ليست بالمسألة السهلة، لأنها غالباً ما تكون متجذرة في الوعي الفردي والجمعي، والأخطر أنها ليست مجرد صور يمكن إزاحتها ولكنها منهج تفكير يعتمد على القوالب الجاهزة ويعادي التفكير العلمي. الأخطر من ذلك أنه مع تدني الثقافة، تصبح النمطية ذات مشروعية ثقافية وإجتماعية وكأنها حقائق أو من طبائع الأمور.

إن أردنا تحليل السلوك العنصري فأننا سنرجعه إلى الصور النمطية التي يرسلها الإنسان في ذهنه عن فئة ما، فكثيراً ما تُرسم في أذهاننا صوراً نمطية إنطلاقاً من تجاربنا الشخصية. فلو قلت لك أنني كنت البارحة أتابع عرضاً لفتاة ترقص فإنك ستتخيل الأن امرأة بملابس الرقص الشرقي تهز خصرها، ولكنني لا أقصد راقصة شرقية، بل أقصد عرضاً لفتاة ترقص الباليه وبالتالي فإن ما تخيلته أنت كانت نتيجة الصورة النمطية التي رسمتها في ذهنك بناءا على المجتمع الشرقي الذي تعيش فيه، فلو قلت ذات العبارة لشخص أسباني مثلاً فإنه لن يتخيل راقصة شرقية بل قد يتخيل راقصة فلامنكو!

إذن الصور النمطية ننسجها في أذهاننا إستناداً على تجاربنا الشخصية، أحياناً يكون تنميطاً إيجابياً وأحياناً أخرى يكون سلبياً. لكنه في كلا الحالتين غير صحيح، لأنه يعمم حقائق قد لا تنطبق على كل الأفراد. يميل البعض إلى التفكير البسيط وعندها يحصل التعميم والوقوع في فخ الصور النمطية. وبناءاً على الصور النمطية قد يتحيز الشخص ضد شخص آخر ويضع عليه حكمهُ المسبق معتمداً على الصور النمطية التي نسجها في ذهنه دون الإعتماد على أي منطق أو حقائق.

فهو يشعر بالهلع منك إن علم أنك تحمل جنسية دعنا نسمها “جنسية المخادعون ” كصورة نمطية وسيتوقع منك أن تكون مخادعاً أيضاً حتى قبل أن يتعامل معك! أو قد يتوقع منك أن تكون كريماً لأنك تنتمي لبلد “الكرم” كصورة نمطية أن تظهر له أي بادرة تدل على كرمك من عدمه. وقد يشعر بعض أفراد المجتمعات الغربية بالخوف الشديد إن جلس قربه شخص يرتدي ملابس توحي بأنها “عربية” لأن لديه صورة نمطية على أن العرب “إرهابيون”! وإنك على الأرجح تخفي المتفجرات تحت ملابسك. التميز سلوك مبني على التحيز، معاملة الآخر تستند على إنتمائه لفئة من الناس والتي يحمل ضدها الشخص المعني صوراً نمطية وهو يأخذ عدة أشكالا منها:

  • التمييز اللغوي:  تمييز ضد من يتحدثون لغة أخرى، تجده بالمجتمعات التي بها تعدد لغوي، أو حتى لهجات متعددة فقد يتعرض الشخص للتمييز فقط لأنه تحدث بلهجة مختلفة حتى وإن كانت مفهومة. مثالا، حتى وإن كنت تفهم ما تقول لن أبيعك ما تريد ما لم  تتحدث بلغتي.
  • التمييز العرقي أو العنصرية:  تعد العنصرية مجرد شكل من أشكال التمييز وهي مبنية على التمييز العرقي، كالتمييز الحاصل في الولايات المتحدة الأمريكية ضد المواطنين السود من أصل إفريقي والتي نشأ عنها رد فعل عنيف من طرف بعض السود. العنصرية وإن كانت ازدهرت أول الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها منتشرة منذ الأزل بكل مناطق العالم ونجد هذا في التاريخ حيث جاء الإسلام لنبذ التمييز العرقي الذي كان يمارس في الجاهلية. التمييز العرقي لا يمارس فقط ضد السود من أصل إفريقي أو أصحاب الملامح الإفريقية بل يمارس ضد أي عرق أو شخص بشكل مختلف يدل على أنه لا ينتمي للفئة السائدة. رغم أن لمسألة الأعراق هذه أساسا بيولوجيا، فالإختلاف بين الجينات من نفس العرق أحياناً يكون أكبر من الإختلافات بين شخصين من عرقين مختلفين. فمثلا، أنت أسود عليك أن تعود لإفريقيا حيث أن هذه البلد هي لذوي البشرة البيضاء! إن بدت لك العبارة سخيفة ومضحكة!
  • التمييز القومي: وهو تمييز مبيني على الجنسية أو القومية أو الوطنية كأن يتم التمييز ضد الأشخاص الذين لا يحملون نفس الجينسية أو القومية في المعاملة التي يحفظها القانون لهم وتجدر الإشارة أن التمييز لا يكون مقتصراً من طرف الأشخاص بل حتى الدول التي قد تسن قوانين تمييزية. قد يتعصب الشخص لقوميته لجنسيته ووطنه بحيث يرفض الآخر ويمارس أشكالاً تميزيية مثل لماذا دخل الشخص قبلي لإجراء الفحوصات الطبية رغم إنه ليس إبن البلد؟!

 

كيف للمجتمعات للوقوع في فخ الصور النمطية 

هناك عدة فرضيات، نحن نبدأ بالتعلم ذلك من الحياة ومن حولنا أيضاً. الكثير من المعلومات التي تدخل وعيننا تأتي بطبيعة الحال من الثقافة المحيطة بنا، فعملية تمديد المعلومات الإجتماعية بشكل متكرر من شخص لآخر يمكن أن تؤدي إلى التشكيل العفوي وغير المقصود للقوالب النمطية عن الأشياء والأشخاص والمجموعات الأخرى.

يبدأ الفرد منا بتعلم وإستقبال تلك المعلومات منذ الطفولة. فإن الأطفال لديهم القدرة على تشكيل صور نمطية راسخة ومحدده عن السود والنساء والفئات الإجتماعية الأخرى عمن حولهم. وبما أن قدراتهم المعرفية والإدراكية تكون غير مكتملة في تلك المرحلة من العمر، فهنا ليس لديهم الخيار أو القبول أو رفض تلك المفاهيم والصور النمطية فتشكل معتقداتهم وتنمو مع تطورهم.

القوالب النمطية التي نشكلها ليست غامضة لكنها تستند إلى ملاحظات الحياة اليومية التي تجمعها عقولنا وتصنفها

ذاكرتنا تلعب دور أيضاً، تلاحظ عقولنا الأشياء المميزة أو غير المألوفة أكثر من تلك المألوفة فتطبع الصور النمطية بذاكرتنا.

هل من طريقة لتجاوز الصورة النمطية؟

 التصالح الذاتي الذي قد ينعكس بشكل إيجابي على العالم ويقلل من الفجوات بين الشعوب والأفراد. أيضا، الإطلاع على الثقافات الأخرى والإلمام بثقافتهم بشكل جيد. لنخرج قليلا خارج الصندوق سنرى أن العنصرية دخلت حتى بأمثالنا الشعبية! في معظم البلدان العربية يقال “الدنيا مقامات” و “العين ما بتعلى عن الحاجب”، لأن أهل المدينة أفضل من أهل الريف، فيقال من أجل الحطط من قدر الناس أيضا “جاي من ورا البقر”، “أجى من ورا الطرش لورا المرش” أو “أجى من ورا الحمارة وصار يركب سيارة” وغيرها الكثير!.

لأن عنصريتنا متجذرة فينا ومتأصلة أيضاً لم يسلم من عنصريتنا وأمثالنا الأشخاص ذوي الإعاقة  والمرضى، فنقول بكل أريحية دون أن يرف لنا جفن “إذا شفت أعمى طبه، مانك أرحم من ربه”! “احترنا ياقرعة من وين نبوسك” ونقول أيضاً “الأعور بين العميان ملك”!… وقال الأعرج للمكرسح ما تيجي نتفس، الأمثال كثيرة ونتداولها بشكل يومي ولا نشعر بأنها قد تهين الآخر أو حتى تزعجه، العنصرية متجذرة وعلينا الإنتباه من مصيدتها!

 

رنا أبوهيظ 

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

 

Related posts مقالات ذات صلة
6 364