المكتب

المكتب

 

أن تدخل البيت لتبحث عن أمك وتنادي “يما، وين أمي يا عيال!!”…

هذا المشهد يتكرر معي في كل يوم مرتين، مرة في بيتنا والأخرى عندما تأخذني قدماي إلى ما إتفقنا على تسميته بالمكتب…

وأسأل نفسي، رند مداومة!! التي وإن جوكرناها فهي جوكرة المكان.

ما إن أدخل حتى أجد كارلا وماريانا الرفيقتين المنضمتين إلينا من بلاد كاتلونيا في اسبانيا، يتعلمن اللغة العربية على يد أحمد وهو يقول لكارلا… Say ححح… لا لا مش خخخ، ححح. محمد أيضا الذي يأخذ إسم الجوكر أيضاً، وإن كان هناك من يحملهُ فعلاً، فنان صاعد يغني الراب على طريقته، تستطيعون أن تجدوه شريكاً مع حسين على يوتيوب في أغنية قد أنتجوها فيما سبق.

جلال هناك يجلس على الكرسي المقابل ليسألني: ايش عملت بالفيديو، مش المفروض تتعلم على المونتاج وتعمله؟!. هذا الذي يصنع الموسيقى، ويساعد الجميع في أي شيء، هذا يستحق منا الحب إذن. أما أم صالح التي تجلس بجانب إدواردو خلف شاشاتهم، لا أعلم ماذا يفعلون، لكنني على ثقة أنهم يجلبون شيئاً جديد على ظهر ناقتهم أو كما تسمونه “لابتوب” صاحب الفكيّن الذين لا ينطبقان على بعضهما إلا إذا انتهوا من العمل، وهذا بالطبع لا يحدث إنما يتوقف عن الساعة الرابعة كل يوم.

ما زالت رنا “مرشحة” صديقتي الصدوقة وشريكتي بأي شيء هنا حتى عناء الفيزا والحساب الذي يحتوي فقط على دينارين فقط لا غير. آملا وإياها السفر وأن نغني هناك في بلاد البيتزا والمعكرونة أغنية “متغربين إحنا”. ترافقنا صفا أو كما سميتها بإسم آخر “أم ألما” أن تحكي عن طفلتها بهذا الحب يعني لي الكثير، عادةً ما نختلف ولكن في النهاية تضحك وتأتي الفكرة، لأول مرة أفكر بشيء يخص الكيمياء لأنها عكست الصورة الأفضل ربما. وتأخذ ماتيلد جائزة أول شخص يرسمني، وإن كان ما خُطَّ بالرصاص لا يشبهني ولكن نالت شرف المحاولة، ونلت أنا رسمة ألقاها أحدهم لا أعرف أين، لكنني حفظتها تماماً في رأسي، لغتها الفرنسية، تنطق الإنجليزية وتحاول بالعربية وتحاور بالفن، إنه لشيء عظيم.

تبحث عمّن يحب أن يسمعك، أجد سُهى في طريقك، لا تشكو إنما قل لها عن شراكة المنسف والحب والشعور، الطبخة التي نسفت القلوب، التي تحمل قيمتها من قديم الزمان. تظهر سهى بثوب العادي، ولكن منها نسخة العارفة واللاعادية، المتربصة للمعلومة والجامعة للكثير من المعرفات. على ذكر المعرفات لا بد أن أقول لكم عن خزّانها وبئرها إياد، الرجل اللطيف. صديقي في الحوارات اللغوية وحبيبي في جذور الكلمات وأصولها، الخبّاز وإن صح التعبير؛ يخبز الكثير هُنا لنظهر نحن جميعاً لنعطي الزبائن خبزهم.

الطاولة التي تنحني أمام عيني والكثير من المقاعد الغير مريحة والمريحة، أقلاما متنوعاً ألوانها في علبة على شكل شبك من حديد مدوّر شكلها، والعديد من الأسلاك المنبثقة حولي هنا حيث أجلس. تُذكرني علبة الأقلام تلك بتنوعها في رُبا صاحبة المهام والوظائف العديدة والكثير من العمل، تعرف تماماً كيف تعاملنا بلطفٍ وحب وكأني أُسميها من الرُبا، وهي جمعاً لرابية وتعني المكان المرتفع الممتلئ ربيعاً وخضرة. أشعر بأن ليس من الممكن أن أذكر بجانبها أحمرو، وأشعر أيضا بلزوم وضع حرف الألف بعد الواو كي تصبح أحمروا على وزن إفعلوا. 

“ايش يا اصلي”… حتى برغال الذي يأتي ويأفُل، لماذا يأفل لأن الشمس التي تأفل عادةً بشعره الملفوف هذا على رأسه، يا لهُ من سيهبواي، رأيته مرة يقف على طاولة خشب صغيرة بصورة في فيسبوك، لا أنساها ابداً. من يعرف هرم المحبة بالطبع سيعرف يوسف، أو الأديب بلهجتنا تعني الخلوق، من قرأ مقالهُ الأخير من جلس معه، من حدثه قليلاً يعرف يوسف اللطيف الممتلئ حُبا للتعلم والمعارف.

وكما يُقال “التالي للغالي” التالي هو المتبقي في لهجتنا أو اللغة حتى، لن أمسى أن أحدثكم عن “ظريفة” البسة صاحبة اللون الابيض التي تأكل شيء حتى تكاد أن تأكل العُشب وورق الليمون الذي ينتشر في التراب الأحمر حول البيت هُنا، رند كل يوم تأتي بالليمون من بيتها، أنتظرهن أن يكبرن من أجل أن ترتاح من هذا العناء. ميريشا التي أتوافق وإياها، كثيرا ما تُحب المسرح وهذا يعني لي الكثير، ثم أنها دائما ما تصول وتجول وتصنع الحركة والطاقة وتفكر كالموهوبين حتى أن اسمها يكتب غير ما يُلفظ mirella.

ما زال للذين مضوا أيضاً مقاعد لا يشغلُها أحد وهذا حزين بالنسبة لي، أهل الوجوه التي قابلتها في أول مرة أكون هنا. لا يسعنا إلا أن نذكرهم كلهم، صانعوا المعرفة وأصحاب الفكرة والإنجاز. وليس من العدل أن لا نقول إن الحجر في هذا البيت شريكا بالفكرة، والمطبخ صانع الشاي والقهوة السريعةالمروقات للمزاج، لا بد أن نذكره بين السطور ونقول على الأقل؛ شكراً. حتى قواطع الكهرباء، كم مرة ظهروا لنا بحالة التعب الشديد عندما ينزل  أحدهم ليأخذ استراحة المحارب.

هُنا في مساحات I-DARE لا تُكتب الحروف صغيرة باسمه لأنها يحمل القيمة والفكرة، ينص على المحتوى والإبداع. الأم التي تترك إبنتها، الشاب من المخيم والفتاة من مكان بعيد، لا يمكن انهم جاؤوا لفراغ، هنا حيث أسمع الكبسات تطقطق حولي وفي مسامعي، هذا يعني أن المنتج ذا قيمة والموقع يشهد دائما. إن للشباب هُنا الحظ الأكبر في التعبير عن أنفسهم ومعتقداتهم ووجهات نظرهم، هم يشعرون بالآخر، ويعرفون تماماً أن عليهم كما لهُم. أن تنشر الحُب هذا يعني أن تكون آيديرياً. حيث نسعى إلى ان نحترف ثقافة السلام وأن نساهم في نشرها. كتبت هذا المقال ليكون بمثابة شكراً، وبرهاناً لنقول أن من المهم جداً أن تكون مُحباً حقيقياً لتنشر الحب وأن تكون راعي سلام لتنشر السلام. إذ يقول جبران خليل جبران: لا يمكن أن تضحك وأنت غاضب، سلام.

 

محمد العجارمة

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

5 107