تحت سماء واحدة 

تحت سماء واحدة 

بعد أن ازدادت إحتمالية تصادمي مع ذاتي وواقعي وبعدما فقدت حريتي بالتعامل مع نفسي ومع الآخرين من حولي، كان لابد من أن ينفصل قلبي عن قالبي. لكن، المدينة التي جئت منها كانت تسكن كلاهما، فوصلت إلى الأطراف القصوى من حيرتي. عندها، ذهبت في جولة تأملية من نوع خاصز نظرت إلى شوارعها المهمشة وإلى الصراعات اللا متناهية وإلى العيون المشبعة بالحقد و الكراهية. 

إلى أزقتها التي باتت تتوسل إلي خلاصها، كجسد نحيل بدا عليه المرض والتعب. هذه مدينتي التي لازالت تعاني منذ الأزل. نظرت إلي نظرة فاقدة للأمل مليئة بالخيبة والتشاؤم. أخذتني إلى جوارها و بدا عليها الكبر والوهن والتعب. قالت لي اذهب و ابقى بعيداً غريباً، أنا نفسي سئمت من بحثي وتنقيب أصحاب التيجان والجدائل وغيرها من الرموز الآخرى في أحشائي عن شيء لم يوجد ولم يكن أصلاً موجود. أنا أمرك بأن تبحث لك عن منفى. اخرج من ذاكرتي لأخرج من ذاكرتك ولا تتشرب من تاريخي إلا لكي تخرج منه. قل وداعاً و اخرج من ذلك الركام و ارحل و لا تنظر خلفك، ليس وراءك إلا ظلك. حان الوقت لكي تحرر ذاتك من سجنهم. لذا، قررت أن أحافظ على نصيبي من الشجاعة وأن أمارس حياتي وموتي بالإسلوب الذي أختاره أنا لا بالإسلوب الذي يعرض علي، فأنا ملزم بمشاركة العالم المتحضر الذي يصنع الظروف وكل أنواع الحياة.

لبيت لها النداء متأسفاً ورفضت أن تبقى حياتي بلا رؤية عقلية وسلام داخلي. لم أستطع الفرار من مواجهة نفسي وواقعي لأن أسوء تبدد لجهدي وطاقاتي وأقبح مفسد للذكاء هي العنصرية والتمييز على أي أساس كان سواءا العرق أو اللون أو المذهب. أنا أرى أنه السبب الذي أوصلنا إلى الحضيض النفسي والفكري والاخلاقي. كما وخلف أبطالاً مصابون بالطموح العدواني الهمجي كلما ضعفنا أكثر، كلما زاد إصرارهم على أن يبقوا أبطالا مهما أرهقتهم الأخطاء والخطايا. ترويضنا كان للعيش بالغابة لا للخروج منها. هنا أصبحت المسافة بين الإنسان الذي بداخلي وهؤلاء بعيدة جداً و بدأت بالبحث عن منطقة فاصلة، عن أرض لا قتال ولا اقتتال عليها ولا أبطال ولا مهزومين فيها. لا خارطة تدل عليها ولا بوصلة تحدد اتجاهها، ولا طاغياً يحكمها ولا فتنة تنبع بين سكانها. بلا أصول وبلا هوية هي أرض الجميع من جميع الطوائف بلا إستثناء ومقصدها الوحيد هو السلام ويعمها السلام. “أرض السلام” فوصلت الى منطقة شعرت بمزيج من الإطمئنان و الخوف عند دخولي لها، أرضها مليئة بالحقول المثمرة والتي أطفالها يلعبون في أرجائها وكبارها طيبون يقرأون الصحف ويلعبون الشطرنج، وطرقها أمنة مستنيرة. أثناء سيري فيها رأيت مجموعة من كبار السن جالسون فإقتربت منهم وسألتهم عن أصل هذه البلد و نشأتها فقال واحداً منهم يا بني أأنت زائر جديد؟

قلت له نعم فقال هذا بلد للجميع ويمكن أن يكون بلدك أيضاً. نحن هنا نعيش مع بعضنا البعض، لا نسأل عن دينك أو طائفتك أو أصلك أو من أي مكان جئت منه. لا يهمنا لونك أو عرقك أو كم من المال معك، نحن كلنا نأكل ونشرب من أرضنا ونساعد ونشتد ببعضنا البعض كإخوة، هكذا تعلمنا منذ الصغر، فترى المسلم يصلح منزل المسيحي وترى اليهودي يسقي الحقول مع الهندوسي وتجد البوذي يداوي الملحد. هذه الأرض هي أرض الجميع، أصبت بالدهشة حينها! و نفذت مني الأسئلة. قال لي يا بني قد حان وقت الغداء، نكمل حديثنا هناك، تفضل معنا على الطعام، ألست جائعاً؟. قلت له متلبكاً نعم، فذهبنا جميعنا معاً، لم أعرف أنهم يتناولون الطعام كلهم سوياً. عند وصولنا رأيت أهل القرية جميهم مجتمعين، نساءً ورجالاً واطفالاً وكباراً بالسن يتعاونون بتحضير مائدة كبيرة، فقد إعتادوا على ذلك منذ القدم , لم اعش في حياتي

لحظات غاية في الجمال وكان يعمها أحاديث ودية وضحكات طفولية وكأن كل منا يسري على فطرته. عند الإنتهاء من الطعام، دعاني شخص للنوم في منزله، ترددت كثيراً لكني لم أرفض فلا أملك مكاناً للعيش فيه. شكرته مرات عديدة ولكني لم أستطع النوم في تلك الليلة حيث شعرت بأن عقلي قد خرج من كهفه وبدأت أبحث عن ذات ملائمة وقوية وحرة ومتحررة من المرض والمعوقات، طفلاً كنت أو كهلاً أو حتى زائراً  كلٌ هنا يناظل للتفوق على ظروفهم، ليصبح مجالاً للتفوق ومناخاً ملائماً للإبداع. كفاح الظروف القاسية هو عمل الإنسان المتفوق للتفوق على ظروفه وعلى تكيفها تكيفاً حظارياً (أرض السلام)، لم تفقد إيمانها بإنتصار الإنسان وسعادته فيها.

شعرت بقدرتي على التغلب على أمراضي وعجزي وأصبحت قادراً على تحويل كل انفعالاتي إلى أفكار وإبداع وتوازن نفسي. أدركت حينها أنها الوطن والملاذ الأمن لإنسان عاش مثل معاناتي ولهذا جئتكم… جئت متطفلاً… جئت لاني مضطراً لأن أجيء، لأستمع لنفسي بواسطتكم. لم آتي ثائراً أو فدائياً أو شاعراً أو قارع طبول أو منشداً أو خطيبا ولا مبشراً للتفائل أو داعياً للتشائم. ولا تظنوا أني جئتكم لأنقض ديناً أو أدعو لغيره. كل الديانات ديانتي، إدعيني اليوم إلى مسجدك وغداً إلى كنيستك وبعدها إلى معبدك. لكن، دعنا نقيم صلاة ندعو فيها للألفة والتعايش والسلام، جئت أبحث معكم عن الوجه الآخر من الكون ومن الحياة والبشر. جئت أبحث معكم عن الحقيقة بكل احتمالاتها وأخطارها. جئت لنبني جسراً فكرياً يمتد إلى المستقبل لا حدود لإمتداده. نحول الطاقات المتجمدة إلى حركة وتغيير، هذا أنا ومن هنا جئت…

ختاماً، لقد بات المجتمع الإنساني المتعدد عرقياً وثقافياً والمتصالح مع هذه التعددية سمة للمجتمعات المعاصرة والمتحضرة. ويمكن للإختلاف الثقافي أن يكون فرصة للأمان والطمأنينة لا سبباً للخوف والقلق. من خلال بناء مؤسسات ونُظم تعددية تبني الإنسان التعددي المنسجم مع التنوع الثقافي، حينها فقط سيتم الترحيب بالغريب واحترام أفكاره وثقافته، بدلاً من رفضه وخسارته، وبالتالي بناء عالم أفضل للجميع وحينها فقط سنحلق من الحافة ولن نسقط.

 جمانة العويسات

                                                                                             

1 61