تدوينة التجربة التعلمية

تدوينة التجربة التعلمية

هذا العام حزمنا أمتعتنا من عدة بلدان لنلتقي باسم التنوع أو بالأخص “احترام التنوع” في إحدى دول العربية حيث اجتمعنا لنشارك ما لدينا من خبرات وتعلم. كانت الرحلة التعلمية مليئة بالمشاركات الغنية والأحاديث اللامتناهية عن كل شيء يجعلنا مختلفين. في البداية أود التنويه إلى أن هذه الفرصة جاءت للعديد من العرب والأوروبيين اللذين يعتقدون للوهلة الأولى أنهم لا يشتركون بشيء ليكتشفوا فيما بعد أن ما يجمعهم أكبر من الأشياء التي قد تفرقهم.

وضعت في أول أولويات خطتي أن أتعلم شيءا جديدا لأجد نفسي في النهاية تعلمت العديد من الأشياء التي لا يمكنني احصاءها. غالبًا، التعلم مربوط في داخلنا بما تراكم في حياتنا من قصص وروايات ومبادىء قد نكون تربينا عليها لنكتشف عندما نكبر أننا محصورون بهذه الأمور دون أن نرى غيرها. طبعًا إن سمحت لنا الفرصة بأن نتأمل بهذا فقد نفكر ونحلل ونتوقف عند نقطة ما.

 

لأن التعلم لا متناهي ولأننا بحاجة ماسة دومًا لما هو جديد، علينا أن نتعلم…

قررت في البداية أن استثمر بعض الوقت لأسترخي وأقضي بعض الوقت النوعي مع نفسي لأجد نفسي فيما بعد أحاول التواصل مع أحد المسرحيين، سيدة شاركت بشكل غير مباشر بتكوين حبي للمسرح. تمكنت من مقابلة السيدة والتي كان لها أثر كبير على المسرح وترجماته من العالمية إلى العربية. فنجان من القهوة وحديث ثقافي حول آليات المسرح واستخداماته في التعلم والتعبير وفيما يصب بعملي. تساءلنا كثيرًا وفكرنا سويُا كيف نجمع المسرح والتنمية فيما يخص الأطفال والشباب والتفاعل بين قضاياهم والحياة باستخدام الفن؟.

جاءني الكثير من الإلهام الغير مسبق التخطيط ومن هذه النقطة عدت بطاقة مسرحية جميلة تملأني قناعة أن مكاني هو خشبة المسرح أعبر فيها عن كل ما يجول بخاطري من أفكار وتساؤلات دون أية حدود أو قيود. في التسعة أيام التالية حاولت أن أستمع وأتعلم ووجدت نفسي أدخل في نقاشات وتساؤلات حول الكثير مما كنت أجهله ليثار فضولي مرة أخرى. في اليوم الأول من تدريب التنوع وجدت نفسي أتساءل لماذا أنا هنا وماذا أفعل؟ ما حجم الوقت الذي سأقضيه هنا وما حجم العمل المتراكم على أجندتي!

وبدأت الرحلة في اليوم الأول كنت أجلس صامتة أنتظر دوري لأتكلم ورأسي فارغ تمامًا! بدأت باحاديث مختلفة مع المشاركين وما أزال أضع قناع التساؤل والتعجب؛ ما الذي جمع 30 شاب وشابة ليخرجوا من روتينهم اليومي وحياتهم لمدة أسبوع ليتناقشوا بمواضيع عن التنوع؟! المجموعة متنوعة ومن عدة دول. لا أحد يريد التواصل، وإذا تم التواصل تم من باب المجاملات واضاعة الوقت.

هذا ما كنت أعتقده! واكتششفت غير ذلك في الأيام التي تلت. في لحظة ما يصبح كل شخص في الغرفة مسؤول عن أحكامه والتي يطلقها على الآخرين. ومن ثم يعلنها من خلال كلامه وهنا تحتدم النقاشات ومن ثم تهدأ الأحاديث حتى السكون. وما أزال أجلس في مكان ما أفكر ما الذي جعلنا وجمعنا نحن الثلاثين شخصا لنأتي هنا تاركين أشغالنا وأسرنا وحياتنا الاجتماعية؟! ما الذي يخرجني من مساحتي الآمنة لأجلس واسمع وأصدر كل هذه الأحكام؟

مع تزايد المهمات والعمل الجماعي بدأ الثلج بالذوبان وبدأنا برؤية أنفسنا بوضوح. تعلمنا الكثير… تعلمنا ما لا يجب أن نفعله، وكيف تقف الأحكام المسبقة في داخلنا. وأنها لا تخرج إلا على شكل تساؤلات امتزجت بنا وأصبحنا نحن جزءا من فكرة ما. مختلفين ولكن متواجدين مع بعضهم في نفس المكان! أصبحت الغرفة التي كانت مليئة بالصمت مساحة كبيرة تعج بالأصوات والإختلافات.

ما أدركته في لحظة عاطفية جدًا بسبب اعتراضي على قول أن الصمت لا يفيد وأن قيمة السؤال في التعلم تحمل الكثير وأننا حتى نتعلم علينا أن نكون واضحين صريحين وبأن عقولنا مليئة بالتساؤلات. والحلول البديلة بين الصور النمطية والأحكام المسبقة والممارسات العنيفة التي قد نكون جزءا منها أو تعرضنا لها. نجد أنفسنا بمكان ما ويجمعنا هدف إنساني وهو حبنا للتعلم وفي لحظات تقبلنا للتغيير وتقبل الواقع كما هو وحتى أثار العنف وأثار الحرب… كل بدرجته وبطريقته… كل بأسلوبه، سواء بالضحك أو البكاء أوحتى بالصمت أحيانًا.

هناك  قاسم مشترك بيننا، وما يجمعنا كبير وما يجعلنا مختلفين ومميزين كبير أيضا. كل شخص تعرض لموقف ما تتشابه فيه المواقف وتختلف في موقعها الجغرافي وفي طريقة التعامل معها. هنا تكمن قيمة التساؤل في التعلم والتي لا تقل عن أهمية الإستماع بتجرد وبضرورة وضع أنفسنا بمكان شخص آخر نتشارك معه تفاصيل هذه الأيام التي تبعدنا عن شيء ما والتي ستعيدنا محمّّلين بشيء جديد. لتنقلنا إلى عالم التفكر والمشاركة والتجربة التي عشناها في مكان ممتلىء بالألم وندوب الحرب والحب الواضحة في البناء الجديد للمدن القديمة في بيروت.

أدركت في هذه التجربة الواقع بمعانيه والتنوع والإختلاف الذي يضفي للحياة مزيجها الخاص من التحدي. جئت أحمل في جعبتي الكثير من القصص لأشاركها مع الآخرين. الكثير من المشاعر والصور النمطية المكسورة التي بنيتها وأنا داخل قوقعتي أحاول أن أنعزل عن العالم وكأني أريد النجاة من العالم! من الصعب جدًا أن أقول هذا الكلام لنفسي في تدوينة عن تأملاتي لكن فضولي حول كل حضارة وبيئة وإنسان رأيته في هذه الفترة الزمنية أصبح جزءا كبيرا من تساؤلاتي وتعلمي، اللذان بنيا من الأساس على التنوع. لينتهيا أو يبدأن من احترام التنوع والإختلاف، والإبتعاد عن أي صورة زرعت في رؤوسنا أو نحن من زرعناها في فترة ما ونحن في مرحلة تكوين أنفسنا.

لن تنتهي التدوينة، هنا ستبدأ بتفكيرنا بالتنوع وملاحظاتنا المستمرة حول التفاصيل اليومية، حول أراء الآخرين وأفكارههم وبمعرفة الأثر الذي نريد أن نتركه خلفنا في عالم مليء بالإختلافات. المشاركة جزء من المعرفة وجزء من التعلم والتطور، يجب أن لا نبخل عىل أنفسنا بأن نتساءل فقيمة السؤال كبيرة، حاولوا أن تجدوا مساحات مختلفة تدخلكم في الكثير من التساؤلات والأفكار التي تفسر الكثيرمما يجول في خاطرنا.

أدركت أن علينا أن نطلق ذاتنا باحثين عن مساحات للتعلم. قد نتعلم شيءا جديدا وقد نتعلم أن لا نقوم بشيء ما من الأساس وكيف يمكن للأشياء أن تتباين. كل ذلك يدخلنا في حالة من فهمنا لذواتنا وشخصياتنا، ومن هنا نكون قد فتحنا لأنفسنا المجال لأن نكون مختلفين ومميزين والأهم من ذلك متقبلين لذواتنا ولسنا منصاعين أو تابعين لشيء ما أو فكرة ما دون أن نعرف ما إذا كانت تناسبنا وتناسب وعينا الذاتي.

حملو أنفسكم التساؤلات واتبعوا فرص التعلم لأنه ومن المؤكد أن تعودوا بطاقة جميلة ومشاعر مختلفة وحالة ما تجعلكم قريبين من النضوج والعقلانية، كرسوا القليل من الوقت لأنفسكم ابحثوا عن ما يلهمكم وما يهمكم في الحياة، لا أحد يعلم، قد تعثرون على بدائل كثيرة لتحديات تواجهكم. حاولوا أن تفتحوا نقاش وتشاركوا ما تفكرون به مع شخص آخر، قد يكتمل هذا النقاش بالكثير من الإلهام وسيكتمل في مشاركتنا ما نعرفه أو نشعر به حول الإختلاف والتنوع والصور النمطية والأحكام المسبقة التي من المهم أن نقف عندها ونتأمل بمعناها وببدائلنا الإيجابية عن مثل هذه الأفكار أو الأفعال.

 

رند أبو ضحى

1 233