تعزيز موضوع الصمود “الممانعة” المجتمعية وتطبيقاته

تعزيز موضوع الصمود “الممانعة” المجتمعية وتطبيقاته

أولا: ما معنى مصطلح الممانعة المجتمعية؟

تعرف الممانعة المجتمعية على أنها توجه المجتمع على القيم التي شكلت الأمة التي ينتمي منها فقط والإقتصار عليها لاستمرارية الإنتاج الخاص فيه من حيث الآداب والأخلاق والعبدات والعدات والتقاليد.

تنشأ قيم الأمة من داخل الأمم، فتكوِّن عادات الأمم وأخلاقها وآدابها وروئيتها والأعراف الخاصة بالدولة، ويعتبر وجود قيم للدولة داعم لكي تؤثر الدولة بالدول الأخرى وتتيح لهم أيضاً التأثير فيها. ذلك أمر طبيعي بسبب تأثّر الدول بعلاقات الجوار ومخاطلة الشعوب الأخرى أو غيرها من الثقافات والحضارت التي تعيش معها في نفس المجتمع وتختلط فيها بشكل مباشر. يعتبر مدى تأثير الدولة في غيرها من الدول والثقافات وقدرتها على ترك بصمة واضحة وعلامة فارقة في غيرها من الدول معياراً على ما تتمتع به حضارة الدولة من قوة وأصالة وعراقة وتأثير فعال. تدل أيضا قدرة الدولة على التأثّر دليلا على قوة بناء حضارة الدولة ونسج قيمه من داخل هذا البناء الحضاري وتعتبر الأمم المنغلقة والتي تعرف بأنها الأمم التي لا تتقبل أن تأخذ أي تدخل أو تأثر من حضارات أخرى. يعد وجود أي معيار من معايير الأمم المنغلقة في نسيج الأمة يجعل منها عائقا أمام تطور الدولة وتقدمها وازدهارها وذلك بسبب حاجة الأمم للأمم الأخرى في سبيل أن تتطور وتصقل ثقافتها وموروثاتها الحضارية. حيث أنّ الحضارة عبارة عن إرث للإنسانية جمعاء اذ لايمكن أن نوكل بناء الحضارة لدولة واحدة أو مجتمع واحد فقط من دون باقي الدول الأخرى ومشاركتها في تكوين الحضارة الإنسانية العظيمة التي تحتاج إلى أن تتميز بالشمولية والتنوع والتعدد.

يعتبر هذا الأمر صحيح بشكل مطلق فيما يتعلق بجانب المعرفة والذي يندرج تحت مظلة الحضارة، والذي عددنا في السابق أهم عناصره المتمثلة في قيم الأمة. تكون قيم الأمة التي تتميز بالريادية والتميز ناتجة من التفاعل المشترك بين الأفراد في المجتمع والبيئة التي يتّسم بها المجتمع من دين ولغة وتاريخ وطبيعة جغرافية. هذه المعايير التي تكوّن معا أصول القيم وينتج عن هذا التفاعل ما يمكن التعبير عنه بأنه طبيعة تصرف الناس وتعاملهم ضمن البيئة الجغرافية التي طُبعت فيهم وانطبعو فيها وكوّنو من خلالها تصورات عامة شاملة لحياتهم بشكل بعيد الأمد.

كما اتفقنا سابقاً على العناصر التي تتكون منها قيم الأمة والتي هي عبارة عن مجموعة الآداب والأخلاق وتصور أفراد الأمة للحياة بشكل عام بما يشمل تمثّلاتهم الدينية والعرف المجتمعي لديهم والعادات السائدة. العامل الأساسي الذي يعجن كل هذه العناصر ويقوم بتقديمها بشكلها الأخير لكافة العالم هو بشكل رئيسي الدين العام الذي تتبعه الأَمه من حيث التعاليم وما يفرض عليهم فيه من اتباع نمط لباس معين وسَلام معين وطريقة تصرف معينة، كذلك فإن البيئة التي يعيش فيها أفراد هذه الأمة وما تعكسه عليهم وعلى طبيعة أجسادهم و لباسهم وحالتهم الصحية وقوة بيتهم بناء على الطبيعة العامة للبيئة التي يسكنون فيها والجغرافية العامة للمنطقة. أيضا، ما يشكل قيم الأمة هو التاريخ الذي تمتعت به المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها هذا المجتمع والذي يعكس طابع معين على أهل المنطقة وفقاً للتاريخ نفسه، وهذا يكون بشكل أساسي وفق ما يصل لأفراد المجتمع من قصص وأساطير عن تميز الأقوام السابقين بتجارة معينة أو عادات معينة أو انتصارهم في معارك معينة. كل ذلك يعكس صبغة خاصة على حياة وطبيعة تفكير الأفراد بما يشكل قيمهم المجتمعية، ولا ننسى تأثير اللغة في تكوين القيم العامة للأمم حيث تعتبر اللغة أكبر مؤثر على ثقافة الأفراد ومكونات إرثهم الثقافي واللغة التي تعطي أمتهم وحدة وتماسك وتجمعهم في مشاعر واحدة يعبرون من خلالها عن ما يجمعهم َكلِسان واحد.

تكون هذه المكونات المادة الخام لقيم الأمة، ومن المهم أن نعرف أننا كلما تفاعلنا معاً كأفراد نعيش على كوكب الأرض، ستتناقل مكونات الأمة وستتادخل وسينتج عنها تفاعلات تماما كما تتفاعل المواد الكيميائية مما سيؤدي إلى إنتاج قيم جديدة ومتطورة ولكن بشكل لا يتعارض مع الحقبة الزمنية التي طرئ فيها هذا التغيير بل سيكون تغيير تكميلي ومفيد في سبيل تطور الأمم كافة. عند نشوء قيمة من قيم الأمة بشكل مغاير للطريقة التقليدية المتعارف عليها في تكوين القيم الأمميّة، أي أن قيمة ما تكونت من خلال تأثّرها بدين آخر أو انعكاس تاريخي لمنطقة جغرافية أخرى أو مساق جديد متأثر بلغة أخرى غير لغة الأمة الأصلية؛ فإن ذلك سينتج قيمة أممية مغايرة لكافة مساقات المجتمع وتوجهاته مما سيحمّل المجتمع عبئ تبنيها أو التعامل معها كقيمة تعكس نظام الأمة بأكملها.

سيعاني المجتمع من أي قيمة وافدة إليه من بيئات وثقافات أخرى وذلك بسبب تقديسة للقيم المكونة لإصوله والقيم التي تأصّل وجودها بناءاً على تفاعل طبيعي للجغرافيا واللغة والمكان والدين والعادات والتقاليد. من الجدير بالملاحظة هو أننا عندما نرى احتضان من قبل المجتمع لقيمة مجتمعية من أمة أخرى أو ترسب إليه خُلُق جديد ناتج عن تأثره في أمة أخرى. وعندما نلمس تجاهل المجتمع لمناقضة القيمة الجديدة للنسيج القيمي الذي يتكون منه المجتمع والبيئة لديه وداخل أمته، فإن ذلك يدل على وجود شرخ في طريقة انسجام أفراد المجتمع مع قيمه الدينية أو التاريخية أو بيئته أو أي مكون من مكونات قيمه كمجتمع.

من وجود هذا الشرخ يمكن أن يتوالى قدوم القيم الجديدة التي تصنف بالقيم الدخيلة، والتي سوف تتجمع وتتكاثر وسوف تؤدي إلى ظهور الكثير من التناقضات في الهيكل المجتمعي. للأسف هذا سيكوّن صورة سيئة عن ارتباط المجتمع في جذوره وأصوله التي كونت النسيج القيمي الخاص فيه فسينتج مجتمع لا يعرف الإنتماء لأصل معين ولا لقيمة أصيلة من قيم الأمة التي ينتمي إليها. في الوقت الذي يعتبر فيه الإنتماء شرط أساسي من شروط تمتع الأمة بقيم فريدة ومميزة يعرف بها المجتمع ويتميز بها.

يمكن أن يتم تفاعل المجتمع مع قيم معينة دون أخرى، فعلى سبيل المثال يمكن أن يتفاعل المجتمع مع القيم التاريخية التي يتمتع بها ولا يتفاعل بالشكل نفسه مع القيم الدينية لديه كمجتمع. بالتالي سوف يؤدي إلى ولادة أخلاق جديدة غير مرغوبة وغير مستحبة في داخل المجتمع بالرغم من أنها نتاج المجتمع نفسه. يجدر الإنتباه إلى أن ثاني شرط يجب توافره في الأمة الرائدة والمتميزة والأصيلة هو أن يكون السلوك الإجتماعي لمجتمع هذه الأمة ناتج عن تكاملية القيم المكونة لها وأصالتها، إذ لا يمكن بناء سلوك مجتمعي سليم ومتسق مع ثقافة الأمة من فتات حطام ثقافات ومجتمعات وافدة.

من تعريفنا لمفهوم الممانعة أعلاه والذي تمكنّا من خلال فهمنا لمفهوم قيم الأمة أن نستوعب بدقة ماذا نعني باقتصار المجتمع على قيمه الخاصة وثقافته الخاصة، نستطيع أن نطرح الآن سؤال ربما بادر ذهن البعض، ألا وهو: هل تعني ممانعة المجتمع رفض قاطع للتأثر بالمجتمعات الأخرى؟ يمكن الجواب على هذا السؤال ببساطة من خلال الرجوع إلى تعريف قيم الأمة، حيث أن المجتمع الذي كون علاقة تفاعل رائعة مع القيم الأساسية التي تكون منها سيكون بحالة انسجام وتناغم وتطبيق مستمر لها مما سيؤدي إلى حصول فلترة أوتوماتيكية لأي قيم دخيلة وغريبة على هذا المجتمع، فتصبح القيم الدخيلة على المجتمع مندمجة في سياق هذا المجتمع ولكن بطريقة تجعل الجذور التاريخية للقيم الوافدة غير مشار إليها أو ممحية.

أهمية الممانعة المجتمعية؟

تعتبر الممانعة المجتمعية من أضمن الوسائل وأقواها للحفاظ على النسيج الإجتماعي للأمم، وحمايتها من التماهي والإختفاء مع قيم غريبة لا تنتمي للأمة ولا تعكس أصولها ولا أصالتها. من هنا تبرز الممانعة المجتمعية الطريقة الأفضل للحفاظ على قيم المجتمع الأصلية وحماية المجتمع حتّى من نفسه من إنتاج قيم غير متسقة مع الهيكل العام له نتيجة تفاعل المجتمع مع قيم دون أخرى.

علينا حماية مجتمعاتنا والإحتفال بكل ما فيها من أصول عريقة والتعرف على تاريخنا بشغف بهدف التمثّل بما فيه من عبر ودروس والإستفادة من خبرات وتجارب أجدادنا السابقين. كما علينا التشرف بلغتنا وبالتمتع بكل ما فيها من مصطلحات ومفردات ومرادفات وحفظها من خلال تعليمها لأطفالنا بشكل يحفظ لها الأولوية، فما أجمل أن نحتفي بمناسباتنا الدينية وأن نعرف جميع الأحداث التي كونت ثقافتنا الجميلة التي كونت هويتنا، والتي كونت ألسنتنا وطريقة لفظنا التي بكل فخر توحدنا! هذه الأمة التي تعكس هويتك كإنسان بجغرافيتها وبطبيعتها وبتضاريسها التي أيضاً انعكست على طبيعة بنيتنا و قوتنا وتكيفنا معها بكل ما فينا وكل مافيها.

روان العمد

0 45