تلوين الحقائق

تلوين الحقائق

 يقول كارل دويتش: الإعلام يشكل سلطة التأثير على العقل البشري، فهو المؤثر على الإتجاهات وأفكار الأفراد والجماعات على المستوى المتوسط أو البعيد

من المتعارف عليه في الإعلام أنه يجب البحث عن الموضوعية الكاملة أو الحرية من دون وجود حدود وضرب من الخيال أو المستحيلات. لكن، يبدو أن الحديث عن الموضوعية المطلقة هو مسألة عبثية، طالما وجد التمويل والملكية، وسواء أكانت للحكومات أو لرجال الأعمال.

 

ما هو التحيز الإعلامي؟

يعرف التحيز لغة من حاز الشيء ويتضمن معنى الجمع والتجميع وضم الشيء إلى أخره وكل من ضم شيئاً إلى نفسه فقد حازه وإحتازه. أما إصطلاحاً يعرف بأنه الحكم المسبق في موضوع أو قضية خاصة أو عامة عادةً تكون عن طريق تبني أو مساندة وجهة نظر أو عقيدة أيديولوجية. للإنحياز العديد من الأشكال منها الإنحياز الإنساني والأخلاقي والنفسي والعقائدي والتأكيدي وأيضا، الإعلامي وهو من أكثر الإنحيازات تأثيراً في المجتمعات بإختلاف  أعمارها.

من المعروف عنه بأنه تحيز ينتهك معايير الصحافة او تحيز ملحوظ للصحفيين ومنتجي الأخبار داخل وسائل الإعلام في اختيار العديد من الأحداث والقصص التي يتم الإبلاغ عنها وكيف يتم تغطيتها. ما يجعل من الوسائط الإعلامية أنها  تلجأ لمعابر التوجيه والتحكم في المادة الإعلامية خدمة لمصالحها الذاتية فتستخدم التحيز والتشويش وتحريف الأنباء وإستطلاعات الرأي والتضليل والغربلة.

 

ما هي أشكال التحيز في وسائل الإعلام؟

لا يوجد إقليم او دولة في العصر الحديث إلا وامتلكت كادر متكامل من الإعلاميين و وسائل الإعلام وهذا يدل على أهميته بين الناس ويؤكد أنه ذو تأثير كبير وأصبح جزء من الحياة اليومية من حيث تأثيره على أفكار الأفراد بإحاطته بالأحداث أولاً بأول. لكن، هناك جهات تقوم بتلميعها متغاطية عن سلبياتها -لا نختلف في أن هناك وسائل إعلامية تمارس الإعلام بمصداقية- بطرق مختلفة منها:

  1. التضليل بالإنتقائية المتحيزة التي تنتقي بعض الكلمات والحقائق والمصادر وتتجاهل الأخرى وتقوم بالتركيز على حقيقة واغفال الحقيقة الآخرى المرتبطة بها.
  2. التضليل بالتلاعب بالمعلومات وترتيب الحقائق بحيث تعطي معنى وانطباعات معينة ويتم تفسيرها بشكل معين يخالف الواقع.
  3. التضليل بإهمال خلفية الأحداث مما يجعلها ناقصة ومشوهة ولا يستطيع المتلقي فهمها وتفسيرها.
  4. التضليل بالمزج والخلط وعدم التمييز بين الأخبار من ناحية والرأي والتحليل والتعليق من ناحية أخرى فلا يعرف المتلقي هل هذا جزء من الخبر أم هو رأي الصحفي و وجهة نظره.
  5. التضليل بالمعلومات التي ليس لها علاقة بالحدث على حساب الحقائق المهمة.
  6. التضليل بالعناوين ومقدمات الأخبار المعتمدة على المبالغة والتهويل والغموض والمعلومات الناقصة مما لايتفق أحيانا مع مضمون الخبر أو المادة الصحفية.
  7. التضليل باختيار قضايا ومشكلات زائفة والإبتعاد عن قضايا أخرى تهم الجمهور وتساهم في تشكيل الوعي الصحيح.
  8. التضليل بإغراق الجمهور بمعلومات لاتهمه ولا يحتاج إليها مما يطلق عليه النفايات المعلوماتية.

 

أخلاقيات الإعلام المعاصر

إن الإعلام سلاح ذو حدين وهذا العالم ليس عالماً مثالياً يعمه السلام والعدالة و المحبة. يمكن أن يكون العمل لخدمة آراء وسياسات تابعة لجهات معينة لذا يجب على الصحفي أن يكون ملتزماً بالإستقلالية فالإستقلالية قيمة أساسية واضحة لأي صحفي وتعتبر ركيزة أساسية لتحقيق أهدافه. إن عدم التحيز يتطلب الكثير من التدريبات والتوجيهات للصحفيين مع فهم دقيق لمعنى الحياد وكيفية تطبيقه حيث أن تضارب المصالح واختلافها وتضادها يجعل من التضليل الإعلامي سلاحا فعالاً في الصراعات ولكن يتم ذلك عبر اسلوب القوة الناعمة التي تؤثر ببطء وعلى المدى الطويل دون أن يلاحظها الكثيرون.

يرى الصحفي ديفيد بروير، وهو مدير موقع الإعلام لمساعدة وسائل الإعلام (Media Helping) “أن التحيّز يعني توفر التوازن في القضايا والآراء وعكس مجموعة واسعة من الآراء واستكشاف وجهات نظر متعارضة وضمان عدم إغفال أي فكرة مهمّة من أن تمثّل”. يشدد بروير في مقال نشره على الموقع المذكور أن: “علينا أيضاً أن نكون مستعدين للسماح بحق الرد. وفي سعينا لعدم التحيّز، علينا ألا نفترض أن الأكاديميين والصحفيين والمشاركين الآخرين الذين أدخلوا في الموضوع ليوفروا التوازن والتعليق، هم في حدّ ذاتهم، محايدون”.

 

ما هو الإنحياز المعرفي؟

يقول غاندي: الإنسان ما هو إلا نتاج أفكاره، مايفكِّر به يُصبح ما هو عليه 

لا شك أن حياتك كلها هي نِتاج ما يدور ضمن حدود رأسك، فالتصرُّفات في المواقف المُختلفة، والآراء التي تتبنّاها في شتى أمور الحياة، وحتى طريقة التعاطي مع المعلومات المُتلقاة، كُلها عبارة عن أفعال مرتبطة في تفاعل مُباشر مع أفكارك ومُعتقداتك الأولى. بل يمكننا القول أنها بطريقة أو بأُخرى تكون نتيجة أو ثمرة لتلك الأفكار والمُعتقدات. أما الأفكار ذاتها فهي بطبيعة الحال حصيلة عدة مُتغيرات في معادلة النشأة الخاصة بالفرد، كالبيئة المحيطة والظروف الإجتماعية والعادات والتقاليد والمُعتقدات الدينية ومدى الإنفتاح على الثقافات المختلفة… إل. هذا يفسر الإختلافات الكبيرة والتنوُّع الفكري بين البشر وحتى اختلاف آرائهم وتصرُّفاتهم تجاه الموقف الواحد.

بطريقة أخرى، يمكننا القَول أن الإنحياز المعرفي هو الحكم من منظور واحد مما يؤدي إلى عدم الدقة في الحكم و تواجد أخطاء كثيرة. وهو موجه للأفراد الذين يميلون إلى الحُكم على الأشياء أو الأشخاص بشكل كُلّي، فهي برأيهم إما أن تكون جيدة تمامًا أو تكون سيئة تماماً.

ختاماً نحن نحتاج إلى التفكير الإيجابي والمنطقي في أوقات الأزمات والحروب والصراعات والأحداث الكبرى حول العالم. وعندما يشتد الهجوم على مصالحنا، عندها تزداد أهمية التفكير النقدي في التعامل مع وسائل الإعلام وضرورة تفعيل استخدام هذه المهارة. نحن أحوج من أي وقت مضى أن نقف ونفكر وأن نقوم بتقييم الأمور باستخدام أدوات المنطق في فحص المعلومات والأحداث والقيام بالمقاربات الصحيحة بين مكونات الأحداث. أما معاير التفكير الإيجابي والنقدي فهي الوضوح والدقة والمنطق السليم والصحة والثبات. من هنا نفترض أن ما لا يمكن قياسه أو فحصه لا يجوز أن يخضع للتفسير أو الإدراك أو الفهم وبالتالي، فأن التعامل مع أخبار وسائل الإعلام والمعلومات المقدمة منها ينبغي أن تخضع للفحص والتحقق منها إن كانت حقائق أو غير ذلك.

 

جمانة العويسات

0 52