ثقافة إفشاء السلام “التحية”

ثقافة إفشاء السلام… التحية

التحية و السَلاَم هي الصُلح والأَمَان: يعني أن نتصالح مع بعضنا وأن نأتمن على بعضنا، وهي تختلف بطريقة نطقها أو أدائها حسب المنطقة أو الحضارة أو القبيلة. يمكن التعبير عن التحية شفهياً (بالنطق) أو جسدياً (من خلال الإشارة). وعادة ما تتضمن خليطاً من الإثنين وهي الكلمات أو الأفعال التي نبدأ بها عند البدء بالحديث أو عند مقابلة الناس، فهنا دعونا نتحدث قليلاً في عظمة هذا الفعل ونتائجه وفضله…

أولاً من الناحية الدينية: فكل الديانات السماوية نزلت بها التحية، وذُكر فضلها وفضل من يبدأ بها، وأكثر ما نزل في القرآن الكريم وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فمِمّا نزل في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} [سورة النساء آية(84)]، وهنا أوجب الإسلام على رد التحية إن كان بأحسن منها أو بنفسها، وليس من الواجب أن تبدأ بالتحية ولكنها فعل مندوب، أي مستحب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، إِذَا كَانَتْ التَّحِيَّةُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ)[السلسة الصحيحة(252/2)] أي أن لا تُحيي إلا الذين تعرفهم، وهذا دليلٌ على إقتراب يوم القيامة، ولقد (مَرَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَجْلِسٍ وَفِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ)[سنن الترمذي] أي أنه لا تشترط التحية على من تعرف أو من يشبهك أو فقط على المسلمين، لأن التحية عامة لكل الناس والأجناس والأديان، ولا ترتبط بفئة معينة أو جماعة معينة، وهناك الكثير من الآيات والأحاديث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كانت بالأقوال أو الأفعال تبين فضل البدء بالتحية والرد عليها.

ثانياً من الناحية النفسية والجسدية: فإن التحية تزيد من الطمأنينة والمحبة والمودة بين الناس، وتريح النفوس والقلوب من خلال إلقاء التحية أو ردها مع القليل من التبسم. فقد تُغير يوم شخص كان يُعاني من بعض الهموم والمشاكل والأعباء المتراكمة، فكانت تحيتُك سبباً في التخفيف عليه. ومداومة التحية على من لا تعرف من أهل منطقتك أو بلدتك يزيد من دائرة معارفك ويسهل التقرب منك والتودد إليك لمداومة رؤيتهم لك. ومما تصنعه التحية المستمرة المتكررة تطور المشاعر لتصبح أفعالا لخدمتنا أو للدفاع عن بعضنا البعض، وهذه المشاعر أو الأفعال تبدأ ب:

  • بالإحترام: فالإحترام هو من أهم القيم التي يجب أن تكون لدى المجتمع. والتحية بأنواعها تزيد من قيمة الإحترام بين الناس لأنها لا تُفرّق بين الناس، فكل الناس سواسية في إلقاء التحية أو الرد عليها. ونحن البشر لا إرادياً إذا أتى شخص وألقى التحية علينا تلقائياً نشعر بأن هذا الشخص يجب أن نحترمه وأن نتواضع أمامه.
  • ثم الطمأنينة: فمع تكرار إلقاء التحية نصبح أكثر طمأنينة لمن يلقي علينا أو نلقي عليه التحية، لأنه مع التكرار نعتاد على هذا الشخص وعلى أسلوبه وطريقة إلقائه فنطمئن له.
  • ثم الحب: وهو الشعور الداخلي الذي يجعلنا نتقرب ممن حولنا، فمن تكرار إلقاء التحية أو ردها بأحسن منها يساعد على بناء المحبة بين الناس.
  • ثم المودة: وهو القيام بالأفعال التي تعبر عن حبنا وطمأنينَتُنا و إحترامُنا للشخص الأخر، من المساعدات وقضاء الحاجات وتلبية الطلبات.

قد تقول أن هذه الأربع درجات مبالغٌ فيها؛ أي أن ذلك يحدث من خلال إلقاء التحية؟! ولكن أقول لك بأن ذلك واقع ونصل إليه في كثير من الأوقات. وهي صفات  تحدث بإستمرار في جميع أنحاء العالم. الأفعال التي تأتي من الفطرة أي التي لا تحتاج لأي تكلف أو تعلم أو تدريب. وكل الأفعال الجيدة تبدأ بأقلها وأسهلها وأضعفها فـالشجرة كانت بذرة والبشر كانوا من ماءٍ مهين والقصور كانت بضع حجارة، فكل شيء يبدأ صغيراً قليلاً، فنُكَبِّرُه ونُزيده مع مرور الزمن، وهنا من خلال إلقاء التحية، تزداد الأقوال والأفعال الحسنة للوصول للهدف الأسمى وهو السَلام. فلذلك يجب أن نجتهد في إحياء “ثقافة إفشاء السَلاَم (التحية) وبذل الجهد للتواضع وللبدء بإلقاء التحية وردها على من نعرف ومن لا نعرف، فالتغير يبدأ مننا نحن ثم ننقله للآخرين. يمكنك أيضاً العودة إلى مقال “هرم المحبة” لفهم بعض المصطلحات المكتوبة في الأعلى…

 

مقال ليوسف سميك

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

0 110