حبيسة نفق محدود

حبيسة نفق محدود

 

تقوقع الأفراد على أفكارهم وأرآئهم وعدم تقبل أفكار الغير الأخرى، ومع مرور الوقت ستعتقد بأنه لا وجود للرأي الآخر إلا الرأي الذي تعقتد أنت بصحته ومن دون أن تتعرض لأفكار جديده أو تيارات مخالفة لتيارك الخاص. مثلا، الأم التي تحرص على تربية أبناءها في بيئة مثالية ومتوافقة مع أفكار البيئة المباشرة المحيطة، ولكن، عند أول فرصة لخروج أبناءها الى العالم الخارجي قد يتعرضون إلى صدمة.

الإنترنت جعلنا أكثر تواصلاً وأيضا أكثر إنغلاقاً على أنفسنا وخيارتنا والأشياء التي نفضلها. تحول كيان السوشيال الميديا المحيط بنا إلى غرفة صدى هائلة بحيث أصبحنا نناقش وجهات نظر متماثلة مع أشخاص لهم نفس عقليتنا ورغباتنا. نعجز على نحو بائس في إختراق دوائر إجتماعية أخرى والتي غالبا ما تعمل على نقل صورة خاطئة ومنفرة  بسبب الخوف أحيانا وبسبب عدم إعتياد الإختلاف أحيانا أخرى. من الممكن تشبيه غرفة الصدى بالشجرة. لنتخيل أن الجذور هي فقاعات الترشيح وأن الأفكار التي نفكر بها دائما ونؤمن بها وفي البال دائماً. 

الكل ينتعني بلقب أم الشامات هذا اللقب يشعرني بالإنزعاج

ذات مره كنت أجلس في جامعتي مع أصدقائي وإذ بأحد الأصدقاء يصفني “بصحن المجدرة”! حينها شعرت بشعور غريب جداً وأنا بالأصل يضايقني هذا الموضوع؛ “الشامات”. ذهبت وأنا منزعجة بعدها جلست مع صديق أخر وسألني ما بك سردت له ما حصل، فشبه لي الشامات وكأنها نجوم منثورة على وجهي حينها تعمقت في التفكير وقلت لنفسي لماذا لم أفكر بهذا التشبيه من قبل؟ هل كلام الناس الدائم عن تلك الشامات كان مزعاجا جدا بالنسبة لي؟ هل سبب كرهي لتلك الشامات هو بسب كلام الناس؟ بالفعل كنت أحصر نفسي بفقاعة التي بها فقط كلام الناس الذي يرن في بالي دائماُ!

الإنترنت يمكنه إطلاق عقلك كفراشة تهيم في حقول الأزهار، أو أن يجعلك تتقوقع في شرنقة ضيقة تزدحم بأنفاسك.! ولكن أنت من يختار، والإنترنت هي وسيلة لذلك فقط! الكثير منا حصر نفسه في غرفة الصدى لترديد قناعاته مع أشخاص يشبهونه ويقابلها غرفة أخرى لأشخاص يختلفون عنه… وفي كلا الغرفتين، يعيش الأشخاص في في عالمين مختلفين… فنحن لانرغب كثيرا فهم وسماع الآخر أو حتى الإعتراف به!

مثلأ فكرة الهاشتاج وانتشار إستخدامه عبر “تويتر” يعد من الأمثلة الجيدة التي تشرح غرف الصدى. عندما تحتشد الجموع وراء أرآء محددة أو عند تنخدق مجموعات في الفضاء الإلكتروني مما يؤدي بعد فترة من الوقت إلى تطرف في أفكارها.

السجين يعلم بأنه مسجون ويعلم من هم سجانوه


هذه الأفكار المكررة التي تصل لنا تعزز من إنحيازنا الذاتي. نحن نتلقى المعلومات التي تعزز فينا القناعات التي نميل إليها وعندها سترسخ في عقولنا وقلوبنا وتصبح أي فكرة لا تندمج مع ما ننحاز إليه مرفوضة. بذلك يصبح المستخدمون كمن يسمع صدى صوته في غرفة فارغة! فيخسرون قدراتهم على الحصول على الرأي الآخر الذي ربما يكون أقرب إلى الصواب.

إذاً، كيف نخدع تلك الخوارزميات حتى نخرج من فقاعات الترشيح و الأفكار المكررة؟ بكل بساطة علينا تصفح بعض المواقع والتي ليست بالضرورة تتوافق مع أفكارنا من وقت لآخر فنحن حتما سوف نخدع خوارزميات فقاعات الترشيح ونقلل من تأثيرها علينا وحتما سنكون أكثر إطلاعا.

يمكننا تعريف فقاعة الترشيح على أنها عزلة فكرية يمكن أن تحدث عندما تستفيد مواقع الويب من الخوارزميات لتحمل المعلومات التي تفرض على المستخدم مشاهدتها وبشكل إنتقائي ثم تعطي المعلومات للمستخدم وفقاً لهذا الإفتراض. تلك المواقع تجعل من هذه الإفتراضات قائمة على المعلومات المتعلقة بالمستخدم مثل سلوك النقرات السابق ومثل سجل التصفح و سجل البحث والموقع. ولهذا السبب من المرجح أن تقدم مواقع الويب فقط المعلومات التي تلتزم بنشاط المستخدم السابق وبالتالي، يمكن لفقاعة الترشيح أن تجعل المستخدمين يحصلون على إتصال أقل بشكل ملحوظ مع وجهات النظر المتناقضة مما يؤدي إلى أن يصبح المستخدم معزولا فكرياً.

تعتبر نتائج البحث المخصصة من جوجل وتدفقات الأخبار المخصصة من فيسبوك مثالين لهذه الظاهرة. كلنا نفعل هذا السلوك من نقر، نسخ، لصق و مشاركة  ويبدو الأمر بريئاً جداً لكن الكثيرين من غير المطلعين أو غير المهتمين بالقوى التي تؤثر على ما نراه عبر الإنترنت وكيف يؤثر المحتوى علينا في المقابل وهذا له الكثير من العواقب.

غرف الصدى تفترض أن كل شخص يفكر مثلنا وذلك بوسعه أن يؤدي إلى حدوث تحيزات وإختصارات معرفية مما يزيد من تأثيرها السلبي على قدرتنا على التفكير بطريقة منطقية وفيها شيئ من التحليل. المزيج من الدليل الإجتماعي والتأكيد على التحيز والإمتعاض من عدم  الإعجاب بنشورتنا وإعادة النشر لها من قبل قائمة أصدقائنا. كل ذلك أدى وجود فقاعات الترشيح  وتحول الى قلق واسع النطاق وهنا يكتب بارسير:

تتطلب الديمقراطية من المواطنين رؤية الأشياء من وجهة نظر بعضها البعض لكننا بدلاً من ذلك نقف أكثر فأكثر في فقاعتنا… تتطلب الديمقراطية الإعتماد على الحقائق المشتركة، بدلاً من ذلك نحن نُعرض ككواكب متوازية ولكن منفصلة… تلقن أفكارنا الخاصة وتضخم رغبتنا في أشياء مألوفة وتتركنا غافلين عن المخاطر الكامنة في منطقة مظلمة مجهولة.

نحن نسحب الي فقاعاتنا الخاصة خصوصاً على وسائل التواصل الإجتماعي محاطين بأشخاص يشبهوننا ويتتشاركون نفس النظرة. وبصورة متزايدة أصبحنا نؤمن بفقاعاتنا لدرجة أننا بدأنا نتقبل فقط المعلومات سوءاً اكانت صحيحة أم لا! والتي تناسب آراءنا بدلاً من الإستناد في آراءنا إلى الأدلة والحقائق.

كيف يمكننا تجنب فقاعات الترشيح؟

عن طريق إستخدام متصفح يحظر الإعلانات وأيضا، تحويل التركيز من الترفيه إلى التعلم من خلال التصفح على الإنترنت. يعطينا نيكولاس كار أيضا بعضا من الأدوات الجديدة في كتابه أنت: تمكننا من العثور على المعلومات والتعبير عن أنفسنا والتحاور مع الآخرين… كما إنه يحولنا الى فئران مختبر يضغط بإستمرار على الأذرع للحصول على الغذاء الاجتماعي و الفكري.

يضيف باريسر بأن العالم الذي تم إنشاؤه من المألوف هو العالم الذي لا يوجد منه شيء نتعلمه.

كيف يمكنك تجنب غرفة الصدى؟

قد يبدو الحل صعباً، فربما هو السهل المممتنع، بداية من الإستعداد النفسي بعدم التصديق التلقائي فإذا قرأت منشورا عبر مواقع التواصل الإجتماعي حتى لو كنت تشعر أن المضمون صادق. فقد لا تكون كذلك فالمسألة ليست في الشعور بل في الأدلة المادية والعقلية. أيضا، قم بقراءة التعليقات والتحليلات المنطقية، لكن الأهم قراءة ما هو مكتوب ووضعه تحت عين بصيرة وفطنة وقم بتفحص عناصر المنشور. أما الأسهل فهو البحث  فيعلى محرك البحث جوجل عن مصدر المعلومات. لكن أغلبنا لا يفعلها بحجة ضيق الوقت رغم أنه يمضي ساعات في قراءة المنشورات. 

علينا أن نكون واعيين بوجود غرفة الصدى وإلا سنبقى حبيسين في نفق محدود ومما يعني أننا ضحايا تحيزات أجبرنا عليها.

رنا إبراهيم أبو هيظ

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

4 494