حجر النُقيفة الذي أسقط عامود دواسة الحفاظ

حجر النُقيفة الذي أسقط عامود دواسة الحفاظ

يجري التحقيق مؤخراً في قضية العامود الذي أشغل المسرح الممتلئ عن آخره! يتسلل البعض لرؤية ماذا يحدث في الداخل من الباب الخلفي المؤدي إلى الكالوس قبل الخشبة. يطلُّ هذا الباب على الشارع وساحة الحصار التي يتجمع فيها العامة يتضورون جوعاً وعطشاً، يسقط أحدهم مغشياً عليه، ولم يكن هنالك ماء إلا في المسرح بالتحديد، الذي يتواجد فيه المحققون وبعض أفراد الشرطة للكشف عن الدلائل والبراهين والوصول إلى صاحب الحجر والنُقيفة. ممنوع دخول الشعب إلى هنا، القضية أهم من أن يموت أحدهم في الخارج، الأهم أن نعرف ما الذي حصل.

شهق المسكين آخر أنفاسه مغادراً رفاقه الذين لم يتسنى لهُم الحزن عليه، يا إلهي يموت الناس ولا أحدٍ ليهتم أو يدرك. الكل يبحث عن سببٍ للحصار الذي داهمهم، لا يعوفون حتى من حاصر من! الذي يدركوهُ تماماً هو أن الأحجار قد أغشتهُم من مجهول! لسبب أيضاً كان مجهول والكل يهاجم الكل. الفنان الذي جهّز نفسه لعزف مقطوعاته هُنا، في هذا المسرح بعد أن جهزها في بيته.

يحضّر الموسيقار طارق الناصر عام ١٩٩٠م مقطوعة “الحُلم” لفيلم “دُفلى” الفيلم السينمائي الأول في الأردن خارج الإستديوهات الذي سيتم تحميضه في العراق بلد التطور والحضارة حينها. “الدُفلى” نسبةً إلى شجرة الدُفلى التي تأكلها حتى الأغنام من شدّة مرارتها وهي نادرة الوجود، لكنها وجدت في الأغوار وسيل حسبان في ناعور، ذات وردةً جميلة زهرية اللون، تحسبها صابرةً على العطش لكنها عكس ذلك، فهي تعيش على مجاري السيول والمياه. 

هكذا أراد المُخرج الراحل “هايل العجلوني” أن يكون إسمه.

الجمهور والقائمون على هذا، الكل ينتظر الطارق لإطلاق معزوفته لإدراج الفيلم والعمل عليه كإنجازٍ غير مسبوق. يدخل المسرح ليلتقي بآلته “البيانو” حبيبتهُ المفضلة، ليبدأ فعل ما تعوّد عليه، العزف والتقسيم، لم يخرج صوتاً كما أراد له أن يكون… 

تصمتُ الموسيقى الآن وتتصدع ملامح الموسيقار المنغمسة في أجواءه الخاصة. 

ما الذي حدث هُنا؟!

قُطِع عامود بدالة الحفاظ الخاصة بالصدى.

يجري الآن إخلاء المكان ودخول الشرطة والمحققون، حجرٌ قد طرق شُبّاك المسرح ليستقر في قلب هذا العامود الذي سقطَ ولم يعد قادِراً على الإستمرار أكثر. الحُزن يعمُّ المكان، لا أحد يفهم ما الذي جرى، ولِم قضى العامود، ولِم مات الرجل في الخارج، وما بال الحصار؟!

يستمرُ المحققون بالبحث في مسرح الحادثة، ويتوقف العجلوني عن صناعة فيلمه “دُفلى” الذي كان للموقف نصيباً من مرارة تلك الشجرة. ويحزن الطارق على أوتاره وعاموده هذهِ اللحظة وعلى موسيقاه التي ما عُزِفت بعد.

تُحال القضية غداً وملفها إلى القاضي، ليطّلع عليها ويصدر الحكم وما زال المحققون يكشّفوا عن ملابساتها التي أثارت الضجة في نفسي عندما سمعتُ بالقصة. الحجر قادمٌ من الحدود العربية، التي توترت فيها الأمور وزادت الشحنة والبغضاء بين الأخوة العرب حينها.

“الحربُ  تنقفُ الموسيقى والسلام” القاضي يقول.

لم يكُن لأحد أن يتخيّل حدوث هذا، الحصار ما زال في البلد والناس مشوّشة التوتر يزيد، والكل ينتظر الإفراج من هذا السجن الكبير. الكابوس الذي حلَّ على البلاد لا يُستفاق منهُ أبدا، إلا أن ينطق القاضي حُكمه. تُعلق القضية وينتظر الجمهور النُطق فيها.

بعد أكثر من ستةَ عشر عاماً من توقفها وتوقف دُفلى الذي إنتهى تماماً ولم يعُد ينطق ثانيةً؛ طارق الناصر قد أكمل مشواره بعدما أصلح البيانو وعمل على الكثير من الموسيقى والمؤلفات وجدد في الموسيقى العربية، إذ لُقِب بعدها ب “موزارت العرب”. يجيء يوم الثلاثاء الموافق٢٥/١٢/٢٠١٨م ، وينطقُ القاضي بالحكم، حكمت المحكمة بعزف “نور” على خشبة مسرح هيا الثقافي، الذي سيجمع الجمهور من كل أطيافه وألوانه، لسماع “فرقة رم” على رأسهم الموسيقار الطارق وتقول نور:

هُنالِكَ دائماً نورُ لِنَجْمٍ يَرْفَعُ الظُلُماتِ عنَا هُوَ مَسْتورُ

هُنالِكَ دائماً قُوَّه تُرافِقُنا وتُدْرِكُنا ونَحْنُ على فَمِّ الهُوَّه

هُنالِكَ دائماً حُبُّ يُفاجِئُنا بِدِفْءٍ غيرُ مُنْتَظَرِ إذا ما أقَفْرَ القَلْبُ

هنالك دائما نَسْمه تَهُبُّ على جُرُوحُ الروحُ حتى تَنْجَلي الغُمّه

ونحنُ نعيشُ ما ينفّكُ يحرُسُنا ويلمِسُنا بِلُطْفِ غامِضٍ ما ليسَ مَرئِيّاَ ..

وإِلّاّ …………. ما الذي يُبقي الفتى حيَّا..!

كلمات الشاعر “حسن عبدالله”.

 

ويُكمل بعدها الناصر بعزف “حُلم” الموسيقى التصويرية لفيلم الدُفلى البائد، والجمهور الفرِح يكاد أن يهبُّ إلى عنده حيث يُغني إيهاب ورفاقه من عدي ومحمد، ولعلَ أغنية “يا علّا” جعلت سقف المسرح وجوانبه تهتز من شدّة الموسيقى وأصوات الجمهور التي عانقت الغيوم الماطرة، ينتهي الحفل الرائع، ويذهب الجمهور مشياً تحت المطر، من هو وحبيبتهُ والختايرة الفرِحين، الشبان الذين يدندنون موسيقاه أنا الذي مضيتُ أشقُّ طريقي إلى مأدبا وأكاد أن أركضُ أسرع من سيارة الأجرة التي إستقليتها، حتّى صاحب السيارة يشغلُ لي “المجوّز” وما سمعت منهُ سوى آخر “أعطيني الإيجار هسا عشان أعبي بنزين”.

تنتصرُ الموسيقى هذا اليوم على الحرب، ويبتسم الجمهور لما قالهُ طارق، إذ يحكي لنا عن الموسيقى في دورها على حث السلام في النفوس ونشر ثقافته، وبعد أن قال لنا قصته التي أثرت بيّ وألهمتني لأكتب ما تقرأهُ الآن. إذ كان يتحدث وعيناهُ تلمع من شدّة الموهبة، ويضل يمسح على رأسه من كم المؤلفات التي تحملها تلك الرأس العبقرية. ما قلتهُ وخلتهُ في نفسي أن المنبت واحد، بيني وبينه شراكة الفكرة وإختلاف الطرح في نشر الحُب والنور ” بين البيانو والقلم”.

ما زلتُ امشي في الشارع ليلاً بعد أن أنزلني سائق سيارة الأجرة وأُدندن “يا علّا يا لقاطات السمسم، يا علّا خلي السمسم بإجراسه”… وإذ فجأة أتذكر أن لي باقي نصف دينار عند ذلك الذي ذهب.

ضحكتُ على سوء ذاكرتي، وعرفتُ حينها أن الموسيقى تُنسيك الأشياء التي تضجُّ بها الحياة وتدعوك لأن تكون مع نفسك بهدوءٍ وطمأنينة، وتبعثُك إلى وطن السلام. كأن تكون في الشارع وتضع سماعتيك، لن تسمع من قال كذا أو كذا، تمضي من وسط المُجمع دون أن تنزعجَ من صاحب الزامور الذي لا ينفكَّ عنه.

إنها اللغة التي نفهمُها جميعاً في هذا العالم ونتفقُ عليها أيمّا اتفاق. إن الأديان تحتوي القراءات العديدة بالأصوات الموسيقية والمقامات كُلها، وأجراس الكنائس أيضاً، علينا فقط أن نعي ما معنى أن تكون الموسيقى طريقة عيش ووسيلة للحياة، سلام.

 

محمد العجارمة 

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

6 1029