حدث في قرية العال

حدث في قرية العال

قبل عام من الآن أو يزيد تحدث مشكلة في قريتي العال التي راح ضحيتها شابان بعمر الزهور. تجيء سيارات الدرك والشرطة لتغطي المكان جميعه والكل في مكانه، أغلقوا المنافذ، سدوا الطرق، قد يأتون بأي لحظة لأخذ ثأر دم أبنائهم. كل هذا وكل التواجد الأمني لم يكفي ولم يمنع أهل القرية من تدجيج أنفسهم بالأسلحة والذخائر تحسباً لأي طارئ قد يحدث.

أول يوم، في الساعة الثانية عشر ليلاً، يرن هاتف أحدهم “إسمع هي أهل المذبوحين جايين صاروا على إشارة العال، ديروا بالكم” ويغلق الخط. يُوزع هذا الخبر على الجميع لينتشروا فوق أسطح المنازل والبيوت وكُلٌ سلاحه مشنوقاً في يده، ما أن تمر مجموعة سيارات قد يبدأ الجميع بإطلاق النيران عليهُنَ لحماية القرية والناس فيها. وينتظروا لأكثر من ثلاث ساعات وما كان لأحدٍ أن يأتي، جاء الفجر “شباب حدا ينام وحدا يضل صاحي عشان الحماية”… وهكذا إلى أن يأتي الليل عليهم. الشاب الأول توفي على الفور، أما الآخر فهو بصحةٍ جيدة وخرج من حالة الخطر.

وفجأةً يأتي الخبر الصاعق “الولد الثاني مات قبل شوية”… ويقول أحدهم “يلا إنتشروا هسا فورة دم وغير يجوا يطخوا ويحرقوا، يلااا”… فزّ كلٍ إلى مكانه ومثلما حدث في اليوم الأول، يرن الهاتف بنفس الوقت والمشهد “هيهم إجوا لحقوا حالكم”… 

وما كانوا ليأتوا هؤلاء الذين أُبتليوا أبنائهم الأخوة. هكذا جرت الحياة لإسبوع بالتمام والكمال، لا نوم لا هدوء ولا شيء سوى التفكير بكيف سنتصدى لتلك الجموع التي ستأتي. أذكر في إحدى الليالي أن مرّ رجلٌ بسيارةٍ غريبة عن المنطقة، بعد دقائق من نفس المكالمة التي تأتي بالأخبار أنهم قادمون للهجوم. بدأوا بإطلاق النار نحو السيارة ثم هرب السائق بإعجوبة. يا له من بارع ومحظوظ، هرب الرجل ولم يعُد، وبعد أن جاء الصباح لنسأل عن القصة ونكتشف أنهُ رجل غريب عن المنطقة وقد أخطئ بالطريق، حتى أن إحدى الطلقات إستقرت في الباب بجانبه، يا إلهي! كاد أن يموت الرجُل! هذا كله بسبب تصديق المكالمات التي كانت تأتي من المجهول لتدب كلماتها في النفوس وتشحنها.

ذاتهم الذين يصدقوا تلك الأكاذيب يذهبون إلى صلاة الفجر في المسجد؛ ويقرأ لهم الإمام في الركعة الأخيرة الآية الكريمة: {يا أيُها الذين آمنوا إن جاءكُم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} “سورة الحجرات، آية٦”. لم يعي أحدهُم في حقيقة الأمر معنى تلك الآية التي تنهي عن تصديق الأكاذيب وكُل ما يقال، دون التبيُن والإستكشاف، وما وراء هذا الخبر أو ذاك! وتجد أنه شاع وإنتشر لغايات في نفس قائله، حتى في وسائل التواصل الإجتماعي تجد نفسك أمام أخبار مجهولة المصدر، الغرض منها التوجيه نحو شيء ما أو عمل معين. فتُبنى الآراء على أساسها ويتم مناقشتها ومشاركتها من المعظم لتصبح شيئاً رائجاً موضوع على أساس الكذب والأقاويل المُلفقة، وعن هذا يقول مارتن لوثر “الكذبة كُرة ثلجية تكبر كلما دحرجتها”. 

من أجل ذلك يجب علينا أن لا ندحرج تلك الكرة بقصد أو دون قصد وأن لا نصبح شركاء في صنعها وتصديرها للآخرين، ونبتعد كل البعد عن هذا الوسط ودحضه قدر المستطاع. إن نظرية القطيع herdbehavior تدخل في الكثير بخصوص تلك الأخبار المزيفة. إذ ينشر أحدهم هذا الخبر ويشاركه الآخر وتجد أن المعظم بدأ بفعل هذا دون معرفة السبب حتى! أو يسأل إن كان الخبر صحيحاً أو خطأ… فجأةً تجد الآراء قد تشابهت وإنضم القطيع لبعضهِ بعضاً، وصاحب الخبر والغرض ينظر إلى نفسه بفخر، كيف إستطاع أن يجُر هؤلاء كلهم خلفه ليحققوا ما أراد؟!

وهذا يقودنا للنظر إلى الموضوع من الناحية الأخلاقية والأمانة الإعلامية، فهذا يندرج تحت الأفعال الغير أخلاقية التي من هدفها تشتيت الناس عن الحقيقة. وأيضاً تؤثر بشكل مباشر على الجانب الإقتصادي في حياتنا مثل أخبار النشرة الجوية، وأذكر أني قد كتبت على هذا قصيدة تقول:

فتحت فيسي وإنبهر فيسي

خبر الحالة الجوية

ثلجة عامة طامة قوية

رنيت على أحمد فتحية

تعال بسرعة اللحظة هذيّة

نشتري خبز وكاز وغاز

من كل شي طن وشوية

هاتي ذهبك لأجل نبيعه

ونرده بعد الشتوية

الثلج يوصل متر وثلاث

هاتوا نبيع سجاد وأثاث

أشياء زاكية ومشوية

برد وثلج ورعد وريح

وأنا مش شايف غير الريح

بس الخبر مية المية

والي حط خبر الثلجة

الله يحاسبه على النية

مكانش عارف إنها حتشمس

وأنا قاعد ع الصوبة وأحمص

مرتي تقللي طلع كذاب

يوم الثلجة كيوم ب آب

إفتح برادي هالدار

الشمس طالعة ومضوية

يا حسرة على الذهبات وباقي الراتب

مين حيصرف لآخر الشهر مين حيحاسب

طلع الخبر الي قرأته قبل الثلجة خبرٌ كاذب

بس من كذبة وحدة صغيرة

صفيت وصفت جيبتي سالب. 

هذا الذي حدث بالفعل، وقد كانت تجارب حقيقية، لهذا لو تحققنا من صحة الخبر أيّاً كان، سيكون الفرق شاسع بين الحقيقة والكذب وكل ما يترتب عليهما. أما فيما يخص الحياة السياسية، هذا وللأسف نجد البعض يعمل لأغراض محددة من خلال بث الأخبار الكاذبة لإستغلال الأزمات السياسية لمصالح معينة. لأن للإعلام بالصورة العامة دور كبير في هذه الأزمات إن كان بالحل أو زيادة التوتر، لهذا نجد من يعمل لحساب أحدهم لخدمة أجندة خفية لا نراها ولا نعلم عنها ولكن إن لم نكن على وعي كافي سوف نخدم هذه الأجندة ونصبح أشخاص هدّامين دون أن نشعر بهذا.

الحضارات الناجحة والعظيمة بالصورة العامة تُبنى على أساس الصدق والوعي ومحاسبة الجميع دون أي تمييز. لهذا علينا جميعنا أن نقف ضد هذه الأخبار وملفقيها من أجل أن نعيش بوطن أفضل وأقوى، حتى لا نقع بالمطبات التي من دورها أن تدمر. أو تنشأ خطابات وأزمات بين الشعوب، وأن لا نزيّف الحقيقة وتكون الأمانة النابعة من الخوف على مصالح الناس ومشاعرهم. وأن نتعامل مع التكنولوجيا الحديثة بالشكل الأمثل ولا تكُن نقمة علينا، فهي سلاح ذو حديّن الأول مفيد والآخر قد يقتل ويضر، فكم من خبرٍ كاذب صال وجال ونبت على جثث الأطفال والنساء من الحروب والنزاعات، أليس هذا بظلمٍ كبير؟   

مقال لمحمد العجارمة

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

Related posts مقالات ذات صلة
3 269