حدث في ليلة ممطرة

حدث في ليلة ممطرة

ذات ليلةٍ مُمطرة وأنا في ضيافة الصديق أبو جورج، نجلس في مكتبه الخاص لنناقش أوراق العمل، في زيارتي لهُ أردت أن نكتب بعض المنشورات أيضاً التي تدعو أهل القرية إلى النظر في تجربة الأندلس التي سأرويها لكم فيما بعد، حضرتُ أنا الطابعة وعبئتها بالحبر وكل شيءٍ على ما يُرام. ذهب إلى المطبخ ليُحضر لي كوباً من الشاي، وفي هذه اللحظة وقعت عيني على ورقة مُلقاة على الأرض، ملفوفة بشريط أسود. إنحنيت لألتقطها وفككتُ ذلك الشريط وبدأتُ أقرأ ما احتوته. وهنا كانت المفاجأة! أحدهم قد بعث لهُ برسالة تهديد ووعيد!

الأمر الذي أقلقني جداً وغيّر ملامح وجهي. دخل ثانيةً أبو جورج وكنت أنا قد أعدتها كما كانت ملقاةً على الأرض بنفس لفتها. لم أخبرهُ أني عرفت لكي لا يشعُر بالحرج. وسرعان ما ذهبت من عنده، بحجة أني نسيت المدفأة موصولةً  بالكهرباء لأذهب وأتفقدها وأحمي بيتي من أن تلتهمهُ النار وأنا في غفلةً عنه. تركت شايُه الدافئ وذهبت في عجل نحو صديقي أبو عيسى الذي ما أن سمع حتى إستشاط غضباً وزاد إنفعالاً، حتى أنه لم يسأل بعد من صاحب تلك الرسالة. قمت بتهئدته لنفكر ونخرج بالحل وبينما أقوم بهذا خطرت في بالي الفكرة!

 

– إسمع أبو عيسى إيش رأيك نصير نحط إله رسالة كل يوم على باب بيته، والرسالة من مجهول!!

– وشو بيها الرسالة؟

– رسالة حُب، مليانة سلام، المجهول يكتب كُره وإحنا نواجهه بالحب… شو رأيك؟

 

سرعان ما وافق أبو عيسى وسرعان ما بدأنا العمل تجهيزاً لرسالة الصباح المُهداة إلى صديقنا أبو جورج، الذي كان يبدو عليه الخوف والوجل من قبل. جاء الصباح وتسللتُ أنا وأبو عيسى إلى باب بيته لنضعها هناك ونذهب لقصاء يوم العمل ونُكمل يومنا الطبيعي الذي كُنّا نفكر فيه عن مشاعر أبو جورج تجاه ما سيقرأهُ في رسالتنا التي كان نصها عبارة عن أبيات شعر حُر باللهجة المصرية التي إكتسبتها عندما ذهبتُ إلى الأزهر لأُكمل تعليمي هناك وكتبت:

يا شايل الفرْح في قلبك

يا مدينا الأمان والحُب

سلامي إليك من عيسى والعدنان

سلامي عليك من الجايع ومن الفقران

يلام وأصلك من السُنّة ومن طهران

وييجي مية مليون سلام أنا طالبك

وميّتنا تلف وتدور وفي الآخر

في دِلتانا تجي وتصُب

بحق الرب والقرآن

بحق الفُسحة والجيران

إلا إحنا نكون إخوان

إمسكلي بإيدك المُصحف

وأنا أشيل عنك الصُلبان

 

تقابلنا في المساء على القهوة المجاورة في نفس قريتنا لنرى أبو جورج آخر، بشوش الوجه مرتاح الملامح، ويسأله أبو عيسى:

– شو يا أخوي أشوفك اليوم سعيد إيش القصة؟!

– ما في غير الخير، اليوم وصلتني حاجة عظيمة الحقيقة.

– قلت أنا: هذا إلي نريده والله.

ليرُد أبو عيسى ويسأل ثانيةً:

– إحكي إلنا يا رجل ايش الموضوع؟!

– مو الحين تعرفوا مو الحين  “رد مبتسماً”

نظرتُ إلى أبو عيسى ولسان حالي يقول: شايف كيف، نجحت الخطة…

ومضينا بالحديث ثم ذهبنا برفقة أبو جورج إلى السوق ليشتري بعض الملابس الجديدة للإحتفال في عيد “الكريسمس”. وبقينا نفعلُ هذا كُل يوم برسالةٍ جديدة، حتى أعجبنا الموضوع. المجهول ينشرُ الخوف والكُره ونحن نشارك الحب والفرح. حتى بدأنا بفعل هذا من أجل أهل القرية كلهم. في الليل نُجهز الرسائل وفي الصباح الباكر نتسلل لنضعها على أبواب البيوت ونذهب للعمل وبهذا إستطعتُ أن لا أجعل النار تشتعلُ في بيتي وتحرق كل ما فيه وأُشرد. من هُنا بدأتُ أُكون مصطلح “الرسالة البديلة” أو الخطاب البديل التي بدأت ترسمُ مساراً جديداً لحياتنا في القرية، التي سميناها فيما بعد ب “القرية السعيدة” التي تنعمُ بالحب والسلام.

فالخطاب البديل هو النص والصورة أو الفيديو الذي لا يواجه الكراهية والعنف وجهاً لوجه إنما هي كفتيّ ميزان ومن واجنبا نحن أصحاب العقول المُفكرة والمنتجة أن نجعل كفّة الحُب تميلُ أكثر بإثرائه في رسائلنا ورقيةً كانت أم منشورة إلى العالم كُله على وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة مثل فيسبوك، تويتر وغيرهم. وكما يُقال “أن تُشعل شمعة، خيراً من أن تلعن الظلام” وبهذا نستطيع أن نعزز ثقافة السلام التي نريد ان تعُم العالم أجمع وأن يدخل في كل معاملاتنا بشتى الإختلافات ولعل أهمها الدينية والعرقية، القائمة على الكثير من التاريخ البائد دون النظر إلى مستقبل هذا الكوكب الذي نعيش.

 

أعزائي القُراء؛ يوجد لكم رسالة كتبها كوكب الأرض ويقول فيها:

بِلهجة الحنين والشوق الذي يلفهُما الكثير من الحُب أُقرأكم السلام؛ وبعد…

هذا الفصل الذي تعيشونه الآن ليس بالضرورة أن يكون فصل الشتاء، رُبما دموع السماء على ما يحدُث لبشاعة المنظر من القتل والتخريب والدمار. أدعوكم لأن يأتي الربيع من صدوركم وأن يُطلع العِرق الأخضر بالذي تفعلون. إنشروا الفرح فوقي، فباطني ممتلئٌ بالجثث، والحُزن يأكل قلبي ولا يُعزيني في هذا إلا أن أُحافظ على ما تبقى منكم أبنائي وأحبابي وأن يأتوا أولادكم وأحفادكم على وجهي يمررون أصابع السلام من فوق عيني ويمسحوا بالحب على رأسي بأن إطمئني يا جدّة. البعض يجهل معنى أن ينشب الخلاف وسط أبناء أحدهم وينتشر الكُره وكل أسباب النزاع، هذا يعني أنه سيقف مكتوفي الأيدي، والألم ينتشر في جسده كالصحراء في جسدي، كم كان قاسياً هذا، أتمنى أن ينتهي هذا وأشعلوا الشمعة لا أن تلعنوا الظلام، والسلام”.

كانت هذه بلسان حال كوكبنا الذي شاخَ وكبُر، تُذكرني هاتهِ الرسالة عندما كان أخي صاحب مشاكل في المدرسة، كان يقول له أبي يا عمر!

أنا أصبحتُ رجلٌ كبير وما عدت أطيق الذهاب إلى المخافر من أجلك، أو تأتيني مفوح الرأس “فتّح مُخك مشان الله”.

كُل هذا يحضُّنا على أن نكون أكثر رفقاً ببعضنا البعض. ليس فقط أن نمنع أنفسنا من الأذى الجسدي إنما ننتبه كثيراً لما قد يخرج منّا على شكل خطابات أو نقاشات تهدف إلى الإساءة وشحن النفوس، وأن لا ننجرَ خلف أي متبني لتلك الخطابات التي تحضُّ على الكراهية والعنف، بل أن نكون أصحاب مبادرة حقيقية لنشر السلام ونرعى الإختلافات أجمع. ليس هذا فحسب، هذه دعوة مني لنرى كيف من الممكن أن يثري مجتمعاتنا هذا الكم من الألوان والأطياف في الآراء والمعتقدات وأن نجعل من أوساطنا بيئة خصبة ولديها من شتى الموارد الفكرية والثقافية، إذا لهذا الأثر الإيجابي الكبير على كل الجوانب والمجالات في حياتنا إقتصادية كانت أم إجتماعية وما إلى ذلك. فأوصيك قارئي الجميل الذي أكملت هذا كُله بأن تكون الشمعة ذاتها وتكتب هذا على الصفحات الخاصة بك على مواقع التواصل الإجتماعي أو في الجريدة خاصتك.

بلاد الأرض أوطاني

وكل من فيها إخواني

فلا قاصي ولا داني

ولا جائع ولا عاني

بلاد الأرض حُب وخير

يزقزق في سماها الطير

لا غُربان ولا في غير

كل الناس هنا إخواني

أختم هذا بدعوة للسلام الحقيقي الذي ينبُع من إيماننا الكامل بأن هذا العالم للجميع، لأن كُل الأديان، المعتقدات والمبادئ الإنسانية ومنظومة الأخلاق تحُض على إحترام الآخر وتقبلهُ كما هو دون أن تشعر بأن تغير الجميع حسب ما تراهُ صحيحاً، والسلام.

إبداعات محمد العجارمة

تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

Related posts مقالات ذات صلة
8 500