حكم الغالبية

حكم الغالبية

 

كثيرًا ما نرى جماعات مسالمة لا تحب العنف ولا تريده وجماعات أخرى تفتقر إلى المعارف الضرورية لكيفية تحقيق مطالبها وطموحاتها أو حتى أحلامها وتعمل وفق القول: “بمشي جنب الحيط وبطلب السترة” غير مكترثين بإحتجاج البعض لإستبعاد شخص ما من العمل السياسي وما إلى ذلك ماداموا راضين عن مستوى معيشتهم وطريقة عيشهم. وجماعة وضعت نفسها على الهامش وهمها أن تكسب قوت يومها ولا تهتم بالسياسة وليس لديها خلفية سياسية وتقرأ من الجريدة حالة الطقس فقط إن أمكن ويطلق على هذة الفئة “الأغلبية الصامتة”. 

إن المعنى الأصلي لتعبير الأغلبية الصامتة يشير إلى “الأموات” حيث ورد هذا التعبير في سياق وصف القتلى من الجنود في حرب طروادة وكانت بمثابة تعبير لفظي “مات”؛  مثل القول “ذهب إلى عالم أفضل أو انضم الى الغالبية الصامتة”. هذا الوصف دقيق للأموات حيث أن عددهم يفوق بكثير عدد الأحياء فعندما تكون الأغلبية أموات يسهل علينا نحن الأقلية من الأحياء الحديث وأخذ القرارات والأحكام  بالنيابة عنهم.

إستخدم الرئيس الأمريكي الأسبق “ريتشارد نيكسون” مصطلح الأغلبية الصامتة من عالم الأموات واستثمره في عالم الأحياء عندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع إحتجاجاً على الحرب في فيتنام حيث ألقى الرئيس خطاباً يؤكد خلاله أن الأغلبية الصامتة من الشعب الأمريكي يقف إلى جانب الحرب في فيتنام. المواطنين الأمريكيون الذين دعموا سياسات الرئيس “نيكسون” لم يكونوا صريحين أو نشطين لذا اعتبرهم” أغلبية” ووصفهم بأنهم سلبيون للغاية ولا يجعلون وجهات نظرهم معروفة واستمر باستخدامها في خطاباته بعبارات أخرى تصف المعنى مثل “الأمريكيون المنسيون أو الامريكين الهادئون. يستخدم مصطلح الأغلبية الصامتة لأغراض سياسية حيث يتم إستعماله في العديد من الدول وبالأخص خلال الفترات الإنتخابية. تعرف هذه  الأغلبية  على أنها أفراد أو جماعات أو شعوب من غير النشطاء السياسيين ومن غير أعضاء الأحزاب السياسية. لا تنخرط كتلة الأغلبية الصامتة في المظاهرات أو الإعتصامات إلا في أضيق الحدود. أحد أهم صفات الأغلبية الصامتة أنها كتلة وسيطة لا تتبنى آراء متطرفة يميناً أو يساراً بشأن القضايا السياسية أو الدينية أو الأخلاقية. الأغلبية الصامتة لا وزن لها ولا سياسي يتذكرها إلا عندما يحتاج إليها لإثبات أو لتحقيق غرض ما.

ربما ما يجعلها تصمت هو خوفها فالخوف قوة تقيد المرء. قد يكون لها تأثير كبير في حياتها حيث تمنعها عما ترغبه وتجبرها على ما لا ترغبه. كما وتعيق من تقدمها وتمنعها من تطوير إمكانياتها فهي السبب الأول والأخير الذي يمنعها من إعلاء أصواتها و هذه مشكلة مزمنة تتخلل داخل أغلبية الناس. عدم قدرتك على رؤية الحل لا يعني عدم وجود حلول. تلعب وسائل التواصل الإجتماعي أدوار كبيرة في المجتمعات  فقد أعادت تشكيل الساحات الإعلامية وغيرت قواعد اللعبة إلى درجة كبيرة وأتاحت مساحات واسعة للتعبير والحوار المتبادل . هناك 3 مليارات شخص حول العالم يستخدمون مواقع التواصل الإجتماعي أي ما يعادل 40%  من سكان العالم وهذا دليل كافي على أنه فتحت فرص التعبير عن الآراء على نطاق واسع مما سبب بإزدحام وجهات النظر المختلفة وإطالة المناقشات حول المواضيع الجدلية. وهنا تسللت هذه التكنولوجيا لهذه الفئة وأصبح من السهل خوض مختلف الأحاديث وطرح الأفكار والآراء الشخصية بالقضايا بإختلافها إن كانت سياسية واجتماعية أو اقتصادية.

على سبيل المثال في عام 2008 قامت فتاة تدعى “إسراء عبد الفتاح”‘ كانت تبلغ من العمر 30 عاماً من خلال موقعها على الفيسبوك بالدعوة الى اضراب سلمي في 6 ابريل احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية في مصر وسرعان ما لقيت دعوتها إستجابة من حوالي 70 ألف من الجمهور والنتيجة أن الإضراب نجح وأطلق على إسراء لقب “القائدة الإفتراضية”. ومنذ عام ونصف قامت حركات المعارضة ببدء توعية أبناء المحافظات والقرى ليقوموا بعمل إحتجاجات على سوء الأوضاع في مصر وبعد حادثة “خالد سعيد” قام الناشط وائل غنيم وعبد الرحمن منصور بإنشاء صفحة “كلنا خالد سعيد” على مواقع الفيسبوك يدعون فيها المصريين إلى التخلص من النظام وسوء معاملة الشرطة للشعب وأدت هذه الثورة إلى تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011. لذا فإن خروج الأغلبية الصامتة للتظاهر هو مؤشر خطير فلولا الدور الحاسم للأغلبية الصامتة في مصر لسقطت مصر في دوامة من الصراع الحزبي ومستنقع من الصفقات السياسية الغير الوطنية وهنا يكمن الدور المهم الذي قامت به منصات التواصل الإجتماعي لإخراج الأغلبية الصامتة عن صمتها.

تأثير خطاب الكراهية على هذه الفئة

خطاب الكراهية يؤثر بشكل أو باخر على هذه الفئة ويعرف بكونه عبارات تؤيد التحريض على الضرر (خاصة التمييز أو العدوانية أو العنف) حسب الهدف الذي تم استهدافه وسط مجموعة اجتماعية أو سكانية. تكون هذه المجموعات عادة من الضعفاء فكرياً وثقافياً وسياسياً، بمعنى آخر فئة تفتقر إلى آلية تفكير مستقلة قادرة على استبدال العقل بالأوهام والوساوس. الأغلبية الصامتة تستجيب الى خطابات الكراهية والعنف بطرق غير مباشرة مما يضاف إليها الشكوك الدائمة اتجاه الجهات المسؤلة وبالتالي إلى ما نراه من حركات قائمة في بعض البلدان وصلت أحياناً إلى التدمير الذاتي والبقية دورها آتي لا محالة ما لم تتعظ قبل فوات الأوان. 

وأخيراً رسالتي إلى من يعنون أنفسهم ناطقين بإسم الأغلبية الصامتة ويدعون تمثيلها كونوا منصفين في توجيه انتقاداتكم والابتعاد عن مهاجمة الاشخاص على أساس عرقهم أو لونهم أو ديانتهم أو جنسهم وتشجيع هذه الفئة على مشاركة أفكارهم وآرائهم فلكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ولا شك في ذلك ولكن، هل لكل إنسان الحق في عدم التعبير عن رأيه أيضا؟

 

 جمانة العويسات

1 487