حلُ العُقدة

حلُ العُقدة: النظرة التاريخية على تنوع الجمهور

منذُ الأزل تختلف طبائع البشر وتوجهاتهم حيث تأثرت هذه الطبائع المكونة لشخصية الفرد الواحد بطبائع المجموعة أو الجمهور الذي ينتمي اليه. كذلك يكتسب الإنسان القوة, فهو كائن إجتماعي بطبيعته لا ينفصل عن التفاعل بطريقة ما مع أبناء جنسه. لطالما كان الإنتماء إلى جمهور ما يرادف مفهوم القوة والقوة مرادفها السلم والرفاه. كذلك هي فطرة الإنسان التي تقتضي أن يكون ضمن جمع من الناس يوفرون له الحماية. هذه هي السيكولوجية النفسية للفرد حيث لا يمكن “حتى في حالة الصمت” البقاءُ حياديًا تجاه المواقف العامة بين جمهورين. ففي أعماق القلوب يجب أن يكون هناك رأيان نقيضان ويجب الإختيار بينهما. يمكن تشبيه هذا بالعدوى الوجدانية؛ عدوى مشاعر الإنتماء على وجه الخصوص. كل ذلك زاد من أهمية التواصل الإجتماعي في طرح الأفكار والدفاع عنها باستخدام وسائل كسب التأييد الإجتماعي. إنه السعي  لتوسيع دوائر التأثير مهما كان حجم الموضوع أو أهميته.

تنوع الجمهور الجديد

بتأثير واضح؛ أدت وسائل الحداثة والرقمية دورا مهما في تعميق روح الجماعة لدى الناس وذلك بسبب النمط التفاعلي لهذه الوسائل وسهولة الوصول إلى البيانات والأخبار. أصبح الإنحياز اوضح في مواقف الناس وتأثرهم برأي الجمهور الخاص بهم ويتمثل ذلك بالتفاعل الإيجابي والسلبي ضمن الجمهور الواحد أو مع الجماهير الأخرى، هناك ثلاثة أنواع من ما يعرف بالجمهور الجديد:

  • جمهور الغالبية: وهو الجمهور الذي يريد بذل أقل جهد في القراءة والتفكير. يميل هذا الجمهور للتفاعل مع الأخبار المصورة والفيديو ويتفاعل غالبا باستخدام الملصقات واحيانا لا يتفاعل مطلقا ويوصف بأنه مشبوب بالعاطفة وقابل للإثارة والتهييج بسهولة.
  • الجمهور العملي: وهو الجمهور الذي يمتاز بالنشاط المدفوع بتحقيق الغايات ويسعى دوما للتميز  والقيادة, يميل هذا الجمهور الى بذل اقل جهد في التفكير  والتأمل, لكنهم يستخدمون كل الوسائل المتاحة لتطوير انفسهم والوصول الى اهدافهم, بما في ذلك التأمل والقراءة وغيرها من النشاطات الفكرية.
  • جمهور الثقافة(الأقل انتشارا): وهو الجمهور الذي يهتم بالأفكار وصناعتها وتكوينها. يمتاز هذا الجمهور بالعمق الفكري ويبذل جهدا في القراءة وتحليل الأحداث والأخبار. 

  كيف يتفاعل الجمهور الجديد؟

يتفاعل الجمهور الجديد مع المحتوى ضمن مواقع التواصل بطرق عدة منها:

  1. التعليقات النقاشية: حيث يقوم الفرد بتوضيح وجهة نظره بالمحتوى كما يدافع عن رأي أو يقوم بتفنيد آراء الآخرين وقد يتخذ صفة الإستهزاء في بعض الأحيان على المواضيع المطروحة.
  2. التفاعل الصامت مع الخبر او المحتوى بالإعجاب أو الغضب أو الحزن أيضا، قد يتخذ التفاعل صفة الإستهزاء أحيانا على المسائل والخطابات المهمة.
  3. الإعلان عن منتج ما إستهلاكي مثلا.
  4. مشاركة المحتوى على الصفحات الشخصية وضمن الرسائل الخاصة ويعد هذا التفاعل قويا نسبيا فهو يعبر عن التأييد والإهتمام كليا في مضمون المحتوى أو الرفض الكامل للمحتوى.
  5. التعليقات السلبية والتي لا معنى لها ولا هدف منها.
  6. الحظر و الإبلاغ عن المحتوى أو المستخدمين ويرجع هذا لوجهات النظر والخلفيات الثقافية المختلفة للفرد الواحد.

قد لا يتفاعل الجمهور بسبب الخوف والجهل وهما العاملان الأساسيان في التزام الصمت من قبل الفرد المتلقي. الشعور المضاد للأمان والخوف وهو ما لا يبحث عنه الفرد في منصات التواصل الإجتماعي. قد يكون خوفا يتعلق بالعقائد أو بالمذاهب أو بالدين أو بالسياسة. الجهل هة العامل الأوسع والأكثر تأثيرا وينبع من الأمية الحقيقية أو الأمية الرقمية. إن هذان العاملان يرتبطان ارتباطا وثيقا بالرفاه والراحة كما يعتقد الفرد على مستوى شخصيته كفرد وعلى محيطه الضيق من عائلة صغيرة فلا يهمه التأثير على المجتمع ولا صنع القرارات ولا بناء رأي عام.

إن طبيعة التفاعل القائم على الإنسان-الشاشة هو علاقة تمتاز بالصمت، كأن العين تتحد مع الشاشة، القراءة والمشاهدة فعلان صامتان يُرى في هذه الشاشة الجديد والمبتكر والممتع فيما لا نبقى إلا صامتين. قد يكون هذا سببا يؤدي إلى قلة التفاعل البشري الفعلي بين الأقارب والأصدقاء كما يؤدي إلى قلة التفاعل الرقمي أيضا. لذلك تساهم شاشات الهواتف على تعميق روح الصمت بطريقة تؤثر على حياتنا ونشاطاتنا الفعلية في الحياة الواقعية. إنها تكنولوجيا تهدف إلى الترفيه بالدرجة الأولى ولديها الخطط و المعطيات التي تشد الناظر إليها لساعات طوال، بحيث أنها اعطت الحرية الكاملة للفرد لاختيار المحتوى الذي يريده دون فرض قيود أو محتويات معينه كما في التلفاز والوسائل التقليدية الآخرى. هذا شكل سقفا عاليا من الحرية على مستوى الفرد المستخدم وحريته هذه تؤدي به إلى التفاعل أحيانا أو الصمت فقط في أحيان أخرى. 

كتاب المحتوى وهوس زيادة التأثير

غالبية كتاب وصناع المحتوى يحملون مبادئ ووجهات نظر ودوافع لنشر محتواهم على منصات التواصل الإجتماعي فهي البيئة الأمثل لنشر الخطابات الحاشدة ويستخدمون أساليب المناورات والخطابات المبطنة لإيصال أفكارهم للناس وكسب تأييدهم كأنهم رسامون على لوحات بيضاء يلونونها كما يشاؤون. كل ذلك يصب في هوس زيادة التأثير على الجمهور بشتى انواعه. الخطورة تكمن في المبادئ والأفكار التي يحملها كتاب المحتوى إن كانت تتضمن عنفا أو كراهية بالإضافة إلى ذلك، الخطورة الكامنة في الأخبار الكاذبة وفيما يؤدي إلى رفض الفرد المثقف الواعي للمشاركة الفعالة إلى زيادة السلبية الواضحة. ويتوغل المجتمع في نقاشات سلبية صامته لا يتحدث فيها إلا الجهل و الشر وبذلك فإن النتيجة الحتمية هي تسميم أفكار الناس وزيادة القطبية الفكرية والأكثر تأثرا هم مجتمع الغالبية ذي الجهد القليل والتي تتحكم به العاطفة ويؤجج بأقل الكلمات.

تفعيل الدور المجتمعي 

مما سبق من حديث, وَجَبَ علينا التفكير بضرورة ابتكار خطاب بديل يهدف إلى توضيح أهمية المشاركة الفاعلة في إبداء الرأي بطريقة صحيحة. يمكن ذلك من خلال صناعة إعلام هادف لتوعية الناس بضرورة إسماع صوتهم. والمشاركة في نبذ خطابات الكراهية والتطرف والعنصرية وكذلك المشاركة في عملية صنع القرار من سنٍ للقوانين وممارسة ضغط إيجابي وسلمي لإحداث تغيير على المجتمع قياسا على الحملات المبذولة في  تشجيع الناس على الإدلاء بصوتهم في الإنتخابات البرلمانية. وبذلك يتحول الخطاب البديل إلى خطاب ممنهج ينتخب فيه الخير ويعزز فيه حس المسؤولية الإجتماعية تجاه المجتمع والوطن، وكما قال الدكتور أحمد خير العمري:

حسابات باني الحضارة لا ترتفع فقط عن ال “أنا”… نحو ال “نحن”… بل هي ترتفع حتى عن ال “نحن” المحصورة في زمن ضيق… لتصل إلى كل الأجيال اللاحقة…

تعزيزا للحقيقة والصدق الذي ينبع من صميمنا وفطرتنا الصحيحة النقية… لَنرجو  أن تحل عقدتنا ولنرجو أن نتخذ على أنفسنا عهدا بأن لا نبقى صامتين.

 

إيمان أبو مقرب

3 998