رحلةٌ إلى المجهول

رحلةٌ إلى المجهول

نحو مستقبلِ مجهول الهوية، يقف حسين مع صديقه طارق بمنتصف الليل حاملين حقائبهم الصغيرة على ظهروهم منتظرين صافرة انطلاق الرحلة المحفوفة بالمخاطر. أطلقت الصافرة من قبل المهرب وهرع مايقارب 80 شخصا للصعود على ظهر قارب خشبي صغير لايتحمل في أفضل حالاته نصف هذا العدد! وكما يقال فإن الغريق يتعلق بقشة، فقد كان هذا القارب بمثابة القشة التي يبني عليها حسين آماله وأحلامه بعد أن هرب من جحيم الحرب والموت في بلده. تحرّك القارب نحو وجهته، وبدأت الأدعية والصلوات من قبل الجميع. مضى أكثر من ساعة على انطلاقنا، كان كل شيء على مايرام إلى أن وقع ما كنا نخشاه جميعا، فقد بدأت مياه البحر بالتسرب إلى داخل القارب شيئا فشيئا، وبدأ القارب ينخفض مستواه داخل هذه المياه التي لا ترحم أحدا. أطلق الأطفال والنساء وحتى الرجال العنان لدموعهم ولصرخاتهم، إلا حسين، الذي أخذ زاوية منفردة وأخرج من جيبه دفترا صغيرا وقلما وكأنه يكتب وصيته أو رسالته الأخيرة. على عجل وبسرعة كبيرة أنهى حسين مابدأ به ووضع دفتره في حقيبته وجلس وهو ينظر لصور والدته وعائلته وكأنه يودعهم الوداع الأخير في انتظار الموت المحتم. فقد فشل حسين في تعلم السباحة عندما كان صغيرا وكأنه كان يملك يقينا داخليا أنه لن ينجو في رحلته هذه هذا ما قاله طارق وهو يرثي صديق العمر الذي لم يقوى على مقاومة مياه البحر والصمود لمدة أطول لانتظار النجدة التي جاءت متأخرة والتي فشلت حتى في العثور على حقيبة حسين وإيصال وصيته أو رسالته للعالم.

تعرَّف الأمم المتحدة المهاجر على أنه “شخص أقام في دولة أجنبية لأكثر من سنة بغض النظر عن الأسباب سواء كانت طوعية أو كرهية وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة للهجرة سواء كانت نظامية أو غير نظامية. إلا أن الإستخدام الشائع للكلمة يتضمن أنواعًا محددة من المهاجرين قصيري الأجل مثل عمال المزارع الموسميين الذين يسافرون لفترات قصيرة للعمل بزراعة منتجات المزارع وحصادها. ووفقًا لاتفاقية 1951 بشأن اللاجئين، يُعَرَّف اللاجئ على أنه كل شخص ”يوجد خارج دولة جنسيته بسبب تخوف مبرر من التعرض للإضطهاد لأسباب ترجع إلى عرقه أو دينه أو جنسيته أو إنتمائه لعضوية فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، وأصبح بسبب ذلك التخوف يفتقر إلى القدرة على أن يستظل بحماية دولته أو لم تعد لديه الرغبة في ذلك“.

يقسم اللجوء إلى أربعة أقسام رئيسية تبعا للإحتياجات و أسباب اللجوء، فمنها ما يعود لمعتقدات دينية ومنها ما يعطى لشخصيات سياسية بارزة، وهي اللجوء الإنساني، واللجوء الديني، واللجوء السياسي، وأخيرا اللجوء الإقتصادي وقد تم وقف العمل بهذا النوع من أنواع اللجوء بحيث يغني عنه اللجوء الإنساني. يعتبر اللجوء الإنساني الأكثر شهرة بحيث أنه لا يقتصر على مجموعة معينة من الناس، والذي يتم بطريقتان، إما عن طريق تقديم طلب لجوء في مطار الدولة التي يصل إليها الشخص. أو بالدخول لها وتقديم طلب اللجوء من خلال مراكز اللجوء الموجودة فيها. والطريقة الثانية، من خلال اللجوء الى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتقديم طلب اللجوء فيها، وغالبا ما يكون اللجوء عن طريق المفوضية إلى كندا، أو بريطانيا أو أمريكا أو بعض الدول الأوروبية مثل هولندا.

تدفق مئات اللاجئين سيرا على الأقدام في مقدونيا بإتجاه الإتحاد الأوروبي

في سياق متصل، تختلف وتتنوع أسباب اللجوء الإنساني لدى الأشخاص، فمنها ماكان بسبب الخوف على الحياة وذلك عند شعور الشخص المتقدم للجوء بخطورة العيش في بلده الأصلي  وعدم قدرته على الحياة فيها وذلك لعدة أسباب منها ما كان عرقي أو ديني أو رأيه أو أصله القومي. ومن تلك الأسباب أيضا تعرض الشخص لاضطهاد سابق في الماضي، الأمر الذي سبب له ضررا كبيرا على المستوى المستقبلي وليس من الضرورة وجود الوخوف على حياته، على سبيل المثال، رؤيته لاحتراق أو مقتل أحد المقربين منه أو تعرضه للإختطاف وما إلى ذلك.

يعود إنشاء المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية من أجل مساعد الأوروبيين الذين شردهم الصراع. في تاريخ 28 تموز  1951، تم إعتماد الإتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين وعديمي الجنسية، والتي صادق عليها 145 دولة والتي تحدد مصطلح “لاجئ” وتوضح حقوق اللاجئين إضافة إلى الإلتزامات القانونية التي تقع على عاتق الدول من أجل حمايتهم. في 16 كانون الأول 1967، تمّ توقيع بروتوكول الخاص بوضع اللاجئين والذي أزال الحدود الجغرافية والزمنية الواردة في إتفاقية عام 1951 والتي تكن تسمح بموجبها إلا للأشخاص الذين أصبحوا لاجئين نتيجة لأحداث وقعت في أوروبا قبل 1كانون الثاني 1951 بالتقدم لطلب الحصول على صفة لاجئ.

وعن أعداد اللاجئين في يومنا هذا، فقد أظهرت الأرقام التي نشرتها المفوضية السامية للاجئين بتاريخ 19 حزيران 2019 إلى وجود 25.9 مليون شخص لاجئ في العالم مع نهاية عام 2018، وبزيادة وصلت إلى 500,000 شخص عن عام 2017. يشمل هذا العدد 5,5 مليون لاجئ فلسطيني ممن ينضوون تحت ولاية الأونروا وهي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وعلى الجانب الآخر، فقد تم تسجيل 3.5 مليون طالب لجوء على مستوى العالم في نهاية عام 2018.

يتمثل التحدي الأكبر لدى المجتمع الدولي في مساعدة اللاجئين للإندماج في المجتمعات المضيفة وتوطينهم و معالجة وإزالة الأسباب المؤدية لهروبهم من وطنهم الأصلي من أجل تحفيزهم على العودة لديارهم، فقد تم تسجيل ما مجموعه 593,800 شخصا عادوا بشكل طوعي إلى وطنهم في عام 2018، ولم يحصل سوى 6,6% من أصل 1.4 مليون لاجئ ممن تم تحديدهم على أنهم من الفئات الأشد ضعفا على فرصة إعادة توطين في 25 دولة حول العالم، أي ما نسبته 0.035% فقط من إجمالي اللاجئين حول العالم في عام 2018. ومع توسع رقعة الحروب و النزاعات على ختلاف أسبابها حول العالم، تبقى أعداد اللاجئين في ازدياد مستمر، و يبقى اللاجئون في انتظار ربما “معجزة إلهية” من أجل إنهاء معاناتهم، وتبقى دوائر صنع القرار الدولية هي المسؤولة أولا و أخيرا عن مستقبل للاجئين وعائلاتهم. ويبقى السؤال دون إجابة حاسمة، ماهو حجم المعاناة والقهر التي سيعيشها هؤلاء اللاجئين إلى أن يتحرك العالم أجمع بشكل حقيقي لحل مشكلتهم؟.

عبدالمعين دبدوب

 

 

0 95