زوال الحب

زوال الحب

زوالُ الحبِّ هو الذي يَقتُلُ الإنسان، وليست الحربُ من تفعَلُ ذلك؛ فالحروبُ تَقتُلُ الحُبَّ بينَ النَّاس، وبِذا يزولُ معنى الحياة

من تَحتِ أنقاضِ مَنزِلِهِ أخرَجَ يَدَه، لَم يَكُن لِيرى شيئًا قبلَ ذلك، كانَ نائِمًا في حُجرَتِهِ العتيقةِ يَحضُنُ دُميَتَهُ المُفَضَّلة؛ فلونُها أحمَرٌ كَلَونِ شقائِقِ النُّعمان، أو رُبَّما كَلَونِ الدَّمِ الذي لم يُقابِلهُ كثيرًا إلّا في تِلكَ النَّدباتِ على يديهِ من أثَرِ اللَّعِبِ لا غَير. ذلكَ الطِّفل، كانَ غريقًا بينَ الرُّكام، يَستَرِقُ أنفاسَهُ من شُقوقِ جِدارٍ سَقَطَ بِصمودٍ رغمَ هَرَمِه، ويُناظِرُ والِدَيهِ بِعينَيهِ البريئَتين. ماذا حَدَث؟ يَنتَظِرُ إجابةً تُزيلُ خوفَه، لم يَعلَم أنَّها مُجَرَّدُ صورَةٍ من صوَرِهِما التي بَعثَرَها الانفجار، إلخ…

بدايَةٌ دراميَّةٌ بحتةُ تَصلُحُ كَمطلَعِ روايةٍ أو حتّى فيلمٍ مصوَّر، وَرُبَّما أنَّها مُستَهكلةٌ بِجِد، أليسَ كذلك؟ لكنَّها رغمَ قِصَرِها؛ فإنَّها وَصفٌ دقيقٌ للحقيقةِ التي كُلَّما غَزَت أذهانَنَا أشَحنا وجوهَنا عنها، ولا نُطيقُ ذِكرَها أو سماعَها حتى، بينما نعيشُها من حولِنا وآثارُها ألحَقَت بِنا كُلَّ الضَّرَر، إنَّها الحرب. وإنِّي شخصيًّا، لا أرى من الصَّوابِ أن أتناوَلَ قضيَّةً قاصِدًا مُحاولَةَ عِلاجِها بِقالَبٍ وَردِيٍّ مُزخرَف دونَ بيانِ جوانِبِها السَّوداويَّة، من المؤكَّدِ أنَّ لا جانِبًا للحربِ إلّا ويَعتَمِرُهُ السَّواد. لكن ما قصدتُّهُ أن لا أضَعَ الأمَلَ موضِعَ المُنقِذِ بسذاجَةٍ وتواكُل، وكَيفَ يُدرِكُ المُدَخِّنُ على سبيلِ المِثالِ ضرورَةَ إقلاعِهِ عن التَّدخينِ دونَ أن يَعلَمَ ما يَنتَظِرُهُ من أقبَحِ الأمراضِ وأشرَسِها على جَسَدِه؟

حتَّى أصدُقَ القول، فإنِّي ومهما فعلت، لن تَطولَ يدايَ إلى حلِّ مُعضِلةِ الحرب، وإن إدَّعَيتُ ذلكَ فما هُوَ إلَّا ضربٌ من ضروبِ الخيال ومَنَمَّةٌ عن الجنونِ لا غير. المُعالَجَةُ التي ذَكَرت، لا تُشيرُ إلى ما يُمارِسُهُ الطَّبيبُ في مِهنَتِهِ كَي يُزيلَ وَرَمًا خَبيثًا من جذورِه، ولا إلى مُتَنَفِّذٍ ذا سُلطَةٍ وجاهٍ عظيمَينِ حتَّى يأمُرَ بِنَفخِ صافِرَةِ النِّهايةِ مُعلِنًا بِدايةَ عَصرٍ وَرديّ، وإنّما المُعالجَةُ التي قصدتُّ هي محاولةُ بيانِ جوانِبِ القَضِيَّةِ والوصولِ إلى المنابِتِ التَّاريخيَّةِ لها، كيفَ نَتَجَت الحرب؟ أو بالأحرى، كيفَ ظَهَرَ هذا المَفهوم؟

ما سَبَقَ من توطِئَة، يُعيدُنا وُجوبًا إلى نَشأةِ البشرِيَّة، تاريخٌ موغِلٌ في القِدَم، وإن أردنا تَجزِأتَهُ كما سَبَقَ وفَعَلَ العُلماء، فَفي قِسمَينِ رئيسَينِ هُما ما قَبلَ التَّاريخ، وما بَعدَه. القِسمُ الثَّاني هو الذي عُنِيَ بِهِ الباحِثونَ أكثَرَ من غَيرِه، أطلَقوا عليهِ حَصرًا عبارةَ تاريخِ الإنسانيَّة؛ فَقَد رأوا ظهورَ الكِتابَةِ في تِلكَ الحُقبَةِ المُتأخِّرَة، أمرًا بالِغَ الأهمِّيَة. كيفَ لا وهي الوسيلةُ التي تربُطُنا بِما بادَ منَ الحضارات؟ بِها يتمُّ تدوينُ مُخرجاتِ الحضارةِ المَلموسةِ وغيرِ الملموسة، كالمخطوطاتِ والرُّسوماتِ والأعمالِ الثَّقافيَّة والأدبيَّة. كذلك كانت لها دورًا كبيرًا في نَقلِ الأحداثِ والذِّكرياتِ المُختَلِفة إلى زمانِنا، كُلُّ ذلِكَ يُمَثِّلُ حلقةَ الوصلِ التي أنعمَت بِها علينا وسيلةُ الكتابة.

لكنَّ ذلك لن يَثنيَني عن ذِكرِ بَعضٍ مِمَّا وَصَلَ لنا مِن حُقَبِ ما قبلَ التَّاري. التَّاريخُ مُنشَأةٌ عامِرَة، وعَمارُها ما كانَ أبدًا بِرَمشَةِ عين، بل جاءَ نتاجًا لِمُعطياتٍ تراكُمِيَّةٍ غزيرَةٍ لها بَليغُ الأثَرِ لِما نحنُ عليهِ اليوم. وجودُنا الحاضِرُ هو تاريخٌ بُنيَ على وجودِ تاريخٍ ماضي، فَلَيسَ منَ الإنصافِ أن أُهمِلَ موضِعًا تاريخيًّا على حِسابِ إظهارِ الآخر. ورجوعًا إلى المصادِرِ التَّاريخيَّة؛ فإنَّ أوَّلَ ظهورٍ للإنسانِ بِسلوكِهِ البشريِّ المُكتَمِل كان في القارَّةِ الإفريقيَّةِ قبلَ خمسينَ ألفًا من الأعوام، يُمارِسُ حياتَهُ بشكلٍ طبيعيّ، يتفاعَلُ معَ ما حولَهُ وَيَصنَعُ الشَّيءَ من اللَّاشيءِ بِدافِعِ الحاجَةِ أوَّلًا ومن ثُمَّ الرَّغبَةِ ثانيًا. من بَعدِ ذلكَ ظهرت معالِمُ البشرِيَّةِ خارِجَ هذه البُقعة، والغريزَةُ الفطريَّةُ الموجودَةُ لدى الإنسانِ هي تَفسيرٌ جَلِيٌّ لِهذا التَّمَدُّد، زيادَةُ الحاجاتِ وتطوُّرُها، البَحثُ عن مصادِرِ الحياةِ المُختَلِفة، الطُّموحُ إلى الأفضل، واكتشافُ المجهول.

استمرَّ هذا الحِراكُ البشريُّ لِزَمَنٍ طويل، لم يخلو أبدًا من معالِمِ التَّطوُّرِ والتَّحَضُّرِ النَّاتِجَينِ عنِ تفاعُلِ الإنسانِ مع الطَّبيعةِ من حولِه. إن قَفَزنا قليلًا بأدراجِ ما قَبلَ التَّاريخِ إلى ما بَعدَه، نَصِلُ إلى ما سَبَقَ وذكَرتُهُ لكُم. بِدءُ التَّاريخِ الإنسانيّ، منظومَةٌ بشريَّةٌ مُتَكامِلَةٌ في زَمانِهِم، مساحَةٌ ملموسة، تَقطُنُها جموعٌ من النَّاس، يَنهلونَ من مَوارِدِها وخيراتِها في سبيلِ الحفاظِ على حياتِهِم، كُلٌّ لَهُ وظيفَتُهُ وأملاكُهُ الشَّخصيَّة، وذلك ليس بالضَّرورَةِ مَنوطًا بوجودِ جِهَةٍ رسمِيَّةٍ معنِيَّةٍ بتنظيمِ الأحوالِ والأمور؛ فكانت مَرجِعِيَّتُهم تَتَمَثَّلُ بالاستِنادِ إلى أعرافِ المنطِقَةِ وساكِنيها. لكنَّ الشُّعورَ بالحاجَةِ إلى ذلك، أدَّى إلى وجودِ تِلكَ الجِهةِ المُنَظِّمة، سُلطَةٌ حاكِمَةٌ تقومُ بإدارَةِ الموارِدِ والثَّروات، تَسنُّ القوانينَ والتَّشريعات، وتُبَيِّنُ الحقوقَ والواجبات في هذه المساحَةِ المأهولة.

بِلا شَك، إنَّ هذه المنظومَةَ تُشَكِّلُ قُوَّةً عامَّةً للبِلاد، وخاصَّةً لهذه السُّلطَةِ الحاكِمة، ومهما تَعَدَّدت أشكالُ الحُكمِ ومُسَمَّياتُه؛ فهوَ أيضًا يَعتَمِدُ في اتِّخاذِ قراراتِهِ على مبدأَيِ الشُّعورِ بالحاجَة، ونَزعَةِ الرَّغبة. يبدأُ بتحقيقِ ما يراهُ حاجَةً ورغبةً لهُ ولِمحكوميه باعتدِالِ الرُّؤيةِ واعتدِالِ تَحقيقِها، وهذا الصَّواب، إلى أن تتَعدَّى الرَّغبَةُ الحدودَ وتُبنى على جَشَعٍ وطَمَع مُتَطَرِّفَين فَيَتَشَوَّهُ مَفهومُ الحاجة، وهذا الخطأ. إن أرادَت السُّلطَةُ تَحقيقَ الأخيرَةِ فَتَلجأُ إلى القُوَّةِ والبَطشِ على مُقَدَّراتِ الغَير وخَيراتِه، تَتَعدَّى حدودَ المَساحَة وتَستَحِلُّ ما لَيسَ لها، رَغبةً بالسَّيطَرَةِ وفَرضِ القُوَّةِ من خلالِ النَّهبِ والسَّلب، مُبَرِّرَةً ذلِكَ بِحُجَّةِ التَّوسُّعِ خِدمةً لِمَصلَحَةِ البِلاد، وَهوَ ما أَلِفناهُ في ماضينا وحاضِرِنا. أهدافٌ ودوافِعٌ مُتَعَدِّدَةٌ وثابِتة، لكنَّ تَحقيقَها يَختَلِفُ باختِلافِ الزَّمانِ والمكان، فقديمًا جِدًّا كانَت تَشتَعِلُ النِّزاعاتُ بينَ قبيلَةٍ وأُخرى، بِهَدَفِ سَعيِ كُلٍّ مِنهُما إلى تَحقيقِ مَصالِحِها الخاصَّة، كالنُّمو الاقتصادي، والتَّوسُّعِ الجُغرافي، والمَكانَةِ السِّياسيَّة، تَستَعِرُ الحربُ بَينَهُم إمَّا على هيئَةِ غَزوٍ أو على شكلِ مَعرَكة، نِزاعٌ عسكريٌّ يُوَظِّفُ كُلُّ طَرَفٍ فيهِ ما يَملُكُ مِنَ القُوَّةِ والعَتادِ والوسائِل، ويُحسَمُ الأمرُ في النِّهايَةِ بانتِصارِ الأقوى وفَناءِ الأضعَفِ أو استِنزافِهِ على الأقل.

لم تَكُن الحربُ على مَرِّ التَّاريخِ تَنحَصِرُ في مواجَهَةِ قُوَّةٍ لأُخرى أو جيشٍ لآخَرَ فقط، بل كانَت إذا دُقَّت طُبولُها، تَحِلُّ لَعنَتُها على جميعِ مَن هُم في مَنطِقَةِ الصِّراعِ دونَ استثناء. فإذا بدأَ القِتالُ يومًا، يُصاحِبُهُ إراقَةٌ للدِّماءِ لا تُفَرِّقُ بينَ طِفلٍ وشيخ، أو حيوانٍ وجَماد. كيفَ لا والمادَّةُ مُحَرِّكُها الأساسي؟ فزمانُنا الحاضِرُ بُرهانٌ وافي، آلافُ القَتلى وأضعافُ العَدَدِ مِنَ الجرحى والمُهَجَّرينَ نَتاجُ الحروبُ التي تكادُ لا تَتَوَقَّفُ من حولِنا، وفي ظِلِّ ما تَوَصَّلَ لَهُ هذا العالم منِ التَّقَدُّمِ العلميّ والتكنولوجيِّ في كافَّةِ المجالات، تَطَوَّرَت مَعَهُ آلَةُ الحرب، أسلِحَةٌ خارِقَة، مُعِدَّاتٌ ثقيلة، قذائِفٌ بعيدَةُ المدى، أساطيلٌ بحريَّةٌ وجوِّيَّة، رؤوسٌ نَوَوِيَّةٌ كافِيَةٌ بِقُدرَتِها على تَدميرِ أضعافِ مساحَةِ الكرةِ الأرضيَّة ومَن عَلَيها إلى زوالٍ دائِم، كُلُّ هذا أوجَدَهُ الإنسانُ وَسيلَةً لِتَحقيقِ رغباتِهِ المُتَطَرِّفة.

إنَّ المَصالِحَ والرَّغباتِ الإنسانِيَّةَ لا تَزولُ أبدًا، بل تَكونُ قَرينَةَ الإنسانِ طالَما كان حاضِرًا، ولا تَزولُ إلَّا بِزَوالِه؛ فَقد جُبِلَت مَعَهُ منذُ خُلِق. لا اُلَمِّحُ هُنا إلى أنَّ الفَناءَ الأبَدِيَّ هُوَ السَّبيل، بَل إن حَكَّمنا مَفهومَ الإنسانِيَّةِ في كُلِّ شيءٍ مِن هذا، لَصارَ لنا مَرجِعًا مَتينًا نَستَنِدُ عَلَيهِ في تَقييمِ حاجاتِنا ورَغَباتِنا، وَلَما صِرنا عَبيدًا لها، نُسَخِّرُ كُلَّ قُوَّتِنا في سبيلِ انتِشالِها بِكافَّةِ الطُّرُقِ المُتاحة، فَتَقديسُها يَنزَعُ الرَّحمةَ منَ القُلوب، وَيَنفُثُ الرُّعبَ والهلاكَ بينَ البِلادِ والشُّعوب؛ فهذه هي الحرب، سوءُ إدارةٍ للحاجاتِ وتَقديسٌ للرَّغبات.

لطيف التميمي

2 291