سؤال ورا سؤال

سؤال ورا سؤال

 كيف يمكن اليوم أن تكون مطلع على أي شيء وكل شيء؟

هل هو صعب؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا هو صعب؟

ما المعلومات التي نريد الحصول عليها؟

كيف يمكن التعبير وايصال الرسالة بشكل دقيق وواقعي؟

ما الذي أريد أن أوصله -هل هو حقيقه أم رسالة؟ لكن ما هي الحقيقه؟

هل أنا موضوعي؟ 

 لكن أليس الرأي بالغ الأهمية في إيصال الرسالة؟

– إنها ليست رسالتك.

 

الحياة معقدة وشاسعة بكل معنى للكلمة وفي عصرنا ووقتنا هذا وجود التعقيد لوحده ليس بالأمر الجلل بل وجودها في “خلقتك” دائما. فالمعلومات في كل مكان وفي كل وسط تستقبله حواسك -لكن ما الذي يجعلها صحيحة؟ لماذا أريد أن أعرف؟ لماذا يريدون مني أن أعرف؟ كلا ما الذي يريدون مني أن أعرفه؟ هل هذا شكل من أشكال المؤامرة؟ هل لدي مبررات لأسئلتي أم أنني أجعل الأمور معقدة عندما لاحاجة إلى ذلك؟

 أنا لا أعرف، ليس بعد، ما أعرفه هو أننا محاطون بكمية هائلة من المعلومات -في كل وسط نعيشه. فإما أن نقرأها من خلال الكتب أوالإنترنت نسمعها من خلال المحادثات والمحاضرات والإذاعات أو نستقبلها بصورتها المرئية في التلفزيون ومن ممثلات الحياة اليومية المختلفة من إعلانات وأحداث أو من خلال ذلك الفيديو الذي شاهدته لتوك على الإنترنت. لكن ما الذي نتلقاه؟ هل هي حقائق أم هي آراء؟

 هذا الشعور الطاغي من الضياع وعدم الثقة نتيجة للتأثير الهائل للإعلام على حياتنا. فالإعلام “(بالإنجليزيّة: Media) مجموعة من قنوات الإتّصال المُستخدَمة في نشر الأخبار أو الإعلانات الترويجيّة أو البيانات، ويُعرف الإعلام بأنّه الوسيلة الاجتماعيّة الرئيسيّة للتواصل مع الجماهير.” واليوم يشمل الإعلام ما يقارب كل شيء. حيث أصبح الأفراد هم الوجه الآخر بل بالأحرى الإعلام. والصحافة (جزء من الإعلام) هي المهنة التي تقوم على جمع وتحليل الأخبار والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور. ومن أهم أنواعها الخبر الصحفي الذي يتضمن الإجابة عن ستة أسئلة لا غير؛ وهم ماذا؟ لماذا؟ من؟ متى؟ أين؟ وكيف؟ فالأحرى السؤال عن كيفية استقبال تلك المعلومات.

 في وقتنا… في وقتنا هذا أن تعيش يعني أن تكون معرضاً ومراعياً لمن حولك. وبعامية هذه الجملة ففي الحقيقة الحياة أكثر تعقيداَ؛ فهي الآن أكثر مراعاة وأكثر تعصباً والمجتمعات أقرب لبعضها ولكن بعيدة كل البعد والأفكار بالتحديد متضاربة ومتجانسة ومتعارضة -صانعةً بسبب عولمتها واستقطابها “حقيقة”.  فما نستقبله من معلومات في غالب الأمر نعتبره حقيقة وكمعظم الحقائق هي ليست قابلة للشك أو الإعتراض. لكن هل هذا ما يجعلها حقيقة؟

 هذا أنا؛ إنسان مليء بالأسئلة ضائع بين أجوبتها و تأويلاتها. أنا أيضاُ كسول -فالحياة مليئة بالمعلومات والعالم مواكب لها فكل ما أحتاج إليه هو تحت ناظري. لا أدري. ها أنا اليوم أبحث عن أجوبة لأسئلتي وبدلا من الحصول على جواب أجد نفسي أتنور.

الحقيقة مقابل الصدق

لنبدأ بحواري مع محرر أمريكي قابلته بالصدفة في مكتبة عامة في عمّان:

 أنا: ما الفرق بين الحقائق والآراء؟

هو: ماذا تعني بالحقيقة؟ فلكل تعريفه الخاص. يجب علينا التأكد من أننا نتكلم عن نفس الشئ. هذه من مشاكل عصرنا فالجميع ينادي بالحقيقة -يخاصة حقيقة فكره وهويته. فهنالك سوء استخدام للكلمات وبالتالي معانيه -فالحقيقة واحدة للجميع.

أنا: الحقيقة، كواقع.

هو: الحقيقة تكمن في الأشياء التي إن حدثت يمكن إثباتها من الجميع، مثلا هل الشمس حارة؟

أنا: نعم…

هو: حسناَ، هل تعتبر ما نقوم به الآن من حوار بشيء حقيقي؟

 أنا: نعم، لكن هو حقيقة؟

هو: حوارنا يشمل التفكير والكلام والإستماع فكلها تعمل على نشاط كهربائي بين الأعصاب، ذلك حقا يحدث. فهو بذلك حقيقة لكن مضمونه ليس بذلك. بمعنى آخر أن تفكر -ذلك حقيقة ولكن ما تفكر به ليس بذلك. فهو متحيز لما تملكه من معلومات وخبرة وكذلك المشاعر.

أنا: انتظر، المشاعر مهمة في واقعنا وحقيقتنا كبشر, نحن لسنا بالآلات!

هو: المشاعر موجودة -لكن حدتها ونوعها غير قابلة للقياس- وهي شخصية أي غير حيادية صانعة بذلك توجه لا بحقيقة.

أنا: فالرأي إذاً حقيقة منحازة، لكن أليس الرأي مهما عند المشاركة بأمور الحياة؟

هو: طبعاً، أنا لا أنكر ذلك ولا أقول عكسه. ما أريد أن أوصله أنك عندما تريد أن تنشر أي معلومة بهدف المشاركة، فعليك نشر واقعية الأمر وليس رأيك فيه.

 اذاً المشكلة تكمن بالنقل – فنقل الواقع إلى كلام متداول يحتاج إلى الكثير من القدرة وقليل من الخيال. فالإعلام بوفرته وارتباطه المباشر بنا جعله متحيز. فكما نسمع ونرى من حولنا الإعلام في كل مكان، فمن من نأخذ؟

 

أنت كفرد خاضع لتصنيف خاص، يتم ضمك باحتساب هويتك الإجتماعية. فهذا سر الوصول هذه الأيام، معرفة الجمهور وخصائصه وبناء الرسالة على ذلك. الصحافة جزء من الإعلام وهي تخطو بخطواته، فكما يراد من الرسالة يتحول الخبر إلى قصة تلائم مستمعيها. كيف؟ بالتحيز.

فالانحياز في التغطية الخبرية وفق لدليل “المعايير المهنية في الكتابة الخبرية”، هو “الميل الذّاتي أو المحاباة، أو الرؤية أحادية الزاوية، وهو المقاربة المصلحية للأخبار، التي لا تخلو من دوافع التحريف والتلوين، واختيارات تخدم وجهة نظر معينة”. ويضيف الدليل بأن “الإنحياز” في أوقات الصراع قد يصبح في بعض الأحيان “فعلاً سياسيًا” ذي دور وتأثير في الصراع، ولذلك يتوجب على الصحفيين فهم أنماط الانحياز والعمل على تفاديها خلال عملهم. يمكن أن يكون التحيز باستعمال كلمات ملائمة للنص لكن بمعان وتأويلات  مختلفة؛ مثلاُ عند ذكر الضحايا البشرية لحادث ما يتم استعمال كلمة شهيد أو قتيل أو عنصرموالي لجماعة ما لإيصال نفس الوصف؛ خالقاً بذلك معنىً ايجابي، محايد أو سلبي بناءاً على ما سبق.  وكذلك سياق المحتوى، فيتم نقل الخبر بذكر خلفية معينة صانعة بذلك توجها ضمني تحت مسمى الحقيقة. فتهويل أو تحجيم خبر بطريقة نقله يعتبر تحيزاً؛ أكان ذلك بذكر بضع من الحقائق أو أجزاء منها كما تقوم به عدد من القنوات الفضائية من نقلٍ للخبر مؤكدة بذلك منظور واحد بالتالي صانعة بذلك حقيقة وما يتبعها يعتبر تأويلاً. فعدم الشمولية تحيز، وعدم مراعاة الدقة في النقل تحيز أيضاً. فالعمل يكون لصالح الحقيقة، وليس لأي جهة أو اعتبار آخريين. فإن تعذر إقصاء الأيدلوجيا، فعلى الأقل يجب الإحاطة برأي الطرف الآخر. فلا يمكن ترك أي خلل في توازن وجهات النظر.

اذاً، نعم يمكن الإطلاع على أي شيء وكل شيء وهو ليس بالأمر الصعب، لكن يجب القدرة على تحليل المعلومات وتصنيفها وفقاً لحقائقها  -بالإعتماد على المصدر وليس المرجع المتوفر -وتعويد أنفسنا على وجوب وأهمية السؤال. وبالنسبة لكيفية التعبير فذلك لا يحده شيء، لكن إيصال الواقع يكمن بالنقل الدقيق والواضح والمنصف للحقيقة. فالرسالة والخبر شيئان مختلفان. 

 إلى من سنلجأ من أجل الحقيقة في عصرنا هذا؟

 أسامة مبيضين

3 225

Related Posts

No posts were found for display