سلعة الألفية الجديدة

سلعة الألفية الجديدة

 يستند التقدم في التكنولوجيا بجعلها ملائمة بحيث لا يمكنك فعلاً ملاحظتها، بحيث تكون جزءاً من الحياة اليومية – بيل غيتس.

اقتصاد الانتباه او اقتصاد الجذب هو نهج اقتصادي إداري ينظر إلى انتباه أو اهتمام الفرد باعتباره سلعة مهمة ونادرة ومحدودة يجب الحصول عليها لتحقيق تسويق فعال وبالتالي الوصول إلى الربح الوفير. تم طرح مفهوم اقتصاد الانتباه لأول مرة من قبل عالم الاقتصاد الأمريكي هيبرت سيمون عام 1973. عموماً يصنف الإنتباه إلى ثلاثة أنواع:

  1. الإنتباه العفوي: الانتباه الذي يكون دون إرادة من الفرد.
  2. الإنتباه الإرادي العمدي: والذي يتطلب جهدا مبذولا من الفرد واضح وبإرادة وتكون المثيرات هامة بالنسبة للفرد.
  3. الإنتباه القسري الإجباري: وهو نوع من الانتباه الذي يجبر الفرد عليه ويبذل جهدا وفي الغالب تكون موضوعات الانتباه غير مهمة بالنسبة له.

يمكن القول  أن اقتصاد الانتباه من المبادئ الأساسية التي تستخدم في التطبيقات أو الإعلانات التي تهتم في جذب انتباه المستخدمين بطريقة لها صلة باحتياجاتهم. كلما رأى المستخدم المزيد من المعلومات ذات الصلة، زاد اهتمامه وبالتالي زاد الوقت الذي يقضيه على مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب والإعلانات وصفحات الإنترنت. اقتصاد الانتباه يهتم بجذب انتباه المستخدم بشكل عفوي أو إرادي، فهو نهج في إدارة المعلومات يعامل فيه انتباه الإنسان وكأنه سلعة كما صاغها ببساطة “ماثيو كروفورد”؛

الانتباه مورد وللفرد كمية محدودة منه

مع النمو الرهيب في المعلومات وإتاحتها، أصبح الانتباه هو السلعة النادرة لأي وعي مطلوب تسويقه أو نشره كون قدرة البشر العقلية محدودة. بالتالي فإن تقبل المعلومات يصبح محدودا أيضا. حيث يستخدم الدماغ البشري الاهتمام لتصفية المعلومات الأكثر أهمية من بين مجموعة كبيرة من المعلومات المحيطة بالإنسان في هذا العصر الرقمي. بالتالي لابد من وجود محفزات تعمل على استقطاب الانتباه البشري لتوصيل الرسائل المطلوبة والتي بالطبع لن تجد قبولا سهلا أو سوقاً لدى المتلقي دون إيصالها بطريقة مميزة تجذب انتباهه. من المهم أن ندرك أن العنصر الرئيسي في لعبة الاهتمام هو الصلة. طالما أن المستهلك يرى المحتوى مفيد وهناك حوافز فسيعطيك انتباهه – وهذا يخلق المزيد من الفرص للبيع.  لذلك الاهتمام الكبير يكون للتسويق؛ إذن نحن أمام معضلتين، الأولى كيف نشترى الانتباه والثانية كيف يقتنع ويتأثر وينفذ صاحب هذا الانتباه الرسالة التي نريد إيصالها له بالرغم من خلوها من أي محفزات أحياناً. في عصر الانفجار المعلوماتي ماذا ستقدم للمستهلك كي يقبل أن ينتبه فقط إلى رسالتك هذا هو المهم  أما كونها ستؤثر فيه أم لا فهذه يأتي لاحقاً.

تتم دراسة اهتمام المستخدم عن طريق استخدام الخدمات المجانية مثل الألعاب ومواقع التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين والعملاء. وتوليد الإيرادات عن طريق هذه الإعلانات وعن طريق اكتساب علاقة عميقة مع المستخدم. لذلك، المعلومة في عالم الإنترنت ليست نادرة وتقريباً يمكن أن تحصل على أي معلومة تحتاجها في أي مجال كان. لكن النقص الموجود هو في الانتباه بسبب كثرة المعلومات ومحدودية وقت المتلقي. كل شخص ينشر محتوى يحتاج بالتالي إلى الانتباه من الفئة المستهدفة من هذا المحتوى. أي أن “الانتباه” هو مورد مادي للذي يتمكن من الإحتفاظ بانتباه المستهلك لأطول مدة ممكنة. طبعا النقطة المهمة هنا هي أنه إذا كان هناك خدمة “جذبت” انتباهك سيصبح لديك عادة في استخدامها. وأنت كمقدم خدمة لو حصلت على هذه العادة من المستخدم فهنا تحصل على مصدر دخل كبير. الشبكات الاجتماعية “مُهندسة اجتماعياً” حتى تجذب انتباه الأفراد لأكبر وقت ممكن بالتالي عدم مغادرة الشبكة. الموضوع ليس عشوائياً أو برمجياً فقط؛ الوقت المهدور لديك يعد استثماراً مهم جداً لهذه الشركات. الربح المادي عبر استغلال البيانات الشخصية وتتبع المستخدم هو ما تستخدمه فيسبوك مثلاً فهي تحاول أن تعرف ما يجذب انتباهك وما تحب وما يمكن أن تنفق نقودك عليه من خلال وضعها للإعلانات المختلفة ومن خلال متابعتك لصفحة الإعلان أو وضع الإعجاب على هذه الصفحة، تبدأ بعرض المزيد من الصفحات ذات المحتوى القريب والمشابه لما تابعته بدايةً. بالتالي هي تجني الأموال من خلال الإعلانات المستهدِفة، وأيضا كسب المال من رعاية المنشورات لدفعها لتصبح مرئية على صفحات المستخدمين.

هذا النموذج الذي تستخدمه فيسبوك  بشكل بارز تسير على نمطه باقي مواقع التواصل الاجتماعي والشبكات الاجتماعية. ولكي تزيد فيسبوك من استثماراتها وأرباحها اقترحت إصدار عملة رقمية سمتها(Libra). والتي تقوم على مبدأ تغطية احتياجات المستخدم عن طريقتها دون الحاجة لوجود حساب بنكي بالتالي زيادة العملية الشرائية لسهولة تداول عملة الفيسبوك (Libra)مما يؤدي  لزيادة المعلنين على فيسبوك وبذلك تسيطر فيسبوك على سوق الإعلانات العالمي. المعلومة تجذب الانتباه، الانتباه يجعلك تشاهد إعلانات أو تضغط على إعلانات، الإعلانات توفر مصدر دخل كبير للشركات العملاقة مثل فيسبوك وجوجل، وتستمر الدائرة.

المنصات الاجتماعية هي اليوم موضع اتهام للدور السلبي الذي تلعبه أحياناً في التجييش والتلاعب بالرأي العام، عن طريق نشر الأخبار المضللة والتلاعب بمشاعر المستخدمين لخدمة مصالح وأهداف لا تعبر بالضرورة عن رأي الأغلبية في موضوع يشغل الرأي العام. هي تلعب دورا محوريا وأساسياً بكل ما يدور في الساحة العالمية من مواضيع سياسية أو اجتماعية بسبب سرعة انتشار الخبر وبالتالي سرعة تشكيل رأي حوله وتجييش الأفراد  لتبنيه. لكن ليس دائما يكون هذا التجييش سلبياً واكبر مثال هي الثورات في الربيع العربي والثورة اللبنانية الأخيرة التي سميت بثورة ال (Whats App) والتي أطاحت برئيس الوزراء. بالتالي، يظهر جلياً تأثير المواقع الاجتماعية على الرأي العام والشارع العالمي والتي كانت شرارتها مجرد النقاش باحتمالية وضع ضريبة على احد هذه المواقع.

ليس هذا فقط بل يستخدم اقتصاد الانتباه للتسويق الواعي لبعض المواضيع الصحية حتى كما جرى مع بعض الأمراض التي سوق لها من خلال الإعلام والمواقع الاجتماعية في حين لم تحظى أمراض أخرى لها مضاعفات مميتة على الإنسان بمثل هذه التغطية الإعلامية. هذا جزئيا هو حكاية ضمن اقتصاد الانتباه. مثل الأغاني الرائجة أو ألعاب الفيديو المشهورة، يتنافس المرض مع أمور أخرى من أجل الانتباه. المزيد من الانتباه يعني في العادة المزيد من التمويل، وعددا أقل من الوفيات. حتى نفهم طريقة عمل هذا الأمر، لنقارن مرض التهاب الرئة بالإيدز. هذان المرضان مميتان بالقدر نفسه بحسب منظمة الصحة العالمية. والمرضان قابلان للعلاج. مع ذلك فاز مرض الإيدز بمعركة الانتباه.

في عصر اقتصاد المعرفة، كل الناس أغنياء، لأن العملة هي الانتباه. فالشركات والسياسيون والعلماء والفنانون القادرون على استحواذ انتباهك هم من سيفوزون بالنصيب الأكبر من الثروة وسيصنعون المستقبل. عليك تقدير قيمة هذا الوقت واستثماره لغايات تعود بالنفع الشخصي والمباشر لك. من الغباء أن تعير انتباهك للأشخاص والأفكار و الأحداث التي تكره.

 وقتك و انتباهك يصنع مستقبل العالم، و وقت و انتباه الآخرين يصنع مستقبلك. فتعلم كيف توجه الأول و تكسب الثاني.

زين الصبح

0 41