سهلة… هل هذا صحيح؟

سهلة… هل هذا صحيح؟

الطبيعة التنبئية لعقولنا

اذا افترضنا وجود مشهد حسي نظري أو سمعي في الدماغ وصل عبر الروابط العصبية الحسية، فإن العقل يعرض هذه البيانات على سلسة من المستويات المختلفة ويحاول فيها كل مستوى من هذه المستويات التنبؤ بالمشاهدة أو الصوت أو النمط الحسي ويسأل ما الذي تعرض له العقل؟ يحدث نشاط عقلي كلما شاهد الإنسان شيئا غير مألوف لديه. كمثال على هذا عندما نرى شيئا نعرفه كطاولة مثلا فإنه في وقت سابق تشكل لدينا صورة نمطية محفوظة كمرجع عن طبيعة الطاولة وعندما تتكرر رؤية الطاولة في حياتنا فإن دماغنا البشري لا يكلف نفسه الإرتفاع بمستويات التنبؤ ليتساءل عن طبيعة الطاولة مثلا أو مسماها. إنه لا يحاول الوصول إلى مرحلة تفكير أعلى بشكل يجهده ويأخذ من وقته. عبر العلماء عن هذه المستويات بما يعرف بمستويات الهرم التنبئي الطريقة الديناميكية والتكوين الفيزيائي التي يعمل بها عقلنا هي التي تجعلنا سريعي البديهة وتلقائيين بل ونتخذ أحكاما سريعة  ويزيد هذا مع مرور الزمن  لنصل أخيرا إلى ما يعرف بتنميط الصور.

الوقت: زيادة في النشاط العقلي والتفكر

في دراسة أجريت عن علاقة الصورة النمطية بالنشاط العقلي، وُجد أن هناك علاقة بين طبيعة عمل العقل مع تكوين الصور النمطية خلال حساب النشاط في الدماغ. تمت هذه الدراسة على مجموعة من الأشخاص تتكون من 22 فردا.  تم عرض عدة صور نمطية تتعلق باختلافات دينية وعرقية مختلفة عليهم كانت هذه الصور النمطية عن فرد أو مجموعة مصنفة كعرق أو دين، وفي هذه الدراسة قام العلماء باختبار إطروحتين على المشاركين في التجربة كانت كالتالي:

  • اختبار الاطروحة الأولى:

الإجراء: عرض صورة سلبية عن مجموعة تختلف بالرأي أو الإعتقاد مع الشخص داخل التجربة. عرض صورة إيجابية عن مجموعة تختلف بالرأي أو الإعتقاد مع الشخص داخل التجربة. تم قياس الصور النمطية الموجودة عند كل شخص دخل التجربة (الملاحظة: ازداد النشاط على لوحة قياس النشاط العقلي في المنطقة الصدغية الامامية بشكل ملحوظ).

  • اختبار الاطروحة الثانية:

الاجراء: تكرار عرض صور ايجابية عن مجموعة تختلف بالرأي أو الإعتقاد مع الشخص داخل التجربة.  (الملاحظة: قلَّ نشاط المنطقة الصدغية الأمامية تدريجيا على لوحة قياس النشاط العقلي وانحسر إلى المنطقة الدماغية المسؤولة عن الإحساس بالأمان، هذا الأمر يعرف بالتنبؤ المعكوس (إعادة التنبؤ)، أي أن العقل في البداية يصل إلى صورة نمطية ضمن مستويات الهرم التنبُئي (التنبؤي) وبعد عرض عدة معطيات جديدة تتعلق بهذه القولبة النمطية والفكرة التي وصل إليها العقل في المرة الأولى. يُرجع العقل هذه الفكرة النمطية المأخوذة إلى بداية الهرم مرة أخرى ليقوم بالحكم عليها من جديد. هذا ليس بِسهلٍ على العقل البشري مطلقا لأن التنبؤ المعكوس يحتاج إلى التكرار والتعمق والدراسة المفصلة).

إن المنطقة الصدغية الأمامية في الدماغ مسؤولة عن “الإدراك السريع” للكلمات والدلالات المختلفة فتؤدي عملها بالإستجابة السريعة البديهية للأحداث وغالبا توصف بأنها ليست واعية تعمل تماما بنمط معين لكن هناك  طبيعة تفكير أخرى وهي طبيعة التفكير الواعية والعميقة، يختص جزء آخر من الدماغ بهذه العملية. نُخلصُ من هذا إلى أن البشرِ يبنون تصوراتهم عن شخص ما أو جماعة ما بنفس المنطقة الخاصة بالإدراك البديهي والسريع تحت شعار دع المنطقة الصدغية الأمامية تتولى الأمر لا تكلف نفسك أن تدخلها إلى منطقة أعمق في دماغك. لا تفكر أكثر تجاهها. فقط إبذل جهد أقل، وقت أقل، وانتهى الأمر، أحكم على الناس وضعهم في قالب جاهز. سهلة. هل هذا صحيح.

 

الصورة النمطية

انها القوالب الثابتة و الجامدة للصور والافكار والمواقف, تتعلق بالشخص المتبني لها بالدرجة الاولى , وبشكل ما تتعلق بالأشخاص الاخرين,  تقبع هذه الفكرة تحت وصف البساطة و السذاجة, لا ترتكز على  الملاحظة و الادراك الموضوعي , بقدر ما ترتكز على صفة النوع ( نوع من الناس, نوع من الاشياء) كمرجع للتصنيف او القطبية, لنكن منصفين, قد تكون الصورة النمطية في بعض الاحيان صحيحة,  ولكنها في اغلب الاحيان خاطئة, عندما تكون سلبية  فإنها بشكل او آخر  تزيد الخوف من الطرف الموصوف بالفكرة النمطية, او تزيد من كمية الكره تجاهه, وان عُمقت هذه الفكرة اكثر, تحولت الى سلوكٍ يضر به بشكل سيء وغير انساني. لذلك يرتبط مفهوم الصور النمطية بمفاهيم الكراهية و العنصرية.

هناك مصطلح سلبي مرتبط بالصورة النمطية في علم النفس يعرف ب  تهديد الصورة النمطية, وهو الضرر الذي يتلقاه شخص ما عندما يطلق عليه صورة نمطية, ان توعية المجتمع عن هذا المصطلح و تبعاته على الحياة العملية والعلمية, قد يغير الفهم الصحيح لهذا المصطلح طريقة التفكير الخاصة بتقبل الصور النمطية على انها شيء غير مؤذي لنا كأشخاص سواء ان كانت سلبية او ايجابية في حال لم تتحول لسلوك بعد, فنعت شخص ما بأنه لديه لون بشرة معين او ينحدر من عرق معين او متدين بشرعة ما, لا يعيبه ولا ينتقص من انسانيته.  وان كان الفرد يشعر بالتهديد بشكل يعوق التقدم, فيجب ان يعامل  كعدو متربص, وان افضل وسيلة للتغلب على هذا هو معرفته جيدا ومعرفة الامكانيات الخاصة به.

 

كيف اقلل من تأثير الصورة النمطية

بشكل عام نحن مسؤولون عن عدم نشر المزيد من القوالب النمطية من خلال وسائل الاعلام و وسائل التواصل الرقمية المختلفة  عن الافراد والمجموعات وتكميم من عملية التنميط كاملة,  هناك طرق عدة لذلك, يقترح منها هذه الطريقة وتحتوي على ثلاث مراحل:

المرحلة الاولى: الآن.. الآن …اعترف بأنك لديك صورة نمطية عن شيء او عدة اشياء من فضلك, يمكنك ربطها بالأشخاص او الجماعات. اسأل نفسك عن الصور النمطية التي يطلقها الناس عليك ايضا, مثل لون بشرتك , مدى ذكائك … لابد انك سمعت البعض منها في مرحلة من مراحل حياتك بغض النظر عن مدى ايجابيتها او مدى صحتها. هذا الامر يساعدك في ادراك نمط تفكيرك وادراك كَمِّ الصور النمطية المتجمدة في عقلك .

المرحلة الثانية: فكر بهذه الصور النمطية بعمق على  انها ليست الا حواجزاّ امامك تعيق تقدمك المهني والاجتماعي.

المرحلة الثالثة: ابدأ بالتعرف الى الاشخاص او الاشياء  عن طريق الملاحظة الدقيقة, من ثم قارن بين الصورة الاولية ( النمطية) و الصورة الجديدة عن الشخص نفسه, اعرض الصورة النمطية على هرم التنبؤ مرة اخرى وحاول الوصول الى اعلى  مرحلة من التفكير عن الاشخاص الاخرين ومواقفهم, فهذا يساعد على فهم و احترام الاشخاص الاخرين وتقدير اختلافاتهم وتميزهم عنك.

 

لطالما كان وجود الانسان  كأنسان فرد بصفته الشخصية والنفسية المتفردة عجيبا, لأن احتمالية وجود الشخص بصفاته هذه لانهائية احصائيا,  اقصد انك لن تكون انت انت ان لم تأتي من التلقيح الذي انتجك بصفاتك الوراثية (ال DAN الخاص بك), انه متفرد وعجيب الوجود لأبعد الحدود, حتى ان وضعت تؤاما  في معرض الاختبار;  التؤام ليسوا قائمين على نفس واحدة, نحن متفقون على ان كلنا لديه له نفسه وطبيعته الخاصة, وهذه الطبيعة الخاصة المتفردة هي التي يُصْدَرُ عليها الاحكام دوما. خلاصة القول, ان العقول تماما  كغرفة المحكمة, الحكم الاولي (على الفكرة) في محكمة البداية, هل يمكننا الطعن بالحكم.. اذن هي محكم الاستئناف, ثم محكمة الادارة العليا, ثم محكمة التمييز.. وهكذا حتى تصل الى اعلى محكمة والتي لا بعد حكمها حكمْ, لنصل الى العدل الصافي, لكنه عدل تجاه الانفس البشرية الاخرى.

 

إيمان أبو مقرب

0 47

Related Posts

No posts were found for display