صراع الأجيال للقضاء على الأميّة

صراع الأجيال للقضاء على الأميّة

ماهو الذنب الذي اقترفته؟ وهل خلقت لأتعلم الجهل؟ وما هي الصعوبات التي سوف أواجهها؟ وماهو المصير الذي سيكون عليه مستقبلي؟ أسئلة كثيرة تخطر على بال سارة تلك الطفلة التي أجبرت على ترك مدرستها في الصف السابع بسبب سوء الوضع المادي لعائلتها والمسافة الكبيرة بين مدرستها والمنزل التي تقطن فيه. اشتقت للذهاب باكراً إلى المدرسة وأنا أحمل حقيبتي زهرية اللون على أكتافي اللينة. زادت لهفتي للمس أوراق الكتب بأناملي الصغيرة، تلك الكتب التي تحمل في طياتها رسومات وقصص تجعلني أعيش في عالمي الوردي والذي لا أسمح لأحد أن يشاركني به. كم من الدموع علي أن أذرف لاسكات شوقي لأصدقائي الذين لعبت وضحكت معهم داخل الصف؟! مشاعر وذكريات لم أقوى على نسيانها لغاية الآن وقد ناهز عمري 53 عاما! كيف لي أن أنسى ألما ضج مضجعي منذ طفولتي واستمر إلى الآن وقد أصبحت والدة لثلاثة شبان؟!

نقطة التحول

“تفضلي يمه هاد التلفون إلك و سويتلك عليه حساب فيسبوك”… كلمات نزلت علي كالصاعقة بعد أن قالها لي ولدي الصغير، مهديا لي هاتفا ذكيا بمناسبة عيد الأم. كانت هدية مميزة ولكنني لم أعتد على مثل هذا النوع من الهدايا، حتى أني لا أعرف كيف أستخدمها! ومع تقدمي في العمر، فإني قد نسيت الكتابة والقراءة! ومن الواضح أنني سوف أخوض صراعا جديدا ولابد ان أخرج منه منتصرة!.

أحاط أولادي بي لمساعدتي في التعلم على التعامل مع هذه الآلة الغريبة وعلى الرغم من الصعوبات الكبيرة التي واجهتها في البداية فإني كنت أمتلك اصراراً قويا على إتقان التعامل مع ما يسمى “الجوال والإنترنت” كما يسمونه. مع دخولي الأول إلى موقع التواصل الإجتماعي “فيسبوك” ، كنت أشاهد الصور والفيديوهات فقط ولم أكن قادرة على قراءة وفهم كل ما نشر بشكل صحيح. مع مرور الوقت والأيام وباستعمالي المتكرر لهاتفي الذكي وبفضل المراسلات التي حصلت بيني وبين أقاربي، فإني إضطررت وأنا أشعر بالفرح إلى تعلم الكتابة والقراءة بشكل ممتاز وتحول حلمي إلى حقيقة. وعلى رغم تقدمي في العمر فإني قد تعلمت أنه مازال في وسعي أن أحلم.

إقرأ

إقرأ” كلمة بدأ بها الخالق حديثه مع النبي محمد للدلالة على أهمية العلم والتعلم، فقد حثت جميع الديانات السماوية والتشاريع الأرضية على أهمية العلم والتعلم في بناء الإنسان روحيا وماديا. تعرَّف القراءة بالعملة التي يستطيع من خلالها الفرد أو المجتمع فهم و تحليل واستخلاص الأفكار من المادة المكتوبة وتحليل رموزها. تنبع أهمية القراءة من كونها الباب الأوسع الذي يتيح للفرد التعرف على العلوم الأخرى من أجل إكتساب المعرفة. كما إنها تمحو الفوارق الزمنية والمكانية بين الأجيال القديمة والحديثة، فنعيش أينما عاش الآخرون ونذهب حيثما ذهبوا من خلال كتاباتهم التي يصورون لنا من خلالها حياتهم .للقراءة أنواع عدة من حيث طريقة ممارستها ومنها القراءة الصامتة والقراءة الجهرية وقراءة الإستماع. تعتمد القراءة الصامتة بشكل رئيسي على عدم اخراج أي صوت أثناء القراءة واستخدام العينين فقط. بينما تعتمد القراءة الجهرية على القراءة بصوت عال ونطق الحروف بشكل صحيح الأمر الذي يتطلب من القارئ التركيز وعدم الوقوع في أي خطأ. بينما تختلف قراءة الإستماع عن سابقاتها بشكل جوهريحيث أن المتلقي في هذه الحالة يعتمد على استخدام حاسة السمع فقط في تلقي المعلومات المقروءة أمامه وتستخدم بشكل واسع في المراحل التعلمية وتعتبر واحدة من أنواع القراءة المفيدة جدا خاصة لدى بعض الفئات مثل المكفوفين أو ضعيفي النظر.

بالعلم نرتقي…

“من ذاق ظلمة الجهل أدرك أن العلم نور” كلمات قالها الكاتب والمفكر المصري مصطفى نور الدين للدلالة على الواقع المؤلم الذي يعيشه غير المتعلم. على الجانب الآخر أظهر الكاتب النعيم والعيش الرغيد الذي يعيش فيه الإنسان المتعلم. وفي سبيل السعي للحصول على النهضة المجتمعية وتحقيق السعادة الإنسانية تحرّك العالم بأسره من أجل مكافحة الأميّة والقضاء عليها أو على الأقل الحد والتقليل من أعدادها. قد عرفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعليم والثقافة (اليونسكو) محو الأمية بقدرة الفرد على المعرفة والقراءة والكتابة والفهم والتفسير والحساب من خلال استخدام ادوات الطباعة أو الكتابة ضمن سياقات مختلفة. يتضمن محو الأمية سلسلة متصلة من التعلم في تمكين الأفراد لتحقيق أهدافهم وتطوير معارفهم وامكانياتهم والمشاركة الكاملة في مجتمعهم والمجتمعات الواسعة المحيطة بالعالم.

في اللغة العربية كلمة محو الاميّة مشتقة من كلمتين هي (محو) _ (أُميّ) ويقصد بمحو إزالة الشيء أو مسحه، و الأُميّ هو الفرد الذي لا يملك القدرة على الكتابة والقراءة. تستهدف مشاريع محو الاميّة المنتشرة حول العالم الأشخاص الكبار من أجل مساعدتهم في رفع قدراتهم واستغلالها بأفضل شكل ممكن ومساعدتهم في تعزيز كفاءتهم الفردية وفي تحقيق طموحاتهم الشخصية في الوقت الحاضر أو المستقبل. ومع التقدم التكنولوجي المتسارع يوما بعد يوم فقد ساعدت وسائل الإتصال الحديثة مثل الهواتف الذكية ومواقع التواصل الإجتماعي على المساعدة في محو الأميّة والحد من ازديادها.

يشير البيان الذي نشرته المنظمة العربية للتنمية والثقافة و العلوم (الكسو) بمناسبة اليوم العربي لمحو الامية لعام 2019 الى وجود 56 مليون أميّ وأميّة من الفئة العمرية 15 سنة فما فوق ومنهم 6 ملايين من فئة الشباب العربي (15- 25 سنة) أيّ بنسبة تتجاوز 11% من مجموع الأميين البالغين 15 سنة فما فوق. مع هذه النسب المخيفة والأرقام المرعبة فإنه يتوجب مكافحة الأمية لما يترتب عليها من أثار مدمرة للفرد والمجتمع على حد سواء فهي أرض خصبة لانتشار الأفكار والمعتقدات الخاطئة والمتطرفة التي تساعد على تنامي ظاهرة العنف بجميع اشكاله. كما أنّها تؤدي إلى ازدياد الفقر والبطالة في المجتمع، وتعيق النمو والتقدم الفكري والإقتصادي والثقافي والإجتماعي.

تواجه عملية محو الأميّة معوقات كثيرة ومن أهمها العقبات النفسية التي تواجه الأفراد المتعلمين ولاسيما الخوف والذكريات المؤلمة مثل الضرب على مقاعد الدراسة سابقاوشعور المتعلم بأنه تجاوز المرحلة العمرية المناسبة لتلقيه التعليم. من تلك المعوقات أيضا، ما يتعلق بالعامل الزمني حيث أنه لا يتوفر متسع من الوقت لدى المتعملين الكبار من الالتحاق بهذه البرامج نظراً للمسؤوليات الكبيرة الملقاة على كاهلهم.

تبقى الأميَّة مشكلة عالقةٌ في أروقة و دهاليز المجتمعات ويبقى خطر انفجار هذه القنبلة الموقوتة قائما بانتظار حلول تساعد على التخلص منها قبل وقوع الكارثة. ما زالت الشعوب العربية تعيش حياتها بشكل طبيعي على الرغم من ادراكهم خطر هذه المشكلة عليهم! ويبقى السؤال المحير دون اجابة حاسمة، ماهي الأضرار المترتبة على انفجار هذه القنبلة في حال عدم السعي الحقيقي  وكم ستكون التكلفة؟

 عبدالمعين دبدوب

4 1754