ضرب من الخيال

ضرب من الخيال

 

في هذا المقال سوف نضع الحد الواضح لما تعنيه كلمة السلام الإيجابي أو حذفها من القاموس تماماً، وماهو إرتباطها بمعنى الفهم الكامل والشامل للحياة والأحداث التي تدور من حولنا. في محاولة لإدراك ماهية تفاعل كل عناصر الوجود من أجل إستمرار هذا، وطريقة سريانه تعتمد على وعينا الكافي لكيفية هذا التفاعل الناجم أمام مرأى من عيون الجميع. ليس من المُمكن أن يُلغى الشر تماماً، لبقاء الخير هُنا، ما علينا فعله فقط هو الفهم الحقيقي لما يعنيه التوازن الناجم عن خلق المتضادات التي تعمل سوية، ولنعي حقيقة أن الخير والشر، السيء والجيد يعملان مع بعضهما البعض، وليس لأحد أن يلتهم الآخر.

لن نشعر بدفء الصيف المشرق دون أن نذوق برودة ليالي الشتاء المظلمة. لذا من أجل إكمال رحلة حياتنا بنجاح من المهم أن نحوّل كل دمعة إلى حكمة، وأن نجد البركة في كل شقاء. هذا هو الإستيعاب الوافي لكلمة أن تعيش وأنت تعلم كيف تدور الأمور من حولك، لكي تعيش بحالة سلام جزئية وربما وافية. عندما تُؤمّن الأموال ويعم الأمان في المكان والمأكل والمشرب وكل شيء يحدث لخدمتنا بدون وجود أي مشاكل أو معيقات، ستكون المشكلة الأكبر والتي غالباً لن نستطيع مواجهتها. 

كلنا لا نحب الموت ولكن لو أخذناه من زاوية أخرى هو الحل الأنسب لتجديد الحياة وإعطاء فرص جديدة لمخلوقات أخرى وأنواع وأشكال متعددة. في الشر نجد الخير وفي الخير نجد الشر أيضاً، وهذا ما يحتويه شعار الصينية “الين يانغ” إذ لا يوجد من يأكل الآخر وهم يعملان سوية في حركة دورانية، لو يأكل الأبيض الأسود، الأبيض أيضاً سيختفي، لأن وجوده مرتبط بوجود الأسود. لِذا عندما نفكر بالطريقة المثالية لإنشاء معنى شامل لكل الحقوق وأسباب الرفاهية وغيره من مقومات السلام الإيجابي، علينا أن ندرك أهمية الشر بجانب الخير، السيء والجيد، القوي والضعيف والأبيض والأسود.

من هُنا نبدأ بتقبل الآخر واحترامه، قبل وصم المسيء أو الإنسان السيء والحكم عليه، أيضاً علينا أن نعرف الأسباب التي دفعته إلى أفعاله التي يقوم بها. ومن أجل تنمية الخير وسط الشر والأسود داخل الأبيض كما في شعار الصينية، وخلق هذا التوازن بين المتضادات التي تعمل في هذه الطبيعة. لا تهتم إذا تفوق الخير على الشر، لأن الشر ينمو كالهشيم في الأرض وتجدهُ في كل مكان. علينا تعزيز فرص الخير فقط وخلق أسباب جديدة ومبتكرة لأن نعيش في هذا الكوكب بسلام، لا يُقبل فيه الظلم ولا المضرة لأي كائن يكون إن كان في رزقه أو عمله، صحته، نفسه، أمنه والعديد من الحقوق اللازمة لعيش حياة بسيطة تكاد أن تخلو من المنغصات.

ولكن أيضاً  من المهم أن نتقبل تلك المنغصات لنستطيع إكمال مسيرة عيشنا، لهذا يوجد من يقول أن الطريق المستقيم لا تُعلمنا القيادة الجيدة. وهذا يعني أن نتعلم ونتطور في كل مرّة نواجه مشكلة أو نصطدم بجدار ما، حتى في الأديان، كل إساءة تواجهها وتصبر عليها لك منها حسنة وثواب. هذا يعني أن كل من الخير والشر يكمن أحدهم في قلب نقيضه، وعندما ينبت الخير سيختفي الشر ولكنه يتساقط ليلقي بذوره مرة أخرى لينبت وينمو وتبقى العملية. لهذا بدل أن نقول هذا صراع نستطيع تسميته بالين واليانغ أو الربيع والخريف، لأنه مهما كبر الشر سيعود صغيرا ومهما كبر الخير أيضا سيصغر كالمقولة التي في نصّها “ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع”. لذا من المهم جداً والضروري أن نعي هذا، ونسعى إلى تنمية الخير والحب وغيرهم من عناصر السلام الإيجابي.

في مثال ودليل على أهمية وجود الخير والشر في ذات الحين، هي قصة الحرائق التي حدثت في ولاية أمريكية؛ الإطفائيات لم تتمكن من إخماد الحريق بدون معرفة السبب، وفي نهاية هذه الكارثة وبعد التحقيق اكتشفوا أن البلدية قد نظفت ورق الشجر بهدف النظافة ولكن الذي حدث فعلاً هو أن الأرض ولحاء الشجر جفّت، لهذا انتقال النيران واشتعالها كان بطريقة غير عادية ولم يتمكنوا من السيطرة عليها. أحياناً، الخير الذي ليس بمحله هو غير مفيد تماماً ومن الممكن أن يسبب مشاكل كما الشر. النار ولكونها رمزا غير نظِر ويرمز إما للحرب أو غيره، لكنها مهمة لنمضي في حياتنا. هذا ما يعنيه أن نكون على وعي كامل بضرورة وجود هذا التكامل ما بين متضادات الأمور؛ خير وشر، حرب وسلام، سيء وجيد. إذ لا يمكننا القول بأن وجود السلام أو السلام الإيجابي يتعلق بعدم وجود الشر، هذا أمر غير واقعي البتّة، ولا يمكن أبداً تحقيقه، إلا على الورق وهذا يتنافى مع التغيير المراد الوصول إليه. بهذا نستطيع أن نتقبل وأن نحترم الآخر، فالمعرفة بالشيء هي الخطوة الأولى للعمل عليه والتطوير منه، سلام.  

 

محمد العجارمة

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

1 594