عقلية السحلية

عقلية السحلية

الجزء الأول…

 

 


دائما نقول بأننا نريد شيئا ما، ثم نفعل شيئا آخر. نقول بأننا نريد أن نكون ناجحين ولكننا نفسد مقابلة العمل. نقول بأننا نريد شراء منتج متوفر في السوق ولكننا نتلاعب بالمواعيد. نقول نريد أن نكون رشيقين ولكننا نأكل أكثر من اللازم. نقول بأننا نريد أن نكون أذكياءا، ولكننا نفوت دروساً أو لا نقرأ حتى ذلك الكتاب الذى أستعرته من صديقك!

 

جميع هذه التناقضات لا تنتهي أبداً، عندما يظهر لنا شخص ما ويتصرف دون تناقض فإننا نصاب بالدهشة. مثلا؛ عندما يمارس اللاعب الرياضة فقط من أجل الرياضة، أو يحب العمل من أجل العمل، فلا يسعنا هنا إلا أن نشاهد بذهول أفعالهم النقية، لماذا من الصعب علينا أن نفعل ما نقول بأننا سوف نفعله؟ … لنتعرف على السبب.

 

عقل السحلية

يعتبر مخ الإنسان معجزة بحد ذاته والتى ما زال العلم يحاول جاهدا التعرف على طبيعته وكيفية عمله بل وعمل محاكاة له، وما يحدث داخل المخ. يعتبر ما توصل إليه العلم حتى اللحظة عن المخ نسبة بسيطة للغاية عن أسرار المخ.

 

 

يوجد داخل تقسيمة المخ ما يسمى بالمخ القديم أو مخ الزواحف وفي بعض الأحيان يطلق عليه “مخ السحلية” وهو موضوعنا لليوم؛ وذلك طبقا للشكل الذي يشبه سحلية معقوفة الذيل إلى المخ الحديث للإنسان. هذا الجزء البدائي والقديم من المخ مسؤول عن أربعة أشياء أساسية للحياة في وقت إنسان الكهف وهي:

  • مخ السحلية دائما جائع (الجوع).
  • مخ السحلية دائما خائف (الخوف).
  • مخ السحلية دائما شبق (الشهوة).
  • مخ السحلية دائما أناني (الأنانية).

هذه الوظائف الأربعة الأساسية هي كل ما يفعله هذا الجزء من المخ “مخ السحلية” وهو الجزء المشترك بيننا وبين الحيوانات المتوحشة. قد كانت وظيفة مخ السحلية دفع إنسان الكهف أو الأنسان القديم  لفعل الأشياء التي تؤدي لبقائه وعدم الإنقراض، وهي الحاجات الأساسية الأربعة للبقاء، فكثيرًا ما نرى المواجهات؛ دون تفكير، ودون ترتيب، ويكون الدافع الوحيد للمواجهة هو ردة الفعل الشخصية مثل الإنفعال والغضب، والإنطباعات الذاتية، والصراعات الفكرية. بعد ذلك، نمى جزء من المخ والمسمى الان بالمخ الحديث وهو مسؤول عن الروابط الإنسانية والعواطف والمشاركة والإنتماء والإبتكار والتجديد والتي تميز الإنسان عن باقي المخلوقات.

 

 

لكن للأسف، الكثير من الأشخاص يستخدم الجزء الحديث من العقل في عقله فقط ويستخدم “مخ السحلية” في جميع أمور حياته! ففي كل مرة تتصرف بدافع من (الخوف/ الأنانيه/ الجوع/ الشهوه الجنسيه) فقط بدون إستخدام (المشاركة والعطاء/ الروابط الإنسانية/ الإبتكار/ التجديد/ المنطق)، فأنت تستخدم بكل تأكيد فقط هذا الجزء من عقلك المشترك بينك وبين الحيوانات المفترسه فقط وهو”مخ السحلية!!”. 

بالتأكيد سمعت هذه الملاحظة من قبل في إحدى المحاضرات وبأن الدراسات أثبتت أن مخ الإنسان مثله مثل العضلات، إذا دربتها أصبحت أقوى وأشد والعكس صحيح. المخ كذلك، إذا إستخدمته أصبح أقوى وإذا لم تستخدمه ضعف. بمعنى آخر، عدم إستخدامك للجزء الحديث من عقلك فإن ذلك يؤدي بك مع الوقت للتحول إلى حيوان ناطق بالمعنى الكامل للكلمة!… وفي نفس الوقت، محاولة التجديد والإبتكار هي نفسها قد تدفعك إلي النمو والتجديد والإبتكار لديك. أن تكون المبتكر الأول ثم أن تكتسب مهارة الإبتكار وليس العكس!؛ فعقل السحلية سيبقى دائمًا موجودًا في دماغك و وظيفتك أن تكتشف كيف يمكنك تهدئته و تجاهله.

كل هذا جميل على الجانب الإنساني، ولكنه صحيح تماما على الجانب العملي وريادة الأعمال والابتكار والمشاركة والعطاء. كم من شركة إستخدمت “مخ السحلية” في التعامل مع زبائنها وفي طريقة التفكير المطلق في كل شيء؟! أنهم يريدون المال بأسرع فرصة وأكبر كمية من المستهلكين بأي طريقة كانت وثمن، حتى لو كانت على حساب ثقتنا بهم، ولقد تناولت في مقالي السابق عن “العبودية السيكولوجية” وطريقة تفكيرالناس وكيف أصبح الناس عبيد بسبب “مخ السحلية”.

 

عقلية السحلية؛ التسويق العصبي

علم التسويق العصبي هو علم جديد كليا وهو نمط جديد من الأساليب التسويقية للسلع و الخدمات بما يحقق مبيعات أعلى من أساليب التسويق التقليدية وذلك بإستخدام “مخ السحلية” في تسويق المنتجات.

 

لماذا يستخدم التسويق العصبي

لأن التسويق العادي قد أخفق في مهمته، في التسويق التقليدي، نأتي إلى المستهلك ونقوم  بسؤاله: ماذا تريد بالضبط؟ وحسب إجابته، نبني المنتج، ونعمل إستراتيجية لبيع هذا المنتج. و لكن يوجد بهذا الأسلوب عيب خطير… أتعرفون ما هو؟ أنه و بكل بساطة، المستهلك لا يعرف ماذا يريد!. وبهذا يفشل التسويق التقليدي. أما في التسويق العصبي؛ فإننا بالفعل نسألهم ماذا يريدون!، و لكننا لا نثق بإجابتهم، لأننا نعلم أنهم لا يعلمون… لكن، أثناء إجابتهم نقوم بفحص التغيرات الفيزيولوجية التي تحدث داخل أجسامهم وأدمغتهم ونحدد النقاط العصبية التي تؤثر على طبيعة المنتج وطريقة عرضه. في التسويق العصبي، يحاولون التأثير على “مخ السحلية” وكيفية التأثير فيه بشكل مباشر. بالتأكيد فهم ليسوا بحاجة لتهديد حياة العملاء لجذب إنتباه “مخ السحلية” الذى بداخلنا، فهناك إسلوب معين للتسويق يمكن من خلاله شد انتباه هذا الجزء من المخ. كما ويمكن مخاطبة مراكز الألم والأنانية لدى الشخص وحبه لذاته وإستخدام الصور واللعب على الوتر العاطفي ولعل أفضل طريقة لشرح هذا الأسلوب من خلال الأمثلة التالية والتي فيها إستهداف مباشر لمخ السحلية:

 

  • الجميع يحب الأطفال: ضع صورة لطفل: يتصل العصب البصري مباشرة بعقل السحلية؛ وهذا يعكس قوة أثر البصريات لأنها جزء مهم فهو الذى يحدد إذا كان هناك خطر أو لا. السحلية التى بداخل عقولنا تدرك وجود الخطر من خلال البصر. مثلا، عند رؤية ذئب فعقل السحلية يخبرك بأن عليك الهرب بسرعة. الخطاب البصري هو أسرع وسيلة للوصول الى عقل السحلية الموجود في أدمغتنا؛ لأنه يخاطب مخ السحلية بشكل مباشر. يعرف العاملون في مجال إعلانات الشركات، أن الصورة الجيدة تساوي ألآف الكلمات، وأن أفضل صورة من الممكن أن تضعها في إعلانك، على سبيل المثال، هي صورة طفل وذلك وفقا للمسوحات التي أجريت للمخ خلال النظر للطفل، ولكي تنجح الصورة أكثر، إجعل الطفل ينظر إلى المنتج.

 

  • تخفيف حدة ألآم الشراء: يشعر العديد من الناس عادة بنوع من الألم النفسي عند الشراء، و ينتابهم شعور بالندم خوفا من أن يكونوا خسروا أموالهم مقابل شيئ لا يستحق أو يمكن الإستغناء عنه لاحقا أو أنهم تسرعوا عند الشراء ومن الممكن إيجاد المنتج بسعر أقل. هناك طريقة لنتخطى هذه المشكلة وذلك بجعل الأسعار تبدو أرخص مثلا بدلا من أن نجعل إشتراك النادي الرياضي حوالي 600 دينار سنويا، من الممكن جعله 100 لشهر والأفضل جعله ب10 دنانير في اليوم، وهكذا يكون قد تخلص من الخوف.

 

  • جذب حاسة الشم: نظرا لأهمية حاسة الشم في استشعار المخاطر، فإن التأثير على هذه الحاسة يؤذي فعليا لنتائج سريعة؛ حيث زادت المبيعات في المحلات ذات الرائحة الجميلة مقارنة بالأماكن الخالية من الرائحة أو ذو الرائحة الكريهة، في شركة الطيران السنغافوري نموذج رائع باستخدام حاسة الشم، فـ ملابس المضيفات يمثل علم سنغافورة، ويضعن جميعا نفس النوع من العطر.

 

يتبع في الجزء الثاني عن عقلية السحلية.

 

أحمد أبو حميد 

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

Related posts مقالات ذات صلة
5 176