على طريق الكراهية

على طريق الكراهية

 

المشاعر التي تعترينا في كل مراحل حياتنا تمثل شيئا عجيبا عجز الإنسان عن بوتقتها بإطار منطقي وعقلي. يصبح عاجزا تماما أمامها تتحكم به وبأفكاره كما يتحكم الشراع بالسفينة، تأخذه الرياح أنّا (كيفما) شاءت، إن شاءت أغرقته وإن شاءت أنقذته. مشاعر الكراهية مشاعر طبيعية يعتادها ويعايشها الإنسان كل يوم، وإن انكرها فهي موجودة حتما في تركيبته الشعورية. وهي تعرف بتفضيل الإبتعاد والنفور من شيء ما أو شخص ما بسبب وجوده على أرض الواقع (شكلا) إضافة إلى وجوده الجوهري (مضمونا). من المترادفات باللغة العربية حسب التسلسل، اولا درجة النفور ثم درجة الكره ثم درجة البغض ثم درجة الشنآن (مصدر الفعل شن)، ثم المقتن وأخيرا أشد هذه الدرجات وهي البغضاء.

هناك عوامل شعورية تصنع الكره وترافقه في القلب غير منفصلة أو بعيدة عن هذا الشعور يُذكرُ منها الغيرة وحب التفوق على الآخرين، ومشاعر الحسد وتمني زوال النعم عن الطرف المكروه، وعدم التعاطف مع الطرف المكروه وتفضيل رؤيته بحالة سيئة، ومشاعر الحقد والبغض الشديدين، ومشاعر العداوة، ومشاعر الإشمئزاز والقرف، وأيضا، مشاعر مختلطة آخرى مثل الحزن والإكتئاب والغضب. كل أو بعض هذه المشاعر تصب في مكنون القلب إن وجدت الكراهية فيه إن صح التعميم.

ترتبط مشاعر الكره بأسباب ليست بغامضة ولا بعيدة عن الواقع، ومن أهم هذه الأسباب:

  • شعور الشخص بالظلم: ذلك من خلال انتهاك حقوقة الشخصية وكمثال على ذلك: التعرض للعنف الجسدي، أو النفسي، أو اللفظي كالإستهزاء وكذلك التعدي على الممتلكات الخاصة بالإتلاف أو السلب. ( أنظر هرم ماسلو الذي يمثل الحاجات الأساسية للإنسان). يشكل هذا الأمر سببا مقنعا للشخص ليكره من قام بظلمه وانتهاك حقوقه الإنسانية.
  • عدم النضج العاطفي: في السياق الزمني لحياة للإنسان ومن الشائع في فترات المراهقة والطفولة مثلا.
  • البيئة: تشكل البيئة سببا مهما في عملية الكره من خلال تبني أراء الآخرين و اكتساب صورهم النمطية عن شيء ما (مثال: فلان يكره شيئا… أنا أكرهه أيضا… ما السبب لا أعلم). كذلك الطبقية والشعور بالدونية والفقر واحتقار الذات قد تسبب الكره.
  • عوامل تتعلق بإفراز الهرمونات (مثل الأوكسيتوسين على وجه الخصوص) وهو هرمون يعمل على تضخيم التجربة الإجتماعية التي ينتجها الجسم أثناء الشعور بالكره فهي هرمونات يدمنها الجسم وتُورَثُ بدرجات متفاوتة جينيا من الأبوين والأصول.
  • الدخول في فراغات لا أخلاقية وتراكم الإحباطات الشخصية.
  • الغيرة وحب التفوق على الآخرين.
  • استبعاد جميع الأفكار اللتي لا تتفق مع الفرد وعدم التفكير فيها.
  • الخوض في جدالات مع أشخاص مخالفين بالرأي يولد نوعا من أنواع الكراهية لهم وفيما إذا احتدم الجدال نسأل هل سيكرهون بعضهم في حال بقائهم صامتين أم لا؟ وفي هذه الحالة لا أعارض النقاش البناء بل أعارض الجدال الفارغ الذي لا نتيجة ترجى منه إلا زيادة المسافات بين الناس.

 

هناك مستويات لمشاعر الكره تتدرج من الفكرة ثم القول ثم الفعل. وتدرجها طبيعي تماما كالحب أو السعادة؛ فأولها أخذ الصور النمطية والخوف من الأشياء المختلفة وقبول الأفكار السلبية عن الأشياء والنفور. لغاية هذه المرحلة بقي الكره داخل الإنسان ولم يخرج إلى الواقع وفي المرحلة القادمة سيكون مخاض النفس وولادة الكره لينجم عنه كلام أو فعل مثل العنف اللفظي والنفسي والذي قد  يتجلى في عدة ممارسات منها:  تجنب الكاره للمكروه اجتماعيا والنظرات الكارهة والتنابز بالألقاب والتنمر اللفظي والإستهزاء والكلام المبطن (في الظاهر يتكلم الكاره عن شيء ويقصد به الإضرار النفسي بالمكروه بطريقة غير مباشرة). إن البشر اختروعوا أكثر الوسائل فتكا فقط بإستخدام الكلمات “الحروب الباردة” والتي لا يقل الألم فيها عن جروح تُدملها السيوف ودقتها تماما كسهم لا يخطئ هدفه. انظر ما رد ونستون تشرتل عندما تحدثت له إحدى النواب بقولها:

“السيد تشرتشل… لو كنت زوجتك لوضعت لك السم في الشاي”!… أف كل هذا الكره! يمكن أن يكون هناك سبب لكرهها لونستون تشرتشل.

رد ونستون تشرتشل:

” سيدتي… لو كنت زوجك فسأشربه”!

لكل فعل رد فعل مساو له أو يفوقه في المقدار… وصدق عمَارَة بن عقيل عنما قال:

تُبدي لك العَيْنُ ما في نَفسِ صاحبِها مِن الشَّناءةِ والوُدِّ الذَّي كَانَا
إنَّ البَغِيضَ له عَيْنٌ يَصُدُّ بها لا يستطيعُ لِمَا في القلبِ كِتْمَانا
وعَيْنُ ذِي الوُدِّ لا تنفكُّ مقبلةً تَرى لَهَا محجرًا بَشًّا وإنسانا
والعَيْنُ تنطقُ والأفواهُ صامتةٌ حتى ترى مِن ضميرِ القلبِ تِبيانا

 

كمية الضرر التي أحدثته الكلمة لكل منهما!، إنها قوة الكلمة، هي تماما كقوة السيف وطلقات البارود. وبعد هذا، ينتقل الخلاف إلى بعد أوسع من البعد الفردي ليدخل في الخلاف جماعات من الناس يتبلورين حول أنفسهم وحول “الشخص الكاره” تجاه شخص ما أو جهة ما. أي ممارسة التمييز المبني على الفصل العنصري والتمييز الإقتصادي والتمييز التعليمي… الآن وبتطور طبيعي، تأتي مرحلة الأفعال فيما إذا لم يشف الكلام غليل الكاره (هو يفكر الآن بخطوة اكثر خطورة… أكثر عنفا لشفاء غله. صدق العرب عندما وصفوه بشفاء الغل؛ الرضى عن تعرض الآخرين للبؤس والتعاسة، أي أنهم ضمنيا اعتبروا الكره مشاعر غير ملائمة وغير محبذه وتلك هي خطوة جيدة من قبل اللغة وأصحاب اللغة). وبذلك يطبق الفعل العنيف وكمثال عليه الإعتداءات الجسدية والجنسية اضافة إلى جرائم القتل، وإذا اتسم هذا النوع من العنف بالجمعوية فإنه يتحول إلى مشاجرة وحرب أو حتى إبادة جماعية والتي يُعرفها القَّتلة على أنها “التطهير المبني على العرق و\أو الدين”. هنا، يصل الإنسان إلى قمة الكراهية وعندها يتجرد الإنسان من انسانيته قابعا مع كرهه وتصبح مشاعره متحكمه في عقله.

 

ماذا وإن عاد إلى الوراء  قليلا وبقي كرهه داخل عقله ولم يفصح عنه؟!

في 90% من حالات كره الناس لبعضهم لا يمكن اكتشافها بسهوله، ذلك لأن مشاعر الكره مشاعر حرجة لا تحتمل المناطق الإنتصافية. وإن أُخفِيت منعت ضررا محتما وإن ظَهرت على أرض الواقع أحدثت ضررا بينا لا خلاف فيه. هنا تدخل التأويلات فيما إذا كان الشخص المقابل كارها ام لا، فإنه في الغالب، الكاره غير قادر على إخفاء لغة جسده أو لغة عيونه وحتى تصنعه الإبتسامة. هو مجرد إحساس يُؤَول ولكن الإنسان الواعي والعادل لا يعمم الكره وإن في بعض المواقف والمشاكل التي تحدث في حياتنا يتضح ضلوع أحد الأشخاص في خلق المشاكل لنا، هنا أيضا يجب التحقق من أن هذا الشخص سبب لنا المشكلة! وليس التأؤيل وتصديق كل ما يسمع عنه وفي هذه الحالة يتضح لنا الشخص الناضج  عاطفيا من غيره. لنتذكر أنه لطالما كرهنا أشخاصا ولم يظهر كرهنا لهم على الملأ حتى تحول كرهم إلى حب، فَتَحصَّل الندم وتبَّينَ سماتُ ومناقبُ المكروه لنا. نحن بشر، ونحن متقلبون، لذلك فلنبقى  في منطقة معتدلة شعوريا.

الإعتدال الشعوري في مجال الكره. الحب يكمن في تطبيق التسامح. التسامح مع النفس أولا وإدراك قيمتها وجوهرها وتفردها عن الآخرين وعن الكارهين والرضى دائما يولد إعتدالا وتوازنا. كما أن ممارسة النشاطات المفّرِغة للمشاعر السلبية لهي من أكثر الوسائل البنّاءة في تقليل الأثر الناجم عن الكره؛ إن كنا الطرف الكاره أو المكروه على حد سواء فبذلك لن نجد وقتا فارغا لنكره. وصدق الشاعر عندما قال:

وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا      فإنك لا تدري متى أنت راجع – أبو الأسود الدؤلي

إيمان أبو مقرب

 


المراجع:

PSYCHOLOGICAL PERSPECTIVES ON HATE CRIME LAWS Megan Sullaway Pacific Psychological Associates University of California at Los Angeles

https://c4sa.org/other-programs-services/hate-crime-prevention-education/

The Psychology of Hatred José I. Navarro*, Esperanza Marchena and Inmaculada Menacho

https://blogs.unimelb.edu.au/sciencecommunication/2017/10/20/oxytocin-the-love-hormone-or-the-hate-hormone/

Psychological Perspectives on Hate Crime Laws

0 267