قصة غرفة الصدى

قصة غرفة الصدى 

اليوم رح أحكيلكم قصة صاحب الدُكان، هذا كان زمان شب شاطر وعنده عقلية تجارية، ويعرف كيف يجيب الزباين لدُكانته. لكن إجت فترة بطّلوا الزباين يحبوا يشتروا من عندهُ؛ علق يافطات وكتب “تنزيلات… تنزيلات” ومع هيك الناس صاروا يشكّوا ببضاعته ويقولوا عليها مغشوشة “أكيد ما دام نزل الأسعار، في غلط عندهُ”…

زادت المشكلة وبطّل عارف إيش يعمل، قرر يسكر هالدكان إللي بطلت تجيب همّها.

راح يشكي لصاحبهُ الحال؛ إللي هو أنا!

قلتله لا يزم شو تسكر ما تسكر، انت مو عارف تمشي شغلك، إلك عندي فكرة ممتازة ومضمونة مية بالمية!

– شو هي يا مفلسف؟!

قلتله: سهلة، رجع الأسعار زي ما كانت، بس إسأل الناس عن الأشياء الي يحبوها، إنسى السكر والرز والزيت، حط للصغار شوكولاتة وشيبس على الطاولة قدامك، عشان يضلوا يرجعوا عليك، وضلك إسال الناس شو تحتاج وحط كل شي يحبوه ويحتاجوه عشان كلهم يجوا عندك.

فيسألني: كيف أعرف شو يحبوا ويحتاجوا يا فهيم أنت؟!

– أنا أساعدك إذا تحب، بس إلي نسبة

حكالي موافق، بس كيف رح تساعدني؟!

قلتله أنا أدخل بيوت الناس بالسرقة وأعرفلك كل حدا شو ياكل وشو يشرب، وكل شي أعرفلك إياه وأنت تجيب منهُ، زي ما بدهم وزيادة، وهيك أنت تكون كسبت زباينك وأنت مرتاح وقاعد ورا هالطاولة.

إنبسط وقال: موافق خلص إتفقنا.

– إدفع الأول بعدين نتفق، وبدي أعرف قديش حاب أدخل بيت، عشان يجوك ويشتروا من عندك.

والله إتفقنا وحاسبني بالدولار ومزحت؛ معك فيزا!

ضحكنا ومشينا كل واحد لشغله وبشلنا وعلى قد ما يدفع أنا أدخل على بيوت الناس وأتجسس عليهم والشغل عندهُ صار زي الحلاوة، الزباين يجوا يلاقوا كل شي بدهم إياه وهم مو عارفين عن الطبخة شي.

الحمدلله، أنا هسا صار عندي مصاري خير الله لدرجة إني بطلت أقدر أحصيهم، عشان صرت أتعامل بهالشي مع كل حدا، مولات ومعارض سيارات وأي منتج يخطر على بالكم، وطبعاً أولاد عمي يشتغلوا معي كمان وإنبسطوا على الموضوع.

آه أنا نسيت أحكيلكم إسمي!

أنا إسمي فيسبوك، وأولاد عمي أنستغرام وسنابشات والمواقع الباقية، هي شغلتنا، بس نتجسس على الناس وشو رح يشتروا وشو يحبوا ونحطلهم إياه بالدكان وهيك نمشي الشغل. 

بالبداية ما حدا كان منتبه إلنا والأمور تمام، لحد ما طلعوا أكمن واحد مشاكسين وبلشوا ينبشوا ورانا، منهم الباحث والكاتب “إيلي باريسر” وحكى مرّة “كونوا على حذر من فقاعات الترشيح على الإنترنت” وسمّاها بهالإسم “Filter Bubble” فقاعة الترشيح. ويحذر منها على نطاق واسع وكيفية التخلص منها إللي فعلاً إحنا نستخدمها، كيف نستخدمها؟!

أنا أحكيلكم: هي فقاعة يتم إدخالك بها لحتى تشوف الي يعجبك على النت بشكل عام من مواقع التواصل الإجتماعي أو محركات البحث مثل جوجل وغيره. نتبع طريقة القفز من على الأسوار لندخل على البيوت والغرف أو إلي نسميها الخوارزميات لحتى نحدد ونعرف اهتماماتك ونعرض على أساسها. ما ذكرهُ فيسبوك ورفاقه، كلهُ يؤدي بكم إلى ما يعرف ب”غرفة الصدى” أو مايعرف بال “Echo Chamber”.

اليوم أستلهم فكرة “الغرفة عديمة الصدى” التي هي من إبتكار شركة مايكروسوفت بقائد فريق العمل “هوندراج غوبال” اليوم سوف نكون غوبال وفريقه الرائع الذين استطاعوا أن ينشئوا غرفة لا يتكون فيها الصدى الصوتي أبداً، وبهذا يستطيعون سماع حتى صوت دمائهم وهي تجري في العروق. سوف نصنع مع بعضنا البعض غرفة عديمة الصدى والفكر والرأي، أو قليلة ربما.

أولاً لنعرف ماهيّة الأمر وما يحدث لنا بالصورة العامة، هي أن محركات البحث ومواقع التواصل الإجتماعي تقوم بإدخالنا في فقاعات الترشيح التي فيها من الأشياء التي تهمنا ونحبها، حتى على مستوى الآراء والأفكار، تخرج لنا ما نريدُه فقط، فعلى سبيل المثال، إن كنت أحد عُشاق شركة مرسيدس فهذا يعني أنك ستجد الحائط لديك على صفحتك الخاصة ممتلئة بالإعلانات لهذه الشركة بنتاىج إيجابية، ولن تجد إعلانات لشركة “كيا” مثلاً.

أمّا على مستوى الآراء، فهذا يحدث عندما تتبنى أفكار وتبدأ بالبحث عنها والقراءة والكتابة، فإن هذا الحائط يمتلئ بمن يشاطرك الرأي من أشخاص وصفحات ومواقع. وهنا تبدأ بدخول غرفة الصدى التي ستشعر فيها أن آرائك وأفكارك هي الصحيحة لأنه ببساطة ستجد من يؤيدك، ولن تواجه في هذه الغرفة من يعارضك أو يختلف معك بهنّ.

وهذا بالطبع لهُ الآثار السلبية، من عدم تقبل الآخر والحد من التغيير في الأفكار أو تطويرها، إذ أن تجمُع الأفكار المختلفة ومناقشتها بطريقة لبِقة وقائمة على الإحترام تؤدي بنا جميعاً إلى إستثمار هذه الطاقات والأفكار والوصول إلى مناطق تخدم الأطراف، أو إحتفاظ كُلٍ بما لديه، المهم كما أسلفت ان يكون الإحترام والوعي أساس كل شيء فيما بيننا.

نعود بالحديث عن إختراعنا الذي سوف نبنيه سوياً، ألا وهو “غرفة عديمة الصدى” Room is echoless، إذ أنه ليس دائماً شيء جيد. ونحنُ أطفال كُنّا نعتقد أنه إذا نشأ لأصواتنا صدى تكون الشياطين هي التي ترُد لنا هذا الصوت فنخاف ونوجل، لهذا نجد أننا نبتعد ونحاول الخروج إلى مكان مفتوح لتجنُب هذا الشيء المخيف.

هُنا في غرفتنا لن نبني الجُدران أبداً، سوف نكون نحن الأصوات والأفكار، ونخرج يداً بيد وكُلٌ بصوته ورأيه للتعبير عن ما نفكر بهِ دون خلافات أو جدالات تشوش السمفونية تلك، وبهذا نصعدُ تماما من قواقعنا الخاصة التي تُرعبنا إذا ما شعرنا بهذا كما كُنّا أطفال.

الذي يخدم فكرتنا أكثر أن السماء ليس لها سقف من باطون أو حديد، بل إنها صاغية تماماً لنا، لنتسرب وما نقول بين غيمتاها المجتمعتان في الأعلى. ولكن المهم أن نعرف كيف نفعل هذا دون المساس بمشاعرها، إنها تُسقينا تماماً حُب إن أردنا. ولنتذكر أن كُلٌ منّا له حصة في هذهِ السماء الجميلة الحنونة. وفي الأرض تماماً كما في السماء وأكثر.

نعود مرةً أخرى إلى غرفتنا، إذ وجب علينا أن نكون أكثر وعياً وفهما للتطور التكنولوجي، الذي يلفُنا من كل جانب في حياتنا. ونعي مخاطره علينا وكيفية تجنبها ونشق تلك الجدران من خلال دراسة طريقة عملها. سنجد أن التنويع في البحث عن الأفكار والإهتمامات هو سبب رئيسي لتجنُب الوقوع في مثل هذه المطبات، الذي يتمثل بالتقوقع والسقوط في مغبة الرأي الواحد والفكرة الواحدة الوحيدة، في رأسك وأمام عينيك. قد كتبت بعض التوصيات والنداءات على شاكلة شعر حُر:

طوبة عليّ وطوبة عليك

غير ما نبني سقف وحيط

ولا حتى أسلاك وشيك

اعطيني متر وأسلاك تربيط

نبني ونعمر هالأرض

بيت إلنا بالطول والعرض

فكرة منّي وفكرة منّك

إضحكلي فرّجني سنّك

غنيلي سمعني فنّك

طلع أفكار إلي جَنّك

حبة وعي وحبة تخطيط

ده مُحرك سرّاق وعبيط

خُش الصفحة ديّا وروّح

وخُش الي بعدها وإتطوّح

كون حِركي وكثير تنطيط

زي الي يدخن تعفيط

زي الي بيسوق تفعيط

ولا ليك وجهة وحدة قديمة

غرفتنا من هالصدى عديمة

ف طوبة عليّ وطوبة عليك

مدّ لي فكرة وأنا ح أدّيك.

والسلام.

محمد العجارمة

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

3 79