قول وغيّر (2)

قول وغيّر (2)

في هذه السلسلة من المقالات سأتطرق إلى مواضيع خاصة بنسيج المجتمع الأردني – الجزء الثاني

ما تسمعه على الراديو أحياناً

ما تسمعه في الراديو يصدمك ويفاجئك أحيانًا، لكن لثانية واحدة فقط. ثم تعود الحياة لمجراها. هذا برأيي، ملخص تفاعلاتنا وعلاقاتنا. نحن نقر في بعض الأحيان بأن الأمور خاطئة وبطريقة أو بأخرى نفهم تأثيرها، لكننا اعتدنا على الوضع، بحيث وصلنا إلى حالة درجة من اللاوعي الواعي تشل أجسادنا وعقولنا من القيام بأي تغيير. على من يقع اللوم؟

علينا نحن كأفراد، فلدينا القوة والإرادة اللازمة للتغير وتغيير من حولنا، نحن مباركون بعقول حرة ولدينا ما يكفي من الفرص اليومية باستمرار للإستفادة من هذه القدرات للتعبير عن آرائنا سواء كانت متعلمة و/أو عاطفية وارساء التغيير. لكن، لماذا لا؟ هل نمضي قدمًا في هذا؟ لماذا لا؟ فوفقاُ لفيصل، لدينا خاصية واحدة حقيقية، فلماذا لا تدفعنا إلى الأمام؟ هل نستخدمها  بشكل خاطئ؟ لكن ما هو الصحيح؟ هل لأننا خائفون أو كسالى أو محبطون أو لمجرد أننا لا نرى أي فائدة من بذل أي جهد هناك؟ لمتى يستمر التذمر؟!

 في يوم ما بطريق عودتي للمنزل في أحد سىرافيس عمّان، على إحدى قنوات الراديو، كانت امرأة تروي قصتها عن رغبتها بولد وأن بناتها الخمس-اللاتي تحبهن جدا- ما هن إلا نتيجة محاولتها هي وزوجها بالرزق بطفل ذكر “فاللولاد غير” كما أعقبت. فقررت هي وزوجها المحاولة مرة أخيرة واستعانت بالطب الحديث باستخدام تقنية «التشخيص الجيني ما قبل الزرع» (PGD). وذلك لكبر عمرها وضمان مستقبل العائلة المادي بحيث أن الحياة في عائلة بهذا العدد من الأفراد صعبة في هذا الوضع الإقتصادي.

 “إن تفضيل المولود الذكر عن الأنثى ليس ظاهرة جديدة، ولكن بينما اتّبعت الوسائل القديمة التخلُّص من الطفلة الأنثى بعد ولادتها، أو إهمالها، أتاحت التكنولوجيا الحديثة والتي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين وأهمها السونار، التخلص من الإناث قبل ولادتهن عن طريق إجهاضهنّ. أما في أوائل التسعينات فأصبح التفضيل ممارسًا حتى قبل الحمل وذلك عن طريق اختيار جنس الجنين باستخدام تقنية «التشخيص الجيني ما قبل الزرع» (PGD).

لقد سمحت هذه التقنية باختيار جنس الجنين بعد التلقيح الإصطناعي وقبل نقله للأم، عن طريق فحص جينات أو كروموسومات الجنين وإرجاع الأجنة الحاملة للجنس المرغوب به إلى الرحم عبر التلقيح الصناعي أو ما يُعرف بأطفال الأنابيب. وبينما استُخدمت التقنية بداية لدواعي طبية مكّنت العلماء من الكشف عن بعض الأمراض والحد من الأمراض الوراثية كالهيموفيليا والثلاسيميا إلا أنها أخذت منحىً اجتماعيًا بحتًا.

“لا يوجد قانون في الأردن يمنع أو يُشرّع استخدام تقنية التشخيص الجيني، ولكن سبق أن صدر في العام 2009 مشروع قانون حول استخدام التقنيات الطبية المُساعدة على الإنجاب لا يزال موجودًا في ديوان التشريع والرأي إلى هذا اليوم. تحظر المادة العاشرة من مشروع القانون «استخدام التقنيات الطبية المُساعدة في انتقاء الجنس» إلا في حال تعلّق سبب الانتقاء بتفادي أمراضٍ وراثية مرتبطة بجنس الجنين. هذا وكانت دائرة الإفتاء الأردنية قد أصدرت فتوى شرعية حرّمت فيها كذلك استخدام التقنية لدواع غير طبية «لِما في ذلك من المحاذير الشرعية كفتح الباب أمام العبث العلمي بالإنسان، واختلال التوازن بين الجنسين، والتعرض لاختلاط الأنساب، وكشف العورات».

كانت السيدة فرحة للغاية عندما تم تأكيد حملها، وانتظرت ليلا ونهارا لفحصها بالموجات فوق الصوتية في الأسبوع الثامن عشر لتحديد بل لتأكيد الجنس. خلال  تلك الفترة تسوقت ببعض من الجنون لشراء ملابس أطفال زرقاء اللون، واشتغلت بتسمية نفسها أم فلان. ولكن، عندما جاء ذلك اليوم كانت الصدمة؛ إنها فتاة! طفلها السادس، آخر أحمالها وفرصها. وحتى مع محاولتها للتحايل على القدر، فما في بطنها بنت! جراء خطأ طبي على ما يبدو!. لقد دمرت، كانت غاضبة للغاية خائبة الأمل من شدة رغبتها في إنجاب إبن. كل تلك الآمال و الرغبات أتت لنهايتها في لحظة كانت ستغمرها بالحب والسعادة بالتأكيد إذا ما كانت الكلمة (ولد مش بنت). لقد فكرت في الإجهاض، لكن هذا غير مقبول ولا ممكن. فتبعها الإكتئاب. في غضون بضعة أشهر، أدركت أنها ليست خطأ طفلها ولا خطأ أحد، وعلى أي حال ستحبها دون قيود أو شورط. ومع ذلك، يمكنك أن تشعر بخيبة أمل عميقة في صوتها.

لماذا هذا؟ هو بالتأكيد من السياق الثقافي المحلي والعالمي؛ فهناك محاباة واضحة تجاه الذكور لأنهم “أكثر جدارة وقيمة” (هذه المرة الثانية التي نذكر فيها “القيمة” في هذا المقال) فيُنظر إليهم على أنهم أكثر قدرة على فعل الأشياء؛ وهم أيضاً من يحملون اسم العائلة، ويمكنهم مساعدة الأسرة عندما يكون هنالك حاجة إليهم، وسيكونون دائمًا موالين لهم، فهذا هو السند. ربما هذا هو صحيح لأوقات كانت المرأة ودورها مهمشون إلى عدمه وكانت قوانين الغاب هي الحاكمة. لكن “هم البنات للممات”، “البنت آخريتها لبيت زوجها”، “لمّا قالولي ولد اشتد ظهري واستند… ولمّا قالولي بنت انهدت الحيطة علي”،” البنت ما بطلع بإيدها إشي”، “الولد بيجي وبتيجي رزقته معه”. وأيضاً،  إذا أتت الزوجة بخلفة من البنات فقط، يُنصح الزوج بالزواج عليها كأنها مريضة يجب علاجها أو استبدالها وحتّى التخلص منها و غيرها الكثير من الأقوال والأفعال. كل هذه التحاملات والأنماط السائدة في هذا العصر ظالمة، غير هادفة وهادمة ويجب الحد منها؛ لكنها مع الأسف شائعة ومقبولة. فكيف يمكن تجاوز هذه المقولات الّتي استوطنت عقول شعوبنا كثقافة يناط بها المنطق.

في مجتمعاتنا في الوقت الحاضر، المرأة هي أكثر الموالين وأكثرهم إخلاصاً، وقادرة على القيام بكل وأي شيء. فلماذا لا يزال وضعها بتلك الخانة القاتمة؟ استخدم هذه القدرة من التعبير الحر والمتواصل لرفض هذا التيار الظالم و وضع حد لهذا الحكم الجاهل. فيجب التوقف عن استعمال هذه الكلمات النمطية للمرأة المشيرة للضعف والعبء. اليوم نحن بأمس الحاجة إلى النظر إلى محتوانا الثقافي وعاداتنا وانتقاده إن دعت الحاجة لذلك. فالعادة ليست بتعريفها حقيقة إنما هي عرف اجتماعي. ولبقائها و استعمالها تحتاج إلى وفاق و قبول من المجتمع، فهنا تدعو الحاجة إلى وعي مجتمعي ملائم ومناسب لمكونات المجتمع و أعرافه.

 التذمر يجب أن يتطور إلى فعل.

أسامة مبيضين

0 74