قول وغيّر

قول وغيّر

 في هذه السلسلة من المقالات سأتطرق إلى مواضيع خاصة بنسيج المجتمع الأردني؛ المجتمعات في الأردن بعيدة عن أن تكون متشابهة أو ذات عنصر واحد، فنحن مختلفون، وربما هذا ما يجعلنا ما نحن عليه الآن. نحن أيضاً وحدة فعّالة، فنحن نتكيف -بطرقنا- مع كل ما يأتي في طريقنا. يأتي هذا التكيف مع أي تغيير في التعبير بالكلمات، فوفقًا لفيصل من البودكاست الخاص به باسم فيصلوسفي، فقد ذكر أنه من المحتمل أن ما يجعلنا عربًا أكثر من اللغة العربية هو حقيقة أننا نحب التحدث والتعبير عن أنفسنا كلما سنحت لنا الفرصة. لذلك، كانت هذه الكلمات التي وإن كانت مجرد تنفيس عن المشاعر أو ردة فعل مناسبة لبعض من “المواقف الحقيقية” معبرة عن الإحباط ومشاركة للآراء، وبذلك فإنه تم تعميمها مبتعدة عن خصوصيتها لأي شخص أو موقف مناسب بأي سياق محدد. وهذا على المدى الطويل شكّل مواقفنا وواقعنا بدرجة أو أخرى. يجب علينا أيضًا أن نقر بأن المعاهد التعليمية والإرشادية و الحكومات وغيرها قد فشلت أو لم تقم بأدوارها بشكل صحيح في تهيئة بيئة يكون التعبير فيها بناءا، ويكون النقد والحكم فيها للفرد وليس معمماً ولا ناشرا للكراهية.

 في هذه المقالة  سأتطرق إلى وجود التفرقة والتمييز بمختلف أشكالهما ودرجاتهما في مجتمعنا، مرتكزاً بشكلٍ خاص على العرق والجنس، محاولاً قدر الإمكان الإبتعاد عن الصورة الكبيرة والمتداولة للتمييز في الأردن. كما سأتكلم عن دور الصور النمطية في توجيه وتعزيز سلوكياتنا وأفعالنا تجاه ‘الآخرين’  ببعدها المباشر والغير مباشر. التي بدورها تجحف الآخر؛ مؤثرة بذلك على العلاقات والتفاعلات الإنسانية معه من درجات مبطنة وخفيفة إلى درجات صاخبة ووقحة، والتي تؤدي بدورها إلى عدم استقرار المجتمع، مؤدية بذلك إلى العنف و/أو الأذى.

 لتخمة الموضوع، سأشرح عن بعض من المصطلحات التي تستعمل للشرح والتعبير عن أساليب ونتائج التمييز في العلاقات المجتمعية:

  1. التحيز/التحامل Prejudice: يشير إلى المعتقدات والأفكار والمشاعر والمواقف التي يحملها شخص ما بشأن المجموعة الإجتماعية أو تجاه الفرد بناءً فقط على عضويته. وهذا لا يعتمد على الخبرة؛ بل إنه حكم مسبق، نشأ خارج التجربة الفعلية، وهي تعتبر المظلة الحاضنة للمصطلحات الأخرى.
  2. التمييز Discrimination: هو السلوك أو الأفعال السلبية عادة تجاه فرد أو مجموعة من الأشخاص لا سيما على أساس الجنس/العرق/الطبقة الإجتماعية إلى أخره.
  3. الصورة النمطية Stereotype: هي إعتقاد ثابت وعمومي حول مجموعة أو فئة معينة من الناس.
  4. العنصرية Racism: الإعتقاد بأن العرق هو المحدد الرئيسي للصفات والقدرات البشرية وأن الإختلافات العرقية تنتج تفوقًا متأصلًا في عرق معين.
  5. رهاب الغرباء/الأجانب Xenophobia: استنادًا إلى الكلمة اليونانية التي تعني “الخوف من الغرباء” تشير “كراهية الأجانب” إلى “الخوف أو الكراهية لأي شيء غريب أو خارج جماعة أو أمة أو ثقافة الفرد”. بمعنى آخر، إذا كان الشخص (أ) لا يحب (بمعنى لديه رد فعل عاطفي/موقف سلبي تجاه) عنصر اجتماعي بشكل عام، أو الشخص (ب) (سواء بشكل صريح أو ضمني) بشكل خاص لأن هذا الشخص منتسب إلى ذاك العنصر، فهذا تحيز/تحامل. إذا كان الشخص (أ) يعتقد أن كون الشخص (ب) من عنصر اجتماعي يجعله  شخصًا كسولًا وأحمق، ولكنه طباخ وعازف جيتار رائع (عليك أن تمنحهما ذلك!) هذا هو صورة نمطية. إذا لم يقم الشخص (أ) بدعوة الشخص (ب) إلى حزبه/ها لأنه من عنصر اجتماعي معين، فهذا تمييز.

 الآن، قد يجد بعض الناس أن إقرار الإختلافات في السلوك والإعتراف بهم على أسس هوية الآخر أمر مقبول ومبرر استنادًا إلى العديد من الأفكار أو الخلفيات الأيديولوجية أو حتى الثقافة المجتمعية مخضعا الآخرين لعاداتهم وأساليب حياتهم. لكن في عصرنا هذا وفي مجتمعنا المتماسك هذا بالتأكيد لا يحدث. أم أنه؟

النظرة الفوقية

“أين هي سيدتك” عنوان مقال لطالبة دراسات عليا أندونيسية درست في عمّان. في هذا المقال تشارك ليلى بتجربة معيشتها في عمّان كاتبة  “على ما يبدو، فإن فكرة أن يكون الأندونيسي قادرًا على تناول الطعام في مطعم ما هو أمر غير مألوف بالنسبة للأردنيين، وبالتالي فهم يفترضون أنني لست بحاجة إلى لائحة طعام. وحتى عندما أدفع ببطاقة الإئتمان الخاصة بي، فعادة ما يتم تسليم البطاقة إلى زملائي (بريطاني وباكستان) بدلاً مني، مما يظهر مرة أخرى أن الأردنيين يعتقدون أنني ببساطة هناك كخادمة أو عاملة ليست كالطلاب الآخرين.” وتضيف “إلى حد بعيد ، كانت أعمال العنصرية هذه أعظم صعوبة خلال وجودي في الأردن، لأنها تخللت كل جانب من جوانب حياتي هنا. أعني حتى عندما أذهب إلى محلات البقالة، كثيراً ما كنت أتعرض لأسئلة مثيرة للسخرية من الغرباء منادين “وين بابا/ماما؟”. وحتى قبل أيام قليلة، صدمني رجل في منتصف العمر حرفيًا بعربة التسوق الخاصة به لعدم الابتعاد عن طريقه بسرعة كافية. ذلك من دون تلك المضايقات الجنسية التي أواجهها في الشوارع! من الواضح تمامًا أن الثقافة الأردنية ترى أن الناس الذين يشبهونني هم أقل قيمة ولا يستحقون حتى المستوى الأساسي من المعاملة العادلة أو حتى الإحترام.”

وهذا ليس ببعيد عمّا يحدث من حوارات وأفعال مجتمعية بصيغة يومية . ف ” دير بالك ممكن تنهبك وتهرب” و”ديري بالك ممكن تسوي فيكي إشي أو بالأولاد”، وغيرها من أمثلة خاصة بالعرق مباشرة، مثل الإشارة للعاملات ذوات البشرة السوداء “يي بتخوف” أو “هدول بعملوا سحر” لوجود بضع من الأمثلة لتلك الحالات. كلها بدورها أصبحت مصدر أساسي ومعتمد لتفسير وتبرير التصرفات والأساليب المستخدمة في هذا الإطار  فالآن نرى مصادرة جواز السفر كشرط أساس لوجود العاملة في المنزل، ونرى أن عقابها من قبل المكتب بالضرب أو الإهانة هو “خيارٌ مقبول”إذا دعت الحاجة لذلك. فها نحن الآن جعلنا من العاملات المستقدمات سلعة ينادي فيها الراديو ” إذا ما عجبتك خلال شهر رجعيها”!.

 ما تسمعه على الراديو أحياناً

ما تسمعه في الراديو يصدمك ويفاجئك أحيانًا، لكن لثانية واحدة فقط. ثم تعود الحياة لمجراها. هذا برأيي، ملخص تفاعلاتنا وعلاقاتنا في الأردن. نحن نقر في بعض الأحيان بأن الأمور خاطئة وبطريقة أو بأخرى نفهم تأثيرها لكننا اعتدنا على الوضع، بحيث وصلنا إلى حالة درجة من اللاوعي الواعي تشل أجسادنا وعقولنا عن القيام بأي تغيير.

على من يقع اللوم؟ علينا نحن كأفراد، فلدينا القوة والإرادة اللازمة للتغير وتغيير من حولنا، نحن مباركون بعقول حرة ولدينا ما يكفي من الفرص اليومية باستمرار للإستفادة من هذه القدرات للتعبير عن آرائنا سواء كانت متعلمة و/أو عاطفية وإرساء التغيير -ولكن لماذا لا نمضي قدمًا في هذا؟ لماذا لا؟ فوفقاُ لفيصل لدينا خاصية واحدة حقيقية، فلماذا لا تدفعنا إلى الأمام؟ هل نستخدمها  بشكل خاطئ؟ لكن ما هو الصحيح؟هل لأننا خائفون أو كسالى أو محبطون أو لمجرد أننا لا نرى أي فائدة من بذل أي جهد هناك؟…

لمتى يستمر التذمر؟!

في يومٍ ما بطريق عودتي للمنزل في أحد سىرافيس عمّان على إحدى قنوات الراديو، كانت امرأة تروي قصتها عن رغبتها بولد وأن بناتها الخمس -التي تحبهم حباً جماً- هم نتيجة محاولتها هي وزوجها بالرزق بطفل ذكر “فاللولاد غير” كما أعقبت. فقررت هي وزوجها المحاولة مرة أخيرة واستعانت بالطب الحديث باستخدام تقنية «التشخيص الجيني ما قبل الزرع» (PGD). وذلك لكبر عمرها وضمان مستقبل العائلة المادي بحيث ان الحياة في عائلة بهذا العدد من الأفراد صعبة في هذا الوضع الإقتصادي.

 “إن تفضيل المولود الذكر عن الأنثى ليس ظاهرة جديدة، ولكن بينما اتّبعت الوسائل القديمة التخلُّص من الطفلة الأنثى بعد ولادتها، أو إهمالها، أتاحت التكنولوجيا الحديثة والتي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين وأهمها السونار، التخلص من الإناث قبل ولادتهن عن طريق إجهاضهنّ. أما في أوائل التسعينات فأصبح التفضيل ممارسًا حتى قبل الحمل وذلك عن طريق اختيار جنس الجنين باستخدام تقنية «التشخيص الجيني ما قبل الزرع»”.

لقد سمحت هذه التقنية باختيار جنس الجنين بعد التلقيح الإصطناعي وقبل نقله للأم، عن طريق فحص جينات أو كروموسومات الجنين وإرجاع الأجنة الحاملة للجنس المرغوب به إلى الرحم عبر التلقيح الصناعي أو ما يُعرف بأطفال الأنابيب. وبينما استُخدمت التقنية بداية لدواعي طبية مكّنت العلماء من الكشف عن بعض الأمراض والحد من الأمراض الوراثية كالهيموفيليا والثلاسيميا إلا أنها أخذت منحىً اجتماعيًا بحتًا.

“لا يوجد قانون في الأردن يمنع أو يُشرّع استخدام تقنية التشخيص الجيني، ولكن سبق أن صدر في العام 2009 مشروع قانون حول استخدام التقنيات الطبية المُساعدة على الإنجاب لا يزال موجودًا في ديوان التشريع والرأي إلى هذا اليوم. تحظر المادة العاشرة من مشروع القانون «استخدام التقنيات الطبية المُساعدة في انتقاء الجنس» إلا في حال تعلّق سبب الانتقاء بتفادي أمراضٍ وراثية مرتبطة بجنس الجنين. هذا وكانت دائرة الإفتاء الأردنية قد أصدرت فتوى شرعية حرّمت فيها كذلك استخدام التقنية لدواع غير طبية «لِما في ذلك من المحاذير الشرعية كفتح الباب أمام العبث العلمي بالإنسان، واختلال التوازن بين الجنسين، والتعرض لاختلاط الأنساب، وكشف العورات».”

كانت السيدة فرحة للغاية عندما تم تأكيد حملها، وانتظرت ليلا ونهارا لفحصها بالموجات فوق الصوتية في الأسبوع الثامن عشر لتحديد بل لتأكيد الجنس. خلال  تلك الفترة تسوقت ببعض من الجنون لشراء ملابس أطفال زرقاء اللون، واشتغلت بتسمية نفسها أم فلان. ولكن عندما جاء ذلك اليوم كانت الصدمة؛  إنها فتاة! طفلها السادس، آخر أحمالها وفرصها.  وحتى مع محاولتها للتحايل على القدر-فما في بطنها بنت! جراء خطأ طبي على ما يبدو. لقد دمرت، كانت غاضبة للغاية، خائبة الأمل من شدة رغبتها في إنجاب إبن. كل تلك الآمال و الرغبات أتت لنهايتها في لحظة كانت ستغمرها بالحب والسعادة بالتأكيد إذا ما كانت الكلمة (ولد مش بنت). لقد فكرت في الإجهاض، لكن هذا غير مقبول ولا ممكن. فتبعها الإكتئاب.

وفي غضون بضعة أشهر، أدركت أنها ليست خطأ طفلها ولا خطأ  أحد، وعلى أي حال ستحبها دون قيود أو شروط. ومع ذلك، يمكنك أن تشعر بخيبة أمل عميقة في صوتها. لماذا هذا؟ هو بالتأكيد من السياق الثقافي المحلي والعالمي؛ فهناك محاباة واضحة تجاه الذكور لأنهم “أكثر جدارة وقيمة” (هذه المرة الثانية التي نذكر فيها “القيمة” في هذا المقال) فيُنظر إليهم على أنهم أكثر قدرة على فعل الأشياء؛ وهم أيضاً من يحملون اسم العائلة، ويمكنهم مساعدة الأسرة عندما يكون هنالك حاجة إليهم، وسيكونون دائمًا موالين لهم، فهذا هو السند. ربما هذا هو صحيح لأوقات كانت المرأة ودورها مهمشون إلى عدمه وكانت قوانين الغاب هي الحاكمة. لكن “هم البنات للممات” و”البنت آخريتها لبيت زوجها”، و”لمّا قالولي ولد اشتد ظهري واستند… ولمّا قالولي بنت انهدت الحيطة علي”، و”البنت ما بطلع بإيدها إشي”، و”الولد بيجي وبتيجي رزقته معه”. وأيضاً إذا أتت الزوجة بخلفة من البنات فقط، يُنصح الزوج بالزواج عليها كأنها مريضة يجب علاجها أو استبدالها وحتّى التخلص منها وغيرها الكثير من الأقوال والأفعال. كل هذه التحاملات والأنماط السائدة في هذا العصر ظالمة، غير هادفة وهادمة ويجب الحد منها؛ لكنها مع الأسف شائعة ومقبولة. فكيف يمكن تجاوز هذه المقولات الّتي استوطنت عقول شعوبنا كثقافة يناط بها المنطق.

ولكن في مجتمعاتنا في الوقت الحاضر المرأة هي أكثر الموالين وأكثرهم إخلاصاً وقادرة على القيام بكل وأي شيء. فلماذا لا يزال وضعها بتلك الخانة القاتمة؟ استخدم هذه القدرة من التعبير الحر والمتواصل لرفض هذا التيار الظالم و وضع حد لهذا الحكم الجاهل. فيجب التوقف عن استعمال هذه الكلمات النمطية للمرأة المشيرة للضعف والعبء. فاليوم نحن بأمس الحاجة إلى النظر إلى محتوانا الثقافي وعاداتنا وانتقاده إن دعت الحاجة لذلك. فالعادة ليست بتعريفها حقيقة إنما هي عرف اجتماعي. ولبقائها و استعمالها تحتاج إلى وفاق و قبول من المجتمع، فهنا تدعو الحاجة إلى وعي مجتمعي ملائم ومناسب لمكونات المجتمع و أعرافه. فالتذمر يجب أن يتطور إلى فعل.

 أسامة مبيضين

2 104