كفى

كفى

في ظل هذهِ الدموية التي تُلاحقنا في المُجتمع، الذي يراهن الشعب الأردني على الأمن فيه وتعتبر الأردن واحة من واحات الطمأنينة التي زُيفت وتلطخت بالنزاعات والقتل في واحدة من أخطر الظواهر التي يشهدها أي مجتمع كان في هذا العالم. ولعل من ينتمون إلى الفئوية ويؤيدونها هُم الأكثر في من تشيعُ فيهم مثل هذه الظاهرة. لا سيما العشائر التي ذكرت فيما سبق أن أبناءها يحملون في جذورهم أطيب الصفات وأشجعها. ولكن من أقام على تنشئة هذا الجيل نسيَ أن يُذكرهم بالسِمات الحسنة والفضائل، وذكر لهم المعارك والغزوات التي جعلت من هذا التاريخ الفاضل، تاريخاً أسود، نسيَ أن يقول لهُم أن جدّي من اقتلع بارودته ووضعها أرضاً وتعارك مع الرجال بالأيدي بدل الرصاص والدم. كما للجهل في التاريخ دورٌ في نشوب مثل هذهِ النزاعات، أيضاً الجهل في العقول لهُ باعاً طويلاً في إنتشارها، وكما قيل فيه:

وما انتفاعُ أخي الدنيا بِناظِرِهِ   إذا استَوَتْ عِندَهُ الأنوارُ والظُّلُمُ

وهذا يحدُث عندما لا نُعلم أطفالنا ما احتاجوا له من أجل أن يمضوا في حياتهم بسلام، ولعل الفن أيضاً لهُ الدور الكبير، إذ بانتشار “فن الشيلات” الذي تحضُّ بعضها على العنف والقتل والإعتزاز بالأنساب دون غيرها، إذ تعتبر مُحرك أساسي وغاشم من مُحركات هذهِ المعامع، التي تُزهق فيها الأرواح على أتفه الأسباب من الرجال والشباب، وتُيّتم الأطفال وتُرمّل النساء عنوةً دون ذنبٍ أو خطيئة. هذا كُله يحتاج إلى نهضة على مستوى التعليم والتنمية في الشباب وإشغالهم بما يُفيد وينفع، ويكونوا هُم الصلاح لمجتمعاتهم، الكُل ينظر لنصب المشاريع هُنا وهُناك، ولكنهم يَغفلوا عن هذا الجانب، حتميُّ النجاح إن طُبّقَ كما يجب.

يغزونا في الآونة الأخيرة الهائلُ من التطوّرات التكنولوجية، واستخدمت لفظ “غزو” لأن كل ما يأتي على جهلٍ به، يكون فيه الضرر حتميٌ أيضاً. لا بُدّ أن نذكر ألعاب الفيديو الدموّية، التي فيها يفوز الطفل أو الشاب إن قتل أكثر من زُملائه في اللُعبة، والمضحك المبكي أننا ما زلنا نُسميها لُعبة، ولعلَّ تجميعَ الفِرق فيها مبني على فكرة التجمُعات مثل العصابات الخطِرة، التي تُعيثَ في الأرض الفساد. على الفردُ الواعي والمنتمي إلى هذهِ الأرض، التصدي بالفكرة للفكرة. وبالسلام للحرب، وأن يمنع كُل هذا، لا نُريد العودة إلى الجاهلية، التي تعرفُ الثأر مثلاً.

وكما قال أحدهُم، العين بالعين ويُصبحُ العالم أعمى! وهذا ما يُهدد فينا الأخلاق الإنسانية والفطرة البشرية، التي من شأنها أن نُحافظ ونحمي بعضنا البعض، ولا نكون عبئاً يُضاف على كاهل هذا العالم. ولنتطرق إلى موضوع فرص العَمل التي من المُمكن أن تُشغل الشباب وتدعوهم للإنصراف لأمور حياتهم والتفكير بها والتطوير من قُدراتهم، إذ للفراغ خطر كبير على الشباب. فيقول إبن الخطّاب رضي الله عنه “إذا كان العمل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة”.

وأيضاً للفقر دور في تفعيل الوجه الآخر للشر والمزيد من سفك الدماء لهدف جمع الأموال أو قضاء الحاجات. وآفة المُخدِرات التي تتغلغل هُنا وهُناك، ولو غفلنا عن الجانب الصحي، لا بُدَّ أن نذكُر جانبها المادي والمعنوي، وأثرها السلبي على المجتمع. وفي اقتناء السلاح في معظم بيوتات الأردن، كان هذا في قديم الأزمان ليحمي كُلٌ بيته، ولا يُخرجه إلا للعازة القصوى، وليس من أجل المباهاة وتخويف الآمنين. 

إلى متى سنشهد هذا، إلى أين نذهب في هذا الكوكب؟!

شاب في عمر السابعة عشر، يقتل طفلة!

طفلٌ يقتل طفلة، ما الذي أوصلنا إلى هذا الحد بالله عليكُم؟!

أيُّ حُزنٍ سيدخل قلوب الأُمهات والثكالى، كم مرّة عليهاَ البُكاء خِلسةً في الليل وبعد أن يذهب إبنها إلى المدرسة؟! هو لن يذهب هذهِ المرّة، إنه ميت دون ذنب، قتلهُ أحدهم لتجلس بين قمصانه وتشُمها، أليس الأولى أن يكون في حُضنها ولا يعمرُ الحزن في قلبها المدميْ. وأبوه الذي يفاوضه على اللعبة غالية الثمن أمس، يبكي ويقول لو أنه ُ يعود لاشتريتها لهُ، فقط ليرجع هُنا. ويتذكر أنه قد أصبح شاباً ولا تصلح لهُ اللعبة هذهِ، ويتذكر أنهُ انتهى من الجامعة وفرحوا بهِ، ويعود ليتذكر أنهُ قُتل وما عاد أيُّ شيءٍ في مكانه. غُرفته لم تعُد مليئة بالفوضى، لأن السبب فيها قد مات.

يقولُ الشاعرُ زُهير بن أبي سُلمى عن الحرب وما تُخلف من ورائها:

فتُنتِج لكم غِلْمانَ أشأمَ كُلُّهم

كأحمر عادٍ ثم تُرْضِع فتَفطِـمِ

 

وهذا يُترجم معنى أن تكون الحروب مُحيطة بنا من كُلِ صوب ونتيجتها هي خلق أطفال مُشوّهين من الداخل غير قابلين لأي فكرة، ووسط أهل يظنوا أن الذهاب إلى طبيب نفسي هو عيب أو عار. ليس من أجل أن نوجد ونُقابل أشخاصاً متزنين، يرمونَ إلى النفع والتطور والحضارة، بهذا نستطيع الإكمال، أو النهاية السوداء للأسف. علينا أن نعي جيداً ما يعنيه حياة إنسان، وأن نُجابه كل ما يدعو إلى السوداوية والخراب الجارف. فهذا واجب مشترك وعلى الجميع أخذ موقف صارم ومتعاون، من المجتمع والحكومات وجسم الدولة بشكلٍ أوسع، ولنتطلع للأفضل والأسلم دائماً، سلام.

 

محمد عجارمة

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

0 248