كن نبيلا… و إلتحم

كن نبيلا… و إلتحم

 

الصباح الباكر ومنتصف شهر تموز من عام الألفين. يبدو أن الطقس اليوم سيكون حارا جداً. لا بد ان أضل في البيت ثمان دقائق وأُغلق النوافذ جيداً. لا تصلح لي الشمس، واليوم في المساء سوف أحضر الحداد ليُركب الأباجورات لأرتاح من هذا الشقاء. لأُشغل المروحة لطرد هذهِ الحرارة البائسة، لا أريد أن أتلاشى… ببساطة. الجريدة تمسحُ عرق وجهي وما عاد المنديل يكفي. الجوع بدأ يأكل منّي، مالي أضعف هكذا، أصبحت بحاجة ماسة إلى الطعام. يجب أن أقدم بعض التنازلات، لأذهب إلى المتجر المجاور لأُحضر الطعام.

لكن، ما الحل مع الشمس هذه؟!

هل أنتظر المساءَ أم أذهب؟!

هذهِ الحرارة ستفعلُ بي ما لم أشعرهُ قط في حياتي.

إني أخاف الطيران، وإن طرت ماذا سأرى؟!

سوى لونين الأبيض والأسود!… وأنا الذي لا تروقني مثل هذهِ المناظر.

يا إلهي ما هذا الدُوار؟!!

أصبح من الضروري الخروج الآن أو أفقد الوعي ويحدث ما لا يحمد عقباه، أتمنى لو أن لي صديق واحد على الأقل ليساعدني. بدأت أتعب من هذه الحياة، ما زلت أكابر وأوصف نفسي بالنبيل، يا لهذا الكبر على القلة والجوع. انتهى النقاش، سأذهب الآن إلى المطعم، إما أن أكون أو لا، لنرى ما هي فاعلة شمسكم هذه؟!. حتى الباب صدِأ من قلة فتحه، النور شديد هُنا…

منذ ولادتي لم أخرج، يا إلهي كم لبثنا؟!… وكأن الطريق طويل، أم أني لم أمشي طوال حياتي!!

وأخيراً وصلت!… لأشتري الأغراض لكي لا أعاود هنا ثانيةً…

أشعر أن جسمي بدأ بالإلتواء والتكوّر، ما هذا!

سأخرج من هذا المكان سريعاً…

كم تحتاج من المال! خذ ولا تتكلم أكثر. هل ستحرقني الشمس أم أني سأطير؟ ضيق في الصدر ودُوار لم أشعر به قط.

النجدة!! لا… لن أطلبها من أحد، صوتي بدأ يتلاشى من يسمعني هُنا!

النجدة… النجد… النجج…

أين أنا!! ما هذه الألوان كلها!! ما الذي حدث!! أين أنا!!

هل خلقت من جديد أم اني أموت؟!

هذه الألوان جميلة جداً، يا إلهي وأُحلق فوق هذه الأرض، هذا بيتي باللون الأسود.

انظروا هناك، هذا اللون ما أجمله، ما إسمه؟

أصفر!!

أخضر!!

أبيض!!

أحمر!!

لا أعرف معنى هذا ولكنّه جميل جداً، لم أرى هذا في حياتي قط.

يبدو أني سوف أكرر هذا كل يوم، لأستمتع بهذا الآن وفي الليل أذهب لهذه الألوان لأعرف كيف صنعت. وكأني في حُلم لأرى هذه اللوحة، انظروا هناك! هذه المدينة كل بيوتها بنفس اللون. الأجمل تلك التي يتنوع ألوانها، لا بد أنهم مختلفين، لهذه صنعوا هذا المنظر البهي. الهواء يدخل إلى أنفي ويداعب رئتيَّ، لن أتلاشى بعد هذا، بل سأطير وأُحلق، كم ضاعت مني رحلة وأنا أُغلق على نفسي النوافذ والأبواب.

لا يهم، لو من عمل الشيطان، لنا بقادم الأيام. بما أنكم أصبحتم أصدقائي الجدد، سأقدم نفسي لكم… أنا السيد “هيليوم” تستطيعون مناداتي ب “هيلو” بدون سيد. يقولون لي النبيل هيليوم، نبيلاً لأني لا أتحد مع أحد، أرى نفسي الأفضل لذا لا يناسبني أن أكون شريكاً مع أحد، لا أصدقاء لا علاقات. أبحث عن وظيفة الآن، في السيرة الذاتية وضعت أني طيّار جيد. أحدهم يعرض علي أن أعمل في الأفراح وأعياد الميلاد. يضعوني في البالونات ويحتفلوا هُم في المساء، وفي الصباح أذهب بعيداً لأطير. إن كل الألوان التي رآها هيلو هي تعدد ثقافاتنا وأفكارنا وتوجهاتنا، التي من غرضها رسم اللوحة التي نُحب أن نرى، ونصورها بالأجمل.

إن التعددية لا تعطي انطباعاً إيجابياً بالمرّة، ولكن مدى الإنسجام والتلاحم بين مختلف الثقافات هي التي تعطي هذا الإنطباع. وأن تحون نبيلاً كما يوصف الإنسان صاحب العروق والجذور الأصلية في بلد ما، هذا لا يعني أن لا تكون كيميائياً بل بالعكس. وكما ذكرت صفا، أن الذهب لا يمكنه التشكل ولا يأخذ القساوة إلا إذا خُلط مع عديد المعادن. الحياة أشبه بورشة متعددة المهن والحِرف، فإن كنت نجاراً ستحتاج سبّاكاً، وإن كنت سباكاً لا بد أن تحتاج إلى الخيّاط ليَحيك لإبنك ثوباً متعدد الألوان. إبنك الذي تزوج من أخت صانع التحف، الذي كان أبوها حداداً فيما مضى. كل هذا الخلط والعشوائية يذكرنا بأهمية التنوع والإختلاف أيضا. لن تكون وحدك نافعاً بشيء على الأغلب، واليد الواحدة لا تُصفق. صاحب العود لن يعزف الأغنية إذ لم يكتبها الشاعر، ويلحنها المؤلف. كلنا نحتاج أن يكون هذا كله، لنخلق التوازن في مجتمعاتنا، إذ يعتبر هذا سلاحا ذو حديّن فهو صانع الحرب والسلام، ونحن من نحدد الطريق، إما أن نتبع من تطرف بالقول والفعل أو نأخذ الحوار والتفاهم طريقاً نسلكه.

وهذا ما يعنيه أن يصنع الإختلاف خلافاً، وما نستطيع إستنباطه بالكثير من الأمثلة التي سبقت، بشرط أن لا يكون القرار مأخوذا من جماعة على حساب الأخرى، وهذا يقاس على الحياة السياسية والإقتصادية في جسم الدولة أو في مجتمعاتنا حتى. على أن لا نعتبر الأقليات أقليات في القرار، بل هم عامود من أعمدة الدولة أو المجتمع. فعلى سبيل المثال، في مآدبا من بنى المدينة وشكّل الطرق وحدد ملامحها هم سكانها الأصليون، ممن يعتنقون الديانة المسيحية، وهذا يوضح دورهم الأساسي والرئيسي في بناء الدولة الأردنية وليسوا أقلية مهمشة كما يظن البعض. وفي مناطق أخرى نرى آثار أيدي صُنّاع الحضارة من الشيشان وغيرهم من البهائيين والدُرزيين وشتى الأطياف والثقافات. وكيف أن وجود المخيمات الفلسطينية والسورية غيّرت من الملامح الخريطية والثقافية بتنوع. وفي تاريخ القبائل الأردنية أيضاً وجدت من كل مكان ليكوّنوا العشائر التي هي اليوم، وهذ دليل كافي على التعدد في الأصول والمنابت، ومن السذاجة أن يتحزب أحدنا إلى فئة معينة أو مكان ما.

من الطبيعي أن يرى الهيليوم تلك اللوحة إن طار وحلّق. وما علينا فعله في حقيقة الأمر أن ندرك هذا كله، وأن نتشارك لنثري هذا المكان، والأهم أن يعرف ويعترف أحدنا بالآخر وينبذ كل أشكال الإنغلاق على الذات. وأن لا نحاول أن نجعل الكل في صفنا أو مثلنا، بل لنتشارك معهم ويأتي أحدهم في الصباح حاملاً على صينيته الزيت والزعتر ومكبوس الزيتون من جاري، جالسٌ أنا على الصاج لأخبز الخبزات والشايات في ناري… سلام.

 

محمد العجارمة 

 تم كتابة هذا المقال ضمن برنامج ال JVS الممول من لجنة المانونايت المركزية. 

2 70